المرأة السعودية والعمل التطوعي .

1 يناير 1970 – 23 شوال 1389 هـ( 1577 زيارة ) .

التصنيف :المرآة و العمل الخيري .

ففي السابق كانت هناك بعض الجهود الفردية والمبادرات الشخصية التي تسعى لعلاج بعض ما يتعرض له المجتمع من باب (الغيرة والشيمة والنخوة الأخوية)، ومن جانب آخر الالتزام الديني والأخلاقي الذي يدعو لمساعدة المحتاج، ونصرة الضعيف، ومواساة الأخ لأخيه حفاظاً على حميمية المجتمع، وبالتدريج بدأت تتحول هذه المبادرات إلى جهود منظمة عن طريق شِلل وصداقات، أو مجموعات تشكل نفسها تحت إطار لجنة، أو هيئة، أو مجلس، أو ديوانية، ثم تطورت شيئا فشيئا وأصبحت تمارس دورها في ظل جمعية ومؤسسة ومنظمة و……الخ. المهم أنها تصب كافة جهودها، وتخدم المجتمع تحت عنوان العمل التطوعي، والذي عرف، كمصطلح اجتماعي فيما بعد، بأنه تكاتف وتظافر مجموعة من الجهود الأهلية المجتمعة على تحقيق هدف اجتماعي معين.

يقول الدكتور سيد أبو بكر حسانين في كتابه (طريقة الخدمة الاجتماعية في تنظيم المجتمع): >إن التطوع هو ذلك المجهود القائم على مهارة أو خبرة معينة، والذي يبذل عن رغبة واختيار بغرض أداء واجب اجتماعي معين، وبدون توقع جزاء مالي بالضرورة< وبذلك أصبحت حاجة المجتمع للعمل التطوعي ماسة، وضرورية تزداد يوما بعد يوم.

 

تأثير العمل التطوعي على الفرد

للعمل التطوعي أهمية كبيرة على حياة الفرد والمجتمع. فهو ينبع من الإحساس بآلام الناس، وتلمس حاجاتهم، ولولا هذا العمل لازدادت حالة الناس بؤسا وشقاء، وهو واجب وطني، وشرف كبير لمن يؤديه، ويقوم به. فإضافة إلى ما ينعم به الإنسان من أجر وثواب عند الله سبحانه وتعالى، فإنه يحظى بقيمة إنسانية واجتماعية كبيرة في محيطه ومجتمعه، وذلك لما يخلفه هذا العمل من آثار قِيَميَّة ونفسية واجتماعية تترك مدلولاتها الجوهرية، وآثارها الإيجابية الواضحة على الفرد، وتعكس إشعاعاتها المباشرة على المجتمع.

وهو عطاء متبادل بين المتطوع نفسه وبين ما يقوم به من عمل، ويؤديه من دور. فعوائده جمة، ومزاياه عديدة قد تفوق ما يقدمه المرء تجاهها من جهد ووقت وعطاء، ففضل العمل على صاحبه أكثر بكثير مما يستحق. ويكفي أنه يمنح صاحبه سعادة الدنيا والآخرة، فما كان لله يبقى ويدوم ويثمر، وما كان لغيره يفنى ويزول، وهذا مصداق للآية الكريمة في قوله تعالى: وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللّهِ، وقوله في سورة الحديد: مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ، وقوله في سورة البقرة: مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.

والعمل التطوعي يصقل شخصية صاحبه ويعلمه الكثير، فيحمله المسؤولية، ويزيده ثقة بالنفس، وقوة في الإيمان، وصلابة في الإرادة، وخبرة في التجربة، ووعيا بالمجتمع، ويعلمه فن التعامل مع الآخرين، وكسب ود الناس واحترامهم. فالهدف الرئيسي منه التآزر والتآلف والتعاون والمحافظة على وحدة كيان المجتمع. إضافة إلى ذلك فإن هذا العمل يندرج تحت إطار العمل الخيري، والتضحية من أجل الآخرين. ففيه تفانٍ وإخلاص، وكسب رضا الله سبحانه وتعالى، كل ذلك على حساب النفس، والأنا، والمصلحة الذاتية، والاسترخاء، وحب الراحة التي يبحث عنها الكثير، ويلجأ لها الغالبية من الناس، لاسيما في ظل هذه الظروف الصعبة التي يعيشها المجتمع.

ففي رفاه الحياة المادية، وفي زحمة الالتزامات والانشغالات اليومية ينبري مجموعة من المتطوعين هنا وهناك يبذلون كل ما لديهم من وقت، وجهد، ومال، وتضحية لتقديم كل ما هو خير لصالح المجتمع، كل ذلك لوجه الله تعالى دون مقابل، ودون انتظار أي أجر مادي أو معنوي.

 

أهمية العمل التطوعي في العالم

يعتبر العمل التطوعي موضوعا شاملا وعالميا تحدثت عنه غالبية الديانات السماوية، وتطرقت إليه غالبية الدساتير والنظم. وإننا إذا تتبعنا التاريخ الإسلامي فإننا نراه حافلا بالأعمال التطوعية، ونلحظ أثر ذلك على المجتمع لاسيما في العهد الإسلامي الأول، فرسول البشرية محمد (ص) -ممثلا للدين الاسلامي كمنهج ونظام حياة- هو أعظم رجل تحدث عن هذا الجانب، وطبقه في حياته، وجاءت الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة وروايات أهل البيت (ع) تحث على ذلك، وتدفع الانسان تجاه عمل الخير، وتجاه الإصلاح، وخدمة الآخرين حماية للمجتمع، ومحافظة على بقائه.

وعلنا نلاحظ اهتمام العالم بشكل كبير وأساسي بالعمل التطوعي كدافع إنساني واجتماعي بناءً على ما يتعرض له من نكبات، وأزمات سياسية، وحروب، وكوارث طبيعية، وما شابه ذلك. فما شهده العالم في العقود الثلاثة الأخيرة من زيادة ملحوظة في عدد الهيئات والمنظمات الأهلية غير الحكومية التي تعمل وتشترك في الأعمال التطوعية الخيرية، وأعمال التنمية الشاملة لخير دليل على ذلك، حيث بلغ عدد المنظمات غير الحكومية في الثمانينات حوالي 50 ألف منظمة وهيئة في البلدان النامية تعمل في المجالات التنموية المختلفة، كما قدر عدد الأفراد المستفيدين من خدمات هذه المنظمات والهيئات الأهلية بحوالي 100 مليون نسمة في البلدان النامية، منها 60 مليون نسمة في آسيا وحدها، و25 مليوناً في أمريكا اللآتينية، وحوالي 12 مليونا في أفريقيا، إلا أن هذا العدد لا يمثل إلا خمس عدد الأشخاص الذين يحتاجون إلى خدمات أساسية. قال تعالى في سورة القصص: وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ، وقال تعالى في سورة التغابن: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وقال أيضا في سورة النحل: إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ.. صدق الله العلي العظيم.

وقال (ص): “خير الناس أنفعهم للناس”، وقال: “من نَفَّس عن أخيه المؤمن كربة نَفَّس الله عنه كرب يوم القيامة”، وقال أيضا: “الكلمة الطيبة صدقة”، وقد ورد عنه (ص): “الخلق كلهم عيال الله فأحب الخلق إلى الله من نفع عيال الله وأدخل على أهل بيته سروراً”، وجاء عن الإمام موسى بن جعفر عليه السلام: “إن لله تحت عرشه ظلالا لا يسكنه إلا من أسدى لأخيه معروفا، أو نفس عنه كربة، أو أدخل على قلبه سرورا”.

 

أنواع العمل التطوعي

إن المتطوعين للعمل الخيري عادة ما يكونون متفاوتين في المستوى المعيشي والفكري، وفي مقدار الكفاءة والجهد، وفي مستوى العطاء، حتى في العمر؛ فهم في مراحل عمرية مختلفة. وهذا يعني أنه لا توجد شروط حتمية وملزمة يتقيد بها الفرد المنتمي لمثل هذا العمل. فهناك الطالب، والمثقف، ورجل الأعمال، والعالم، والطبيب، والمهندس، والعامل، والمزارع و.. و… الخ. إضافة إلى ذلك هناك بعض المؤسسات والمنظمات الأهلية التي تسير وفق خطط واستراتيجيات منظمة، فإنها تمتلك صلاحيات، وتفرض قوانين يتقيد بها المتطوع لهذه المؤسسة، وذلك لأنه كلما كانت الأهداف واضحة والجهود منسقة؛ حققت هذه المؤسسات والمشاريع مكتسبات ناجحة على مستوى تحقيق أهدافها، وتوسعها في المجتمع. ففي المجتمعات الغربية والدول الأوربية هناك مكاتب خاصة بالعمل التطوعي. فهي تدرس حاجة الفرد وإمكانياته، ومن ثم توجهه للمكان الذي يناسبه، حيث تضع الرجل المناسب في المكان المناسب حسب الوقت الذي يحدده، والجهد الذي يتناسب معه. وفي مجتمعاتنا رغم تقدمها، وتنامي وعي الناس فيها، وارتفاع نسبة المبادرات تجاه العمل الاجتماعي، وتعدد المؤسسات والمشاريع الأهلية؛ فهي بحاجة إلى أن تحافظ على نجاحها واستمراريتها ليس فقط بالجهود الخيرية؛ وإنما بالأيدي المتبرعة سواء بمال، أو جهد، أو وقت، أو حتى مشورة، أو رأي، والأهم من ذلك فهي بحاجة إلى استيعاب ثقافة العمل التطوعي، وغرس هذه الثقافة في أذهان المتطوعين، والعمل على تدريبهم؛ حتى يمكن تفادي الكثير من المشاكل التي تعيق التقدم الاجتماعي.

 

ومن هنا يمكن أن نصنف المتطوعين إلى ما يلي:

1- متطوعون بالمال فقط.

2- متطوعون بالجهد فقط.

3- متطوعون بالجهد والخبرة.

4- متطوعون بالوقت.

5- متطوعون بالجهد والوقت والمال.

6- متطوعون بالوقت والجهد والمال والنفس.

 

أما نشاطات العمل التطوعي والاجتماعي فهي كثيرة، ومتعددة، أوضحتها معالم الشريعة الإسلامية: أدناها إماطة الأذى عن الطريق، وأبسطها تبسم المؤمن في وجه أخيه المؤمن، ومنها:

1- رعاية المسنين والعجزة.

2- الاهتمام بالعوائل المحتاجة، والفقيرة.

3- الاهتمام بالأمومة، والطفولة.

4- مكافحة الجهل، ومحو الأمية.

5- رعاية المعاقين، وذوي الاحتياجات الخاصة.

6- مشاريع الزواج الجماعي.

7- صناديق الإعالة في شهر رمضان.

8- الاهتمام بنظافة البيئة.

9- الاهتمام بالمساجد، والحدائق، وتشجير الشوارع.

10- الاهتمام بنظافة السواحل من الملوثات.

11- الاهتمام بمدارس تحفيظ القرآن، وعلوم التفسير والحديث.

12- إنشاء لجان دينية تهتم بفقه المرأة، والأحكام الشرعية.

13- إقامة منتديات فكرية، وثقافية، ومحاضرات تحمي المرأة من خطر الإعلام. والتحديات التي تواجه العالم الإسلامي.

14- الاهتمام بالثقافة الصحية في المجتمع لاسيما ما يخص المرأة والأسرة.

15- العمل على تأسيس ديوانيات أسرية وعائلية للحفاظ على التواصل الاجتماعي.

16- إقامة المراكز الصيفية، والنوادي، والمخيمات لرعاية الشباب.

 

المرأة السعودية والعمل التطوعي

تحتل المرأة مكانة خطيرة في المجتمع ومشاركتها في حركة التغيير أمر ضروري لابد منه، وهذه المشاركة مرتبطة بقضية التقدم الاجتماعي، فكلما تقدم المجتمع وارتقى حضاريا كانت فرصة المرأة أوسع في المشاركة والعطاء، وفي عملية التغيير من حيث التمتع بحقوقها، والقيام بالتزاماتها، وكما هو معروف فإن تنمية المجتمع عملية مشتركة هدفها إحداث تغيير وتطوير كمي ونوعي في المجتمع يشارك فيها المرأة والرجل بالفكر والتوجيه والإرشاد والعمل. وإن تخلف المجتمع يؤدي إلى تخلف المرأة (والمرأة نصف المجتمع). ونتيجة للنظرة القاصرة تجاهها تم حجبها عن المشاركة حتى أصبحت نصف القوى العاملة عاطلة عن العمل بسبب حرمانها من المساهمة في عملية التنمية، وكانت النتيجة تراجع المرأة، وتخلف المجتمع.

أما اليوم، وبعد تطور المسيرة الاجتماعية، وما حظيت به المرأة من مكانة في التعليم، وفي مستوى الثقافة والوعي – بدأت تبرز نفسها في مختلف الأنشطة كعنصر فاعل ومؤثر ومبدع في مختلف مجالات العمل؛ لاسيما في العمل التطوعي والخيري. فقدرة المرأة على العطاء في هذا المجال تفوق الرجل في أكثر الأحيان، وهذا ما أثبتته أكثر التجارب في العالم، ويرجعون ذلك إلى كثرة النساء اللاتي تيتمن، وترملن بسبب الحروب التي خاضتها الشعوب الأوربية والأمريكية واليابانية جراء مرور حربين عالميتين، إضافة إلى مجموعة من الكوارث الطبيعية التي أودت بحياة كثير من الرجال وتركت الفرصة قائمة أمام النساء.

ويعود تفرغ النساء للعمل التطوعي لقدرتهن على تنظيم أوقاتهن أكثر من الرجال، كما أن حركتهن وسط المجتمع أسهل وأوسع.

والتاريخ الإسلامي حافل بأروع الأمثلة للمواقف الخالدة التي سجلتها المرأة، وهي تتحمل أجل المهام وأصعبها؛ لاسيما مواقفها مع رسول البشرية محمد (ص) وخوضها المعارك، ودورها الجلي في مداواة الجرحى، وتحضير المؤن، وإعداد الطعام، ورفع معنويات الجيش، وبث روح التحدي والصمود، وإثارة الحماس في النفوس، ومواساة المجتمع، والكثير الكثير من المواقف المشرفة للدور الجهادي العظيم الذي قامت به المرأة في معركة الرسالة ضد الكفر والطغيان والظلم.

 

الجمعيات النسائية نموذجا

وفي ظل هذه المعطيات فالمرأة المسلمة اليوم مدعوة للمشاركة في إصلاح المجتمع، وحمايته من أخطار الاستعمار التي تحيط به من كل جانب، عبر المحافظة على الأخلاق، والمثل، والمعتقدات. فالمرأة اليوم أصبحت مؤهلة أكثر من السابق بالعلم، والمعرفة، وبالقدرات التي تستطيع أن تثبت بها جدارتها، وموقعها في المجتمع من خلال الجمعية، والمؤسسة، والنادي، وغيره. فقد كان للمرأة السعودية دورها في خوض هذه التجربة، بالذات بعد تطور الوضع الاقتصادي، والطفرة النفطية، وتقدم مستوى المرأة العلمي، بدأت تستشعر أهمية دورها في مسيرة التنمية الاجتماعية، وفي مواكبة التغير الاقتصادي الذي يستلزم وجودها في ساحة العمل الاجتماعي، والمشاركة الأهلية؛ فظهرت الجهود النسائية التطوعية بصورة منظمة من خلال جمعيات نسائية تطوعية تهتم بمسؤولياتها في رعاية المرأة، وتعليمها، وتثقيفها، والاهتمام بمشكلاتها. وكان من أهم أهداف هذه الجمعيات ما يلي:

1- العمل على رفع مستوى الأسرة السعودية، والوصول بها إلى مستوى اقتصادي، واجتماعي، وثقافي مناسب.

2- تدعيم صلاحية الأسرة، وتوفير المقومات الأساسية لها مما يجعلها قادرة على التحرك بالمجتمع.

3- النهوض بمستوى المرأة السعودية، على وجه الخصوص، في شتى المجالات الدينية، والاجتماعية، والثقافية، والتربوية، والصحية.

4- الاهتمام بالطفل السعودي، وتهيئة الفرص له للنمو السليم المتكامل.

5- رعاية المعوقين، والاهتمام بهم، ودمجهم في المجتمع.

6- نشر الوعي الثقافي، والديني، والصحي والاجتماعي بين أفراد المجتمع.

الجمعيات العاملة المسجلة

ومن أوائل هذه الجمعيات الخيرية التي سجلت لدى وزارة العمل والشؤون الاجتماعية هي:

1- جمعية النهضة النسائية الخيرية وتأسست عام 1383 هـ.

2- الجمعية النسائية الخيرية بجدة وتأسست عام 1383 هـ.

3- جمعية اليقظة النسائية بالطائف وتأسست عام 1384 هـ.

4- جمعية النهضة النسائية بالدمام وتأسست عام 1384 هـ.

5- جمعية فتاة الخليج بالخبر سنة 1388 هـ.

 

ثم توالى إنشاء بقية الجمعيات الخيرية النسائية في مناطق عديدة من المملكة إلى إن بلغ عددها عام 1413 هـ (20 جمعية نسائية خيرية) بعضها جمعيات مستقلة، وبعضها فروع كلجان نسائية تابعة لمكاتب الإشراف النسائي التابعة لوزارة العمل والشؤون الاجتماعية، والموجودة في مختلف مناطق المملكة الوسطى، والغربية، والشرقية.

ولا يفوتني أن أشير هنا إلى الدور الريادي الذي رسمته جمعية الصفا الخيرية في مدينة (صفوى). فقد كانت حريصة كل الحرص خلال مسيرتها أن تشرك المرأة بكل ما تحمله من طموحات، وآمال، وتطلعات في أنشطتها المختلفة، حيث كان العمل النسائي في أوج نشاطه وحيويته في الفترة ما بين عام 1401هـ و 1403هـ، فكان التطوع للعمل الخيري يشكل بعقد اجتماعات دورية في بعض البيوت اقتصرت على التوجيه والإرشاد الديني، ثم تشكلت النساء في حلقات يقمن بزيارة بيوت بعض الأرامل، والعوائل المحتاجة لتقديم المساعدات المالية، والعينية حسب الاستطاعة، والقدرات المحدودة، واستمرت تعمل هذه الحلقات في فاعلية مستمرة، ونشاط حيث تزداد هذه الفاعلية أيام شهر رمضان الكريم، وفي أيام العيدين، ثم تطورت هذه الحلقات إلى لجان توسعية انضم بعضها تحت إطار الجمعية تحت إشراف الأهالي في كل منطقة وتعاونهم، إضافة إلى رعاية وزارة العمل والشؤون الاجتماعية.

 

هذه الفترة التي عاصرتها بنفسي كعضوة في اللجنة النسائية، والتي كانت مصدر إشعاع في المجتمع بأنشطتها المنبثقة منها وفق مقررات الجمعية ومنهجها، وأهم هذه الأنشطة كانت ما يلي:

1- رعاية الفقراء والمحتاجين

2- الاهتمام بكفالة الأرامل والأيتام.

3- العمل على إحياء المناسبات الدينية والثقافية.

4- إعداد دروس ومحاضرات تثقيفية، صحية، دينية، أسرية، واجتماعية.

5- تأسيس مكتبة تهتم بثقافة المرأة.

6- تصميم مجلات حائطية.

7- إقامة معارض خاصة بإنتاج المرأة من أعمال يدوية، وفنون مهاراتية.

8- إقامة لجان تدريبية مهنية، وغيرها الكثير.

 

وكانت المرأة المشاركة في أنشطة الجمعية في وقتها صادقة في بذلها وعطائها، متحمسة لذلك غير مذخرة شيئا من مواهبها، وإمكاناتها، وقدراتها. ولعل ما وصلت له المرأة في المنطقة اليوم من وعي، وما حققته من إنجازات، ومكتسبات، ومبادرات نراها في الساحة الاجتماعية بين آونة وأخرى هي ناتج تلك الفترة، ووليد لتلك المرحلة.

دور الدولة في دعم الجهود التطوعية

تقدمت الدولة بجهاتها الرسمية ممثلة في وزارات العمل والشؤون الاجتماعية التي تقوم بدور الدعم، والمساندة، والتشجيع للجمعيات الخيرية، ولا تتوانى عن تقديم المشورة، والمساعدات المالية، والعينية، والفنية. كذلك تقوم بدور الإشراف، والتوجيه لكل جمعية حتى تتمكن من تحقيق أهدافها المقررة في خدمة المجتمع. يوضح ذلك الدكتور الشبيكي في دراسة أعدها في مجال الرعاية الاجتماعية: “أنه مع تزايد المشكلات الاجتماعية عجزت الجهود التطوعية بمفردها عن التعامل معها، وكان لزاما أن يتدخل المجتمع والدولة لتتوافر خدمات الرعاية الاجتماعية للمواطنين، ومن ثم إصدار التشريعات التي تنظم بموجبها تقديم الخدمات، وتحديد فئات مستحقيها، وأصبح من واجبات الدولة، في المجتمع المعاصر، أن تكفل لمواطنيها حدا أدنى من الرعاية التعليمية، والصحية، والتأمينية، والاجتماعية، مع اختلاف صور تلك الرعاية من دولة لأخرى حسب ظروفها الاقتصادية، وتوجهاتها السياسية”.

وقد شجعت وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، منذ إنشائها، المواطنين على المشاركة الأهلية في برامج التنمية الاجتماعية، فكان لذلك أثر واضح في قيام عدد من الجمعيات الخيرية الأهلية التي ساهمت مع الدولة في تقديم بعض الخدمات الاجتماعية في البيئات المحلية التي وجدت فيها. كما اضطلعت الوزارة بمسؤولية تنظيم الجهود الأهلية، وتنظيم أعمال البر والخير، فوضعت عام 1384 هـ نظاما يعرف باسم (نظام الجمعيات والمؤسسات الاجتماعية)، وقامت أيضا بوضع اللوائح الأساسية، والتعليمات الخاصة في هذا المجال، والمتعلقة بتأسيس الجمعيات الخيرية، وتسجيلها رسمياً، ومساعدتها ماديا ومعنويا، ودعمها فنيا.

وأنه على الرغم من تزايد الدور الذي تضطلع به الدولة في توفير برامج وخدمات الرعاية الاجتماعية، فقد استمرت الجهود التطوعية تفرض نفسها، وإن اختلفت عن المراحل المبكرة من حيث الشكل، والتوجه، والتنظيم، ومجالات العمل، تحركها دوافع إنسانية، أو دينية، أو شخصية، أو اجتماعية.

ماذا يريد المجتمع من هذه المؤسسات؟

إن ارتقاء أي مجتمع وتقدمه رهن بارتقاء مؤسساته المختلفة، وبنشاط أفراده، والجماعات التي تعمل فيه ضمن خطط مدروسة وواعية، وضمن تنظيم شامل يوجه كل هذه الطاقات، ويستغل سائر الإمكانات المتوافرة، وعلى رأسها العنصر البشري. ولهذه المؤسسات أود أن أتقدم بهذه الاقتراحات:

1- المطلوب التعاون الجاد بين القطاع الرسمي والأهلي للاستفادة من الشباب، وشغل أوقات فراغهم، وتوظيفهم للمساهمة في عملية التنمية، ومحاولة العمل على تفريغهم كلجان متطوعة تابعة لمختلف قطاعات العمل الرسمي، فذلك يخفف من معاناة المجتمع، ويزيح من العبء الثقيل على الدولة.

2- يختلف العمل التطوعي في مجتمعاتنا باختلاف الوعي الثقافي بين منطقة وأخرى، فهو بين مد وجزر وانحسار وتراجع، لذلك يجب الاستفادة من الجهود والطاقات التي تمتلك قابلية للعمل، وإعادة لملمتها. فهي متناثرة هنا وهناك، والتفكير في صب هذه الجهود ضمن قنوات منظمة تخدم المجتمع بشكل كبير وواسع عن طريق تنظيم الأعمال التطوعية، و العمل على تدريب المتطوعين.

3- تكريم المتطوعين. وذلك بإيجاد حوافز، ومشجعات مادية، ومعنوية: كجوائز، وهدايا، ومكافآت. فالمجتمع مليء برواد المشاريع الاجتماعية، وبالأكفاء المخلصين الذين كرسوا حياتهم لخدمة المجتمع، أمثال: الكتّاب، والعلماء، والأدباء، والمفكرين، والشعراء والخطباء، والعاملين المخلصين، وغيرهم، لكن للأسف الشديد فإن هؤلاء لا ينالون التكريم والتقدير إلا بعد رحيلهم، وفي ذكرى وفاتهم فقط. أما في حياتهم فهم في طي النسيان يحترقون شموعا ليضيئوا الدرب للآخرين.

4- على الجمعيات اليوم إفساح المجال والانفتاح على المجتمع، ومنح الفرص، وفتح الأبواب واسعة لترغيب واستقبال المتطوعين رجالا ونساء، وعليها مواكبة التطوير، والتغيير، والتجديد مع ما يتناسب مع متطلبات العصر وتطورات المجتمع، وذلك لأن العمل التطوعي بحاجة دائما إلى همة عالية، وأفكار مبدعة لأنها المحرك الرئيسي لاستمرار الأنشطة.

5- إعادة إحياء دور المرأة من جديد، والنهوض بها، وتنشيط فاعليتها، ومنح الفرصة لتأسيس لجان وجمعيات نسائية مستقلة تفجر فيها المرأة قدراتها وإبداعاتها تجاه المجتمع، فقط امنحوها الفرصة وسوف ترون.

6- توثيق العلاقات، وأواصر التعاون بين الجمعيات ومؤسسات الدولة، وبين المؤسسات الأهلية في الدول العربية، وفي دول مجلس التعاون الخليجي لزيادة الخبرات والتجارب.

7- تسهيل الإجراءات، ومنح تصاريح ورخص من قبل الجهات الرسمية في الدولة للأعمال التطوعية، وتحويلها إلى أعمال مؤسساتية تخدم المجتمع، فالمؤسسات من مميزات المجتمع المدني المتطور، كما تطالب الجهات الرسمية بالابتعاد عن التعقيد، والروتين الممل، والتعامل مع العقلية المرنة الواعية للتطوير والتغيير.

المصادر المعتمدة:

1- القرآن الكريم.

2- ميزان الحكمة، محمد الري الشهري، مكتب الإعلام الإسلامي، طهران – إيران.

3- العمل التطوعي، دراسة للكاتب صالح آل إبراهيم.

4- دور المؤسسات الأهلية في دعم العمل التطوعي، للكاتب جعفر العيد.

5- الجمعيات النسائية الاجتماعية بمجلس التعاون الخليجي، سعد أحمد الحجي، الكويت عام 2000.

6- الجازي محمد فهد الشبيكي (دراسة – رسالة ماجستير غير منشورة) 1992، ص40، بعنوان الجهود النسائية التطوعية في مجالات الرعاية الاجتماعية بالمملكة العربية السعودية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top