بناء.. القطاع الثالث.

مرة أخرى أعود إلى هذا الموضوع.. ونحن جميعاً نرجو ونأمل أن يجد مَن يهتم به، وأنا متأكد أن فينا مَن لديه الرغبة والإرادة لنقل مجتمعنا إلى آفاق جديدة.. ولو خلت لخربت! والتوجّه لبناء القطاع الثالث له آثاره الإيجابية بعيدة المدى، التي تصب في خدمة الاستقرار الاجتماعي، وهنا نشير إلى أثره في توسيع (الطبقة الوسطى)، فالقطاع الثالث الحيوي يكون جاذباً ومشجعاً لدعم الأغنياء والموسرين للتبرُّع والبذل مما أعطاهم الله، فهؤلاء يهمهم تعظيم المنفعة لتبرعاتهم وصدقاتهم، والحكومة من مصلحتها تقليص دوائر الفقر، والقطاع الثالث هو الأقرب إلى بسطاء الناس، عيال الله! القطاع الثالث، نقصد به هنا مؤسسات وجمعيات النفع العام التي تستهدف العمل الإنساني والاجتماعي الخيري بمختلف مجالاته، منها ما هو متخصص في الأعمال دون الأرباح، ومنها ما يعمل على أسس تجارية ربحية لغايات خيرية. في السابق بنينا القطاع العام وما زلنا نتوسّع في ذلك، وأيضا بنينا القطاع الخاص عبر القروض والإعانات وإعطاء الفرصة الواسعة للاستفادة من المشاريع الحكومية الكبرى، وسهّلت له الحكومة ظروف التصدير والاستيراد، والأهم من ذلك أن القطاع الخاص معفى من الضرائب! في القطاع الثالث لدينا الآن أكثر من 600 مؤسسة وجمعية خيرية، تتصدّى للعديد من الجوانب الحيوية للناس التي لا تصلها بالشكل الكافي الخدمات الحكومية الأساسية والإنسانية، وما هو مهم للتنمية المستدامة هو أن هذه النوعية من المؤسسات غالباً تباشر احتياجات ضرورية للناس تكون شبه (تائهة أو مهملة) بين القطاعيْن العام والخاص، أي لا تجد أجهزة أو مؤسسات عامة أو خاصة تقع ضمن اختصاصها بشكل مباشر، وهذه تبرز مع توسع قاعدة التنمية وتجدّد المطالب والاحتياجات للناس، وربما تحتاج الأجهزة الحكومية إلى فترة طويلة للمبادرة والتكيُّف لاستيعاب هذه الاحتياجات، وهنا تكون التكلفة أعلى والاحتياجات أكثر، وإهمال هذه الاحتياجات وعدم الاستجابة السريعة لها قد يؤديان إلى توسُّع مصادر التضجر في المجتمع. أيضاً لهذا التوجُّه الاستراتيجي منافع بعيدة المدى على المجتمع والدولة، فنحن نعاني مشكلة استيعاب القوى العاملة.. بالذات المرأة، وهذا التحدّي يمكن أن نحوّله إلى فرصة وطنية مثمرة عبر مؤسسات القطاع الثالث وجمعياته. المعروف أن هذه الجمعيات تعاني نقصاً شديداً في الموارد البشرية، وأحد أشكال دعمها هو أن تتكفل الدولة بتأمين حصة رئيسة من العاملين لهذه المؤسسات، وكان من الأفضل لنا لو أن (برنامج حافز) أخذ هذا المنحى، أي إعطاء التمويل للجمعيات الخيرية لتتولى التوظيف، على الأقل في ربع البرنامج وليس لكل المتقدمين له. ثمة جانب مهم نجنيه من التوجُّه الاستراتيجي لبناء القطاع الثالث وهو تحويل مؤسساته لتكون (أكبر الموظفين) في الاقتصاد الوطني على المدى البعيد، وهي مجال جاذب للموارد البشرية، فهي عادة تأتي في الوسط، لا تنزع إلى التشدُّد مع العاملين، كما هو الحال في القطاع الخاص، ولا إلى التساهل والتسيُّب، كما هو الحال عادة مع منشآت القطاع العام. من المزايا الأخرى لهذا التوجُّه سنجدها في (سرعة المبادرة) لإنشاء المشاريع، فالمعروف أن القطاع الثالث أسرع في تحويل الأفكار إلى مشاريع، لأن حسابات تعظيم الأرباح ليست هي العامل الأساسي الحاسم، كما هو الحال في مشاريع القطاع الخاص، وهذا يقلل اعتبارات المخاطرة، لأن هامش الأرباح يسير وغير ضاغط على الإدارة. وهذه الخاصية نحتاج إليها الآن بشكلٍ ملحٍ وضروري في مجالات الرعاية الاجتماعية والإنسانية لأصحاب الحاجات الخاصّة وفي مجال رعاية الفقراء من الأيتام والأرامل.. وغيرهم. الآلية لدعم هذا القطاع ليست صعبة أو مستحيلة ولا تضيف أعباءً مالية كبيرة على الدولة، بل تتحقق عبر لملمة وإعادة هيكلة ما هو قائم من مؤسسات وصناديق لتكون تحت مظلة (بنك للتنمية الاجتماعية)، أو عبر توجيه موارد المؤسسات المتخصّصة في الإعانات والقروض القائمة التي كان لها دورٌ كبيرٌ في دعم مشاريع القطاع الخاص في العقود الماضية. إذا كنا نتحدث عن الأولويات، سنجد أننا نحتاج إلى بناء القطاع الثالث في مجالين حيويين، هما (التعليم والصحة)، وربما كان خطأ استراتيجياً عندما أدخلنا بشكل واسع القطاع الخاص في هذين المجالين الحيويين للناس دون تأهيله للمهمة، لذا التوجّه للتعليم والصحة عبر القطاع الثالث (ضروري لاستعادتهما) من القطاع الخاص، فالتكاليف ستتصاعد في السنوات المقبلة، والضحية ربما تكون الخدمة وجودتها أو تكون الضحية الناس المجبرين على خدماتهما، (أمران أحلامها مر)! طبعا نحن نتحدث هنا عن المبدأ، وفي الجانب العملي لدينا التجربة في هذا المجال، والمملكة من البلاد السباقة لدعم مؤسسات المجتمع المدني، في جانبيها الخيري والتعاوني، وقبل طفرة التنمية في منتصف السبعينيات الميلادية، كانت مؤسسات وجمعيات النفع العام تتصدّى لعديد من الخدمات، وعرفنا نماذج ناجحة في مختلف مناطق المملكة تقدم خدمات الكهرباء والماء والتسويق الزراعي.. وغيرها، لكن ـــ مع الأسف ــــ هذه التجربة تراجعت حينما دخلت الدولة بقوة في الحياة العامة.. وهذا التوجّه يعد أحد أخطائنا في التنمية، وما زال هناك متسعٌ لتصحيح هذا الخطأ، ومن حُسن الحظ أن لدينا الموارد الكافية.. وأيضا لدينا الإرادة السياسية الصادقة والجادة للإصلاح والتطوير.. وهذا هو المهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top