الأمن النفسي

١٤٤٨/٤/٢هـ

الأمن النفسي

علي القرني

أيها المسلمون: إن أشد ما يفتقده الإنسان في عصرنا الحالي ليس وفرة المادة ولا ثورة التكنولوجيا، بل هو الأمن النفسي والسكينة الداخلية  نعيش في زمن تسارعت فيه الأحداث، وتراكمت فيه الضغوط، وتعددت فيه الالتزامات، حتى أصبحت “الاضطرابات النفسية” من قلق وتوتر واكتئاب هي ضريبة المدنيّة الحديثة. إن غياب الطمأنينة يحوّل النعيم جحيماً، ووجودها يحوّل الكوخ الصغير إلى جنة وارفة الظلال. إن الإسلام لم يترك النفس البشرية تتخبط في ظلمات الحيرة؛ بل وضع لها أعظم دواء نفسي وعرف طبيعتها وتقلباتها. يقول الله تبارك وتعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾. الطمأنينة الحقيقية لا تُشترى بالمال، ولا تُنال بالمناصب، بل هي منحة ربانية وصناعة إيمانية تُقذف في قلب العبد الموصول بخالقه. إن علماء النفس اليوم يتحدثون عن “الصلابة النفسية”، والإسلام قد سبَقهم وتجاوزهم بتقديم “الصلابة الإيمانية” التي تجعل المؤمن كالطود العظيم لا تهزه الرياح العاتية. عباد الله، إن علاج الأزمات النفسية المعاصرة يكمن في ثلاثة أصول عظيمة: أولاً: حسن الظن بالله وتفويض الأمر إليه. اعلم علم اليقين أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك. إذا اشتدت عليك الهموم، فافعل كما فعل يعقوب عليه السلام حين قال: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾. الشكوى لله عبادة وتخفيف، والشكوى للناس ذل ومذلة. ثانياً: الرضا بالقضاء والقدر. هو بوابة السلام النفسي ومفتاح الرضا الداخلي؛ فالمؤمن يعلم أن تدبير الله له خير من تدبيره لنفسه، وفي الحديث العظيم: «عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلاَّ لِلْمُؤْمِنِ». إن الرضا يسحب من النفس فتيل السخط والاعتراض الذي يسبب العقد النفسية. ثانياً: العودة إلى العبادات الخاشعة. الصلاة لم تكن مجرد حركات، بل كانت واحة الراحة للنبي صلى الله عليه وسلم حيث كان يقول: «أرحنا بها يا بلال». والسجود هو الموطن الذي تفرغ فيه الشحنات السلبية، وتذوب فيه الأحمال والهموم تحت ثقل مناجاة غافر الذنب وقابل التوب.يقول ابن القيم رحمه الله تلخيصاً بديعاً لحال النفس: “في القلب شعث لا يلمُّه إلا الإقبال على الله، وفيه وحشة لا يزيلها إلا الأنس به، وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفته وصدق معاملته”. ففروا إلى الله عباد الله، وتخففوا من أثقال الدنيا الفانية بالقرآن والذكر.أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

الخطبة الثانية :

إن تحقيق الصحة النفسية في ديننا ليس مجرد أمنيات، بل يتطلب منا أيضاً اتخاذ خطوات عملية، وتغيير نمط تفكيرنا وسلوكنا في الحياة اليومية:أولاً: اعتزل ما يؤذيك ونظّف محيطك. خفف من الغرق في متابعة الأخبار السلبية، والزم الابتعاد عن مقارنة حياتك بالآخرين عبر شاشات وسائل التواصل الاجتماعي؛ فإن هذه المقارنات هي المنبع الأول للحسرة، وضيق الصدر، وزوال الرضا.ثانياً: عش في حدود يومك. لا تغرق في ندم الماضي وتجاربه الفاشلة، ولا تقتل لحظتك الحاضرة بالقلق على مستقبلك ورزقك الذي هو بيد الله وحده  يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا». هذا هو المفهوم الحقيقي للأمن النفسي. ثالثاً: الزم الاستغفار والامتنان. الاستغفار يفك العقد ويفتح المغاليق، والامتنان (وهو الشكر) يجعلك ترى النعم الصغيرة التي تحيط بك وتغفل عنها. إن كثرة الحمد تزيد الهرمونات الإيجابية في النفس وتطرد مشاعر العجز واليأس.اعلموا أن النفس إن لم تشغلوها بالحق والسكينة، شغلتكم بالباطل والقلق. فحصنوا أنفسكم بذكر الله، واعلموا أن مع العسر يسراً، وأن الفرج مع الكرب. ثم صلوا.

المزيد.

Scroll to Top