أين تقع قيادة المرأة السيارة؟

المجموعة: قضايا معاصرة نشر بتاريخ: الأحد، 30 آب/أغسطس 2015 كتب بواسطة: wdawah
 
[أين تقع قيادة المرأة السيارة؟]
 

كتبه: د. هند القحطاني.

وسط لهيب المشاعر المتحفزة، والأصوات المتصارخة، ومابين المدافعين والمهاجمين تضيع القضية ويتوه الهدف، ويتجه الجميع للنقاش حول التفاصيل والملابسات وينسوا الأساس الذي ابتدأوا منه.. قيادة المرأة، السجن، 17يوليو، حقوق المرأة السعودية، الظلم والتخلف.

 

كلها كلمات دارت حولها نقاشات مطولة ملأت السمع والبصر.. ولأنني امرأة .. ولأنني سعودية .. ولأنني أملك في داخلي أحلام كبار لازلت أسعى لها لإصلاح مجتمعنا ..

كتبت هذه السطور .. لا أدعي فيها أني أصل إلى رأي أو حل ولكنها محاولة لوضع النقاط على الحروف وإعادة قراءة الموضوع من وجهة نظري الشخصية. ومنافع لناس ..

ابتداء لابد أن نقرر مبدأ قرآنيا عظيما، وهو الإنصاف بلا تعدي ولا مجاوزة .. ويظهر هذا جليا حين تحدّث القرآن الكريم عن الخمر – ويكفي أن نتخيل رجلا ثملا أو امرأة لعبت الخمر في رأسها لنتفق على تحريمها – إلا أن الآيات حين نزلت قال الله الحكم العدل : {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ }،ولكن لإن الله الخالق الكريم يعلم أن {إِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} كان التحريم من أجل الحفاظ على الجنس البشري وحماية لعقله .

هذه التربية القرآنية تجعلنا نتناول قيادة المرأة من باب الإنصاف .. ولا يمكن للعقول السليمة أن تنكر تلك المنافع المتأتية من قيادة المرأة للسيارة ولو لم يكن منها إلا إيقاف مسلسل الانفراد بالسائق لكفى ..

ولا أظن أننا بحاجة لسرد المنافع فقد تكلم عنها وسردها غيري كثير .. وهنا قف معي قليلا .. وأرجوك أيها القارئ الكريم .. أن تساعدني في فهم بعض الإشكالات ! - المدافعون يتكلمون عن أهمية قيادة المرأة في التخفيف من مصاريف السائقين عن كاهل الأسر السعودية..

وأهمية ذلك في رفع موازنات الدولة الاقتصادية والتخفيف من أعداد العمالة المستقدمة ويعرضون لذلك أرقام وبجانبها أصفار وأصفار .. هل هذا الكلام الحقيقي ؟

هل هذا الحاصل في الكويت وقطر والامارات ؟ هل تعرف بيت في الكويت أو قطر أو الامارات ليس فيه سائق ؟ دعنا نفكر بصوت عالي .. هل ستذهب الفتاة لتشتري مقاضي البيت الكثيرة وتحمل كيس السكر والرز ؟

هل ستستيقظ الفتاة مبكراً بعد الفجر لتتمكن من توصيل إخوتها الصغار إلى المدارس قبل أن تذهب هي لجامعتها ؟

هل ستحمل اسطوانة الغاز للبيت ؟ هل يفعل ذلك أصلا الرجل السعودي ؟ هل يفعل ذلك الابن السعودي ؟

 

سؤال مهم أن نجاوبه قبل أن نقول أن الأم السعودية ستفعل ذلك أو أن البنت السعودية ستفعل ذلك ، ليرقص الرجل فرحا بمزيد من التحرر من مسؤولياته، ولتنوء أكتافنا نحن بمزيد من المسؤوليات .. !

حسنا .. حللنا مشكلة العمالة الوافدة من السائقين بقيادتنا للسيارة، فكيف سيكون الحل لمشكلة العمالة الوافدة من الخادمات ؟ زادت معدلات خروجنا من البيوت والتي لم تقتصر على العمل الصباحي فقط، فاحتجنا أن نستقدم أحدا ليقوم بمهامنا المفترضة ،الخادمة توقظ الأولاد للمدارس تمشط شعورهم وتعدّ لهم حقائبهم وتجهز طعام الفسحة وتلبسهم أحذيتهم ، توصلهم للمدرسة تعود فتطبخ الغداء وتنظف البيت في سلسلة معروفة في كل أسرة سعودية ابتداء من الدخل المحدود إلى الدخل العالين، بل هو سيناريو متكرر حتى في كثير من الأسر التي تستلم رواتب الضمان الاجتماعي والتي نطلق عليهم ( أسر فقيرة) ! بإنصاف وعدل .

لماذا لم يلتفت أحد إلى حقوق هؤلاء الأطفال الذين تربيهم الخادمات للتسمين فقط ! فتراهم مرتبين مهندمين لكنهم فارغين إلا من العقد النفسية حيث لا قيم ولامبادئ .

هي جلسة أو طلعة واحدة في الاسبوع والتي يظن الأب والأم أنهم بها غسلوا تراكمات أسبوع كامل من التجارب والخبرات المكتسبة لأطفالهم في المدرسة ومع الأصدقاء ، ليبقى للخادمة طوال الأسبوع لتتولى مشروع التربية بالتسمين! أليست الخادمات قضية مؤرقة وتستهلك كثير من ميزانية الأسرة السعودية ؟ قد يكون هناك سائق واحد لبيت لكن قد يكون هناك ثلاث خادمات لنفس البيت !! مشاكل التحرش وهروب الخادمات وعصابات التأجير وقصص السحر و قتل المواليد كلها أخبار يومية تعودها الشارع السعودي ولكن لم نسمع أحدا يطرح حلا من نوع : يجب أن نوقف مسلسل الخادمات وتقوم المرأة بمسؤولياتها .. ولم نسمع بحملات على الفيس بوك من نوع : سأقود بيتي بنفسي !! نحن نتخيل أنفسنا نفعل أي شيء خارج البيت ، وزيرة ،مديرة روضة ،خادمة طائرات عفوا أقصد مضيفة ، طباخة رائدة في مطعم ماما عبلة !

ولكن لا نتخيل أنفسنا نفعل الشيء نفسه في البيت ،لا نتخيل أنفسنا ونحن نرعى شؤون بيتنا ونقضي الوقت الأكبر مع أطفالنا، بل للأسف قد ننظر لهذه المهام بنوع من الدونية والتخلف !

كيف تغير تفكيرنا ؟ كيف رمينا عرائسنا الصغيرة ونسينا لعبة المطبخ الصغير تحت السرير ؟ من أدخل الفتاة في سباق محموم مع الفتى وأصبحت البنت في منافسة غير متكافئة مع الولد .. تريد أن تنافسه في العمل والحياة والشارع ! فأول نجارة سعودية وأول سباكة سعودية ،خط تصنيع معدلات ثقيلة بأيادي ناعمة هل هذه إنجازاتنا التي نفخر بها ؟ صمام الأمان في البيت ماذا يُبقي لها العمل والشارع والازدحام من أعصاب لتدخل البيت متعبة يرتمي صغيرها في حضنها يسرد كمسجل أحداث اليوم بكل التفاصيل التي حصلت له،أن تخسر الأسرة الأب الهارب إلى استراحته وصومعته مأساة يخففها أم تسد الخلل وتضمد الجرح، ولكن أن تفقد الأسرة الاثنين معا .. فتلك مأساة حقيقية !!

هل أنا أبالغ و أكبر القضية ؟؟ أتمنى ذلك .. لكن ليس هذا ما تخبر به الدراسات ! لن أتحدث عن عالم الغرب "المتحضر" فصيحات التحذير التي أطلقها علماء الاجتماع من نسيجهم الاجتماعي المهترئ حتى النخاع قد صم الآذان .. وسأعود لبلادنا وأكتفي هنا فقط بنسبة واحدة مروعة، حيث وصلت نسبة الطلاق في المنطقة الشرقية إلى نسبة 4:1 أي من كل أربع حالات زواج هناك ثلاث حالات طلاق مقابل حالة زواج ناجحة فقط !! نسبة مروعة لأحلام شباب وفتيات أرادوا أن يكونوا أسرة سعيدة ، وحينما نصل إلى مجتمع يفشل في تكوين النواة الأولى نكون قد فشلنا في شيء كثير كثير جدا ! لا يمكن أن يقدّر بالأرقام من أوصلنا إلى هذا المستوى ؟ وأين تقع قيادة المرأة السيارة من هذا كله ؟ وأخبرك الحقيقة، لا أعلم ! كل الذي أعرفه أن لدينا أكثر من ثلاث وأربعين قضية مصيرية حقوقية معطّلة في أروقة الوزارات تشكّل محور اهتماماتنا نحن النساء السعوديات .. لأنها قضايا مهمة لشريحة موثقة بأسمائها بعشرات الآلاف وليست حوادث فردية أو افتراضات خيالية ! قضايا لاتهم كثيرا الفئة المخملية والارستقراطية من المجتمع لأنهم غالبا لا يعرفون عنها شيئا .. ولكنها تهم أكثر من 74 % من الشعب السعودي الذي تدور رحى حياته اليومية حولها ! هناك أكثر من 20 ألف معلمة موظفة في أماكن نائية .. يقولون عنها مدن نائية ! هل تعرف معنى هذا ؟ أي أن لدينا أكثر من 20 ألف أسرة مشتتة زوج وأبناء في مكان والأم في مكان ! و أحسنهن حالا هن اولئك اللاتي يصلين الفجر على قارعة الطريق ليتمكنّ من الوصول في الموعد المحدد ! هل يثير هذا عندك أي إحساس بحجم التضحيات التي تقدمها هؤلاء المعلمات من أجل الحصول على وظيفة تشكل قوام حياتهن ! هل أخبرك أن هذه النسبة قديمة .. و أنه الآن هناك أكثر من تسعين ألف متقدمة للعمل في الوزارة بنفس هذا المسمى !! الطلبات المقدمة للنقل والإعارة ولم الشمل مكدّسة بالآلاف .. وحتى الآن .. لا حل ! أليست هذه قضية حقوقية لابد من التحرك لأجلها ؟ وجعلها مطلب شعبي نطالب بحله ؟ هناك مطلقات ومعلقات و أرامل بلا كافل ولامعين .. لا ضمانات حكومية مناسبة لا إسكان لا قروض .

نرى الحياة حين نزرع الأمن وننشر الخير .. حين نرفع لا إله إلا الله على أرض جديدة .. ويشرق بها قلب جديد لدينا اخطاء نحاول إصلاحها .. لدينا فساد نحاول كشفه .. لدينا مشاكل نحاول حلها .. و لنا أيضا أحلام كبار .. وآمال عظام .. وعلينا يعقد ملايين من البشر آمالهم وأحلامهم .. وأين قيادة المرأة للسيارة من هذا كله ؟ مجددا أقول .. لا أعلم .. ولكنني أعلم فقط .. أننا سنخسر كثيرا ! لأن العالم خسر كثيرا .. حينما نسي حقيقة { وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى} !

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تاريخ المادة: 15/11/1436.

 

 

الزيارات: 172