وا أَسفَاه على الحِجَابِ والعَفاف

المجموعة: قضايا معاصرة نشر بتاريخ: الأربعاء، 04 تشرين2/نوفمبر 2015 كتب بواسطة: wdawah
 
[وا أَسفَاه على الحِجَابِ والعَفاف]
 

كتبه الشيخ: أ. عـيسـى الـمـبـلـع

 

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد :

فمنذ أكثر من ألف و أربع مئة وعشرين سنة، وبنت الجزيرة العربية – بلاد الحرمين ومهبط الوحي وإشعاع نور الرسالة – مفتخرة بتاجها، ومتمسكة بحجابها، الحياء كساؤها والعفة رداؤها، والشرف وسامها.

شعارها :

أصونُ عرضِي بمالي لا أدنسه

لا بـارك الله بعد العِـرض بالمـالِ

رَضِيتْ بما اختاره الله لها، بل أنست به وابتهجت؛ لأنه وافق فطرتها، وحمى من الدنس أنوثتها.

 

وقد اختلفت الولايات على أرض الجزيرة العربية وتنوعت، وتبدلت كثير من معالم الشريعة وتكدّرت. من ولاية الأمويين ثم العباسيين ثم العثمانيين وأخيراً آل سعود؛ والأمة خلال تلك القرون تمرض وتشفى، وتضعف وتقوى، وتوافق السنّة وتخالفها، وتحقّق التوحيد وتنقُضه؛ إلاّ شيء واحدٌ لم يتغيّر ولم يتبدل، بل لم يدن حماه، وتزهق الأرواح فداه ! إنه الشرف إنه العرض، وتاجه وشعاره الحجاب؛ الحجابُ بمفهومه الشامل الحسي والمعنوي. وقد جرى الإجماع العلمي خلال تلك القرون على وجوب تغطيةِ المرأة وجهها، ولزومها بيتها إلاّ لضرورة وحاجة مع تسترها وعدم تبرجها وبُعدها عن الرجال وخُلطتهم. وقد حكى الإجماع جمع من الأئمة الأعلام.. كابن عبد البر والنووي وابن تيمية. قال ابن حجر:"لم تزل عادة النساء قديماً و حديثاً أن يسترن وجوههن عن الأجانب". اهـ. وذلك إلى منتصف القرن الرابع عشر الهجري.

 

ثم هبت رياح التغيير على البلاد الإسلامية فجرفتها إلاّ من رحم الله. وها هي اليوم رياح التغيير تهب بل تعصف بأرض الجزيرة العربية - بلاد الحرمين الشريفين – لتنزع حجاب العفيفات وتكسر حواجز العفة، لتجلس بنت الجزيرة بجانب الرجل سافرة ضاحكة متجملة متطيبة في مكتب أو إدارة أو مؤتمر أو ندوة أو مهرجان أو قاعة دراسية أو مستشفى أو طائرة أو غير ذلك.. حقاً إنه العار والدمار والشنار!

 

وها هي الشُبَه تقذف حممها، و يتلقّفها كل جاهل وغافل؛ فمِن قائلٍ : حجاب الوجه ليس واجباً، ومن قائلٍ : المحرم الخلوة فقط لا الاختلاط ويستدل بشُبه الأدلة والتعليل، ويُعرض عن الأدلة المُحكمة وأقوال الأئمة الملهمة، قال تعالى :{ هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ }.

ولدحض الشُّبهِ أسوق الأدلة المحكمة الدافعة على وجوب تغطية الوجه، وبيان ضوابط الاختلاط وحدوده :{ ليَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ }.

فخذ يا باغي الحق ما صح من الأدلة الخالية من التأويل والعلة..

• قال تعالى :{ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً }.

• وقال تعالى :{ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ...الآية }.

• وقال تعالى :{ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً }.

• وقال تعالى :{ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ...الآية }.

• وقال تعالى: { وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ }.

• وقال تعالى مستثنياً من يحِل لها كشف الوجه من القواعد ومن في حكمِهن :{ وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاء اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }.

فما الذي يفهمه العربيُّ الأصيل الذي نزل القرآن بلسانه :{ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } المتجرّدِ من الهوى والتبعيّة ولرأي غيره من تلك الآيات ؟!

أليس الصحابة رضي الله عنهم هم أهل اللغة العربيّة، وأهل التجرد من الهوى والتبعيّة ؟!

فانظروا إلى فهمهم وتطبيقهم العملي لمقاصد تلك الآيات ومعانيها؛ حيث فهموا - وهم أعلمُ الناس بكتابِ الله وسنةِ رسول الله - أنّ المقصد تغطية الوجه وستره.

وفي صحيح ابن خزيمة : تقول أسماء بنت أبي بكر - رضي الله عنهما - : ( كنا نغطّي وجوهنا من الرجال ).

وفي البخاري و غيره : تقول عائشة - رضي الله عنها - : يرحم الله نساء المهاجرات الأول لما نزلت :{ ولْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ } شققن مروطهن فاختمرن بها. قال ابن حجر والشنقيطي : أي "غطين وجوَههُن".

وفي الصحيحين : تقول عائشة - رضى الله عنها - كنَّ نساء المؤمنات يشهدن مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الفجر متلفعات بمروطهن ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة لا يعرفهن أحد من الغلس.

 

- ولتحقيق كمال العفة، وصَون العرض، وسد أبواب الفساد، شرَع الله أحكاماً شرعية كالسياج والحصن الواقي والحافظ للشرف والكرامة؛ فمن ذلك :

• جعل القوامة للرجال على النساء: { الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللّهُ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً }.

 

• ومنها أن أمرهن بالقرار في البيوت لأنه أعظم حجاب؛ إلا الخروج لحاجة أو ضرورة مع وجوب التستر وعدم التبرج: { وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى }.

 

• ومنها نهيُهن عن الخضوع بالقول عند الحاجة لمخاطبة الرجال :{ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً }.

 

• ومنها الأمر بغض البصر: { قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ }. وقال :{وَقُل لِّلْمُؤْمِنَات يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ }.

• ومنها تحريم سفر المرأة بلا محرم؛ كما في الأدلة المشهورة المعروفة.

• ومنها أمرُ النساء بلزوم حافات الطريق، والبعد عن وسطه ليبتعدن عن الرجال؛ بل حتى في الصلاة خيرُ صفوف النساء آخرها لبعدهن عن الرجال والفتنة.

• ومنها تحريم مس الرجل بدَن المرآة الأجنبية حتى ولو بالمصافحة؛ كما في الأحاديث الصحيحة المشهورة.

• ومنها أمر النساء بالخروج من المسجد قبل الرجال؛ بل إن صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد بخمس وعشرين درجة.

- فهذه السبل وغيرها مما شأنه أن يدرأ الفتنة ويحفظ العفة كثيرٌ في أحكام الشريعة ومقاصدها.

 

فهل بعد هذا يجيز عاقلٌ فضلاً عن عالم، للمرأة أن تكشف وجهها وتخالط الرجال بناءً على الأدلة الضعيفة أو المشتبهة أو العللِ المقتبسة بدعوى طهارة القلوب، وحسن النوايا، وحاجة المجتمع لاختلاط المرأة مع الرجال في العمل وعدم تعطيل نصفِ المجتمع !

وما دام أطهر القرون وأفضلها حُرّمَ عليهم ذلك وهم أطهر الناس قلوباً وأزكاهم أرواحاً، حيث يقول تعالى: { ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ } .

كما أنادي المؤمنات العفيفات أن يرْضيْن بما شرع الله لهن، وأن يكنَّ متبوعات بالخير لا تابعات بالشر قال تعالى :{ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً }.

 

- ونحن قادرون على تهيئة بيئة منعزلة تماماً عن الرجال كما في مدارسنا فلماذا لا نعمّم ذلك في مستشفياتنا وأسواقنا ومنتزهاتنا وما تحتاجهُ المرأة من إدارت متعلقة بشئونها ومُوافقةٍ لفطرتها وأنوثتها، ليعملن مطمئنات النفوس، آمنات من الفتنة، حافظات لشرع الله.

علماً أن وظيفة النساء الكبرى ومهمتهن العظمى ما اصطفاه الله لهن من القيام بالحمل والولادة والرضاعة والتربية والقيام بشئون المنزل وحقوق الزوج.

 

حفظ الله ديننا ونساءنا، وصرف عنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأصلح الله ولاة أمورنا ورزقهم البطانة الصالحة الناصحة.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

 

تاريخ المادة: 21/1/1437.

 

 

الزيارات: 243