يا أعداء المرأة.. أين تقع قيادة المرأة للسيارة؟

المجموعة: ملفات موسمية نشر بتاريخ: الأحد، 03 تشرين2/نوفمبر 2013 كتب بواسطة: wdawah
 
يا أعداء المرأة.. أين تقع قيادة المرأة للسيارة؟
 

 

بقلم : د. هند القحطاني

وسط لهيب المشاعر المتحفزة، والأصوات المتصارخة، وما بين المدافعين والمهاجمين تضيع القضية ويتيه الهدف، ويتجه الجميع للنقاش حول التفاصيل والملابسات وينسوا الأساس الذي ابتدأوا منه..

ولأنني امرأة.. ولأنني سعودية.. ولأنني أملك في داخلي أحلام كبار لازلت أسعى لها لإصلاح مجتمعنا.. كتبت هذه السطور.. لا أدعي فيها أني أصل إلى رأي أو حل ولكنها محاولة لوضع النقاط على الحروف وإعادة قراءة الموضوع من وجهة نظري الشخصية.

ومنافع للناس..

ابتداء لابد أن نقرر مبدأ قرآنيا عظيما، وهو الإنصاف بلا تعدي ولا مجاوزة.. ويظهر هذا جليا حين تحدّث القرآن الكريم عن الخمر –ويكفي أن نتخيل رجلا ثملا أو امرأة لعبت الخمر في رأسها لنتفق على تحريمها– إلا أن الآيات حين نزلت قال الله الحكم العدل: {يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس} ولكن لأن الله الخالق الكريم يعلم أن {إثمهما أكبر من نفعهما} كان التحريم من أجل الحفاظ على الجنس البشري وحماية لعقله.

هذه التربية القرآنية تجعلنا نتناول قيادة المرأة من باب الإنصاف.. ولا يمكن للعقول السليمة أن تنكر تلك المنافع المتأتية من قيادة المرأة للسيارة، ولو لم يكن منها إلا إيقاف مسلسل الانفراد بالسائق لكفى.. ولا أظن أننا بحاجة لسرد المنافع فقد تكلم عنها وسردها غيري كثير.

وهنا قف معي قليلا.. وأرجوك أيها القارئ الكريم أن تساعدني في فهم بعض الإشكالات!.

المدافعون يتكلمون عن أهمية قيادة المرأة في التخفيف من مصاريف السائقين عن كاهل الأسر السعودية.. وأهمية ذلك في رفع موازنات الدولة الاقتصادية والتخفيف من أعداد العمالة المستقدمة ويعرضون لذلك أرقام وبجانبها أصفار وأصفار..

هل هذا الكلام الحقيقي؟؟

هل هذا الحاصل في الكويت وقطر والامارات؟

هل تعرف بيت في الكويت أو قطر أو الامارات ليس فيه سائق؟

دعنا نفكر بصوت عالي.. هل ستذهب الفتاة لتشتري مقاضي البيت الكثيرة وتحمل كيس السكر والرز؟؟

هل ستستيقظ الفتاة مبكرا بعد الفجر لتتمكن من توصيل إخوتها الصغار إلى المدارس قبل أن تذهب هي لجامعتها؟؟ هل ستحمل أسطوانة الغاز للبيت؟

هل يفعل ذلك أصلا الرجل السعودي؟ هل يفعل ذلك الابن السعودي؟

سؤال مهم أن نجيب عليه قبل أن نقول أن الأم السعودية ستفعل ذلك أو أن البنت السعودية ستفعل ذلك.. ليرقص الرجل فرحا بمزيد من التحرر من مسؤولياته..

ولتنوء أكتافنا نحن بمزيد من المسؤوليات!.

حسنا.. حللنا مشكلة العمالة الوافدة من السائقين بقيادتنا للسيارة..

فكيف سيكون الحل لمشكلة العمالة الوافدة من الخادمات؟؟

زادت معدلات خروجنا من البيوت والتي لم تقتصر على العمل الصباحي فقط، فاحتجنا أن نستقدم أحدا ليقوم بمهامنا المفترضة.. الخادمة توقظ الأولاد للمدارس تمشط شعورهم وتعدّ لهم حقائبهم وتجهز طعام الفسحة وتلبسهم أحذيتهم.. توصلهم للمدرسة تعود فتطبخ الغداء وتنظف البيت في سلسلة معروفة في كل أسرة سعودية ابتداء من الدخل المحدود إلى الدخل العالي.. بل هو سيناريو متكرر حتى في كثير من الأسر التي تستلم رواتب الضمان الاجتماعي والتي نطلق عليهم (أسر فقيرة!).

بإنصاف وعدل.. لماذا لم يلتفت أحد إلى حقوق هؤلاء الأطفال الذين تربيهم الخادمات للتسمين فقط! فتراهم مرتبين مهندمين لكنهم فارغين إلا من العقد النفسية حيث لا قيم ولا مبادئ.. هي جلسة أو طلعة واحدة في الاسبوع والتي يظن الأب والأم أنهم بها غسلوا تراكمات أسبوع كامل من التجارب والخبرات المكتسبة لأطفالهم في المدرسة ومع الأصدقاء.. ليبقى للخادمة طوال الأسبوع تتولى فيه مشروع التربية بالتسمين!

أليست الخادمات قضية مؤرقة وتستهلك كثير من ميزانية الأسرة السعودية؟ قد يكون هناك سائق واحد لبيت لكن قد يكون هناك ثلاث خادمات لنفس البيت!!

مشاكل التحرش وهروب الخادمات وعصابات التأجير وقصص السحر وقتل المواليد كلها أخبار يومية تعودها الشارع السعودي ولكن لم نسمع أحدا يطرح حلا من نوع: يجب أن نوقف مسلسل الخادمات وتقوم المرأة بمسؤولياتها.. ولم نسمع بحملات على الفيسبوك من نوع: سأقود بيتي بنفسي!!.

نحن نتخيل أنفسنا نفعل أي شيء خارج البيت.. وزيرة.. مديرة روضة.. خادمة طائرات، عفوا أقصد مضيفة.. طباخة رائدة في مطعم ماما عبلة!.

ولكن لا نتخيل أنفسنا نفعل الشيء نفسه في البيت.. لا نتخيل أنفسنا ونحن نرعى شؤون بيتنا ونقضي الوقت الأكبر مع أطفالنا.. بل للأسف قد ننظر لهذه المهام بنوع من الدونية والتخلف!.

كيف تغيّر تفكيرنا ؟؟

كيف رمينا عرائسنا الصغيرة ونسينا لعبة المطبخ الصغير تحت السرير؟؟

من أدخل الفتاة في سباق محموم مع الفتى وأصبحت البنت في منافسة غير متكافئة مع الولد.. تريد أن تنافسه في العمل والحياة والشارع! فأول نجارة سعودية وأول سباكة سعودية.. خط تصنيع معدلات ثقيلة بأيادي ناعمة..

هل هذه إنجازاتنا التي نفخر بها؟

صمام الأمان في البيت ماذا يُبقي لها العمل والشارع والازدحام من أعصاب لتدخل البيت متعبة يرتمي صغيرها في حضنها يسرد كمسجل أحداث اليوم بكل التفاصيل التي حصلت له؟

أن تخسر الأسرة الأب الهارب إلى استراحته وصومعته مأساة يخففها أمٌّ تسد الخلل وتضمد الجرح.. ولكن أن تفقد الأسرة الاثنين معا.. فتلك مأساة حقيقية!!

هل أنا أبالغ وأكبر القضية؟؟ أتمنى ذلك.. لكن ليس هذا ما تخبر به الدراسات!

لن أتحدث عن عالم الغرب "المتحضر" فصيحات التحذير التي أطلقها علماء الاجتماع من نسيجهم الاجتماعي المهترئ حتى النخاع قد صم الآذان.. وسأعود لبلادنا وأكتفي هنا فقط بنسبة واحدة مروعة، حيث وصلت نسبة الطلاق في المنطقة الشرقية إلى نسبة 4:1 أي من كل أربع حالات زواج هناك ثلاث حالات طلاق مقابل حالة زواج ناجحة فقط!!.

نسبة مروعة لأحلام شباب وفتيات أرادوا أن يكونوا أسرة سعيدة.. وحينما نصل إلى مجتمع يفشل في تكوين النواة الأولى نكون قد فشلنا في شيء كثير.. كثير جدا! لا يمكن أن يقدّر بالأرقام.

من أوصلنا إلى هذا المستوى؟

وأين تقع قيادة المرأة السيارة من هذا كله؟

أخبرك الحقيقة ..

لا أعلم!

كل الذي أعرفه أن لدينا أكثر من 43 قضية مصيرية حقوقية معطّلة في أروقة الوزارات تشكّل محور اهتماماتنا نحن النساء السعوديات.. لأنها قضايا مهمة لشريحة موثقة بأسمائها بعشرات الآلاف وليست حوادث فردية أو افتراضات خيالية!

قضايا لاتهم كثيرا الفئة المخملية والارستقراطية من المجتمع لأنهم غالبا لا يعرفون عنها شيئا.. ولكنها تهم أكثر من 74% من الشعب السعودي الذي تدور رحى حياته اليومية حولها!

هناك أكثر من 20 ألف معلمة موظفة في أماكن نائية.. يقولون عنها مدن نائية! هل تعرف معنى هذا؟

أي أن لدينا أكثر من 20 ألف أسرة مشتتة زوج وأبناء في مكان والأم في مكان! وأحسنهن حالا هن أولئك اللاتي يصلين الفجر على قارعة الطريق ليتمكنّ من الوصول في الموعد المحدد!

هل يثير هذا عندك أي إحساس بحجم التضحيات التي تقدمها هؤلاء المعلمات من أجل الحصول على وظيفة تشكل قوام حياتهن! هل أخبرك أن هذه النسبة قديمة.. وأنه الآن هناك أكثر من تسعين ألف متقدمة للعمل في الوزارة بنفس هذا المسمى!!

الطلبات المقدمة للنقل والإعارة ولم الشمل مكدّسة بالآلاف.. وحتى الآن لا حل!

أليست هذه قضية حقوقية لابد من التحرك لأجلها؟ وجعلها مطلب شعبي نطالب بحله؟

هناك مطلقات ومعلقات وأرامل بلا كافل ولامعين.. لا ضمانات حكومية مناسبة لا إسكان لا قروض، الحديث عن قيادة المرأة السيارة عندهن شيء مضحك جدا حين لا يوجد في بيوتهن أصلا مكيفات ولا ثلاجة! وأولادهن بلا شهادات ميلاد ولا أوراق ثبوتية.. ومن يعمل في الجمعيات الخيرية يعرف عن ماذا أتحدث!

لماذا لا تتكلم الـcnn والعربية عن هؤلاء؟ النسبة تتجاوز 32% من المجتمع والنسب ترتفع في ظل موجة الغلاء وارتفاع الأسعار..

32% ومع ذلك لم نراهم يوما يحتلون الصفحات الأولى من جرائدنا المحلية!

هل تعلم أيضا أن وجود أكثر من 200 موظفة سعودية في جامعة أو 50 معلمة في مدرسة لا يعطيهن الحق في فتح حضانة لأطفالهن الرضع ليتمكنوا من مزاولة عملهم براحة وطمأنينة.. في حين أن هذا الحق مكفول ليس للموظفات الأمهات فقط وإنما حتى الطالبات الأمهات في جامعات هارفرد وأكسفورد ونيوكاسل وجلاسكو، ويهتمون لذلك أشد الاهتمام وينظرون للأم بنوع من التقدير والاحترام!

هل تعلم أننا نطالب بقيادة المرأة للسيارة في حين أن دبي ولندن مثلا يحاولون التقليل من عدد السيارات في الشوارع بالاعتماد على شبكة القطارات الداخلية السريعة، ونحن من أغنى دول العالم وليس عندنا أصلا مواصلات عامة ولا شبكة مترو فضلا عن التفكير بالقطارات الأرضية أو السريعة.. بحسب الخطط التنموية يا ترى المصلحة الاستراتيجية أن نقدّم من على من؟؟

لعلك تقولين.. أتفق معك في هذا كله.. لدينا قوائم طويلة لابد من المطالبة بها.. ولكن ماهي المشكلة أن نطالب بقيادة السيارة؟

قبل أن أجيبك .. دعينا نتفق على الآتي:

أننا نقود السيارة من أجل حل مشكلة العمالة الوافدة وتخفيف العبء الاقتصادي عن الأسرة السعودية... كلام غير صحيح!

أننا نقود السيارة من أجل الأسر الفقيرة.. كلام غير صحيح أيضا!

أننا نقود السيارة لشراء احتياجات المنزل وتوصيل الأطفال للمدارس... كلام مشكوك فيه بناء على التجربة السابقة مع الرجل السعودي!

أننا نقود السيارة من أجل حلاوة المغامرة والانطلاق وحرية التحرك بفردية.... قد يكون!

تحرك شعبي.. وتدويل القضية.. قنوات فضائية.. وحملات على الفيسبوك وتويتر.. تجييش الناس واختلاق حرب مواجهة بين صفوف المجتمع.. كل ذلك من أجل حلاوة المغامرة والانطلاق والتحرك بفردية؟؟

خسارة!

لمصلحة من التفتنا جميعا عن قضايانا المهمة وانشغلنا بــ"قيادة السيارة"؟ لمصلحة من التفتنا عن مجازر إخواننا في سوريا وليبيا؟

لمصلحة من التفتنا عن مصر الوليدة.. وتونس الناشئة؟

في هذا الوقت بالذات؟؟

لمصلحة من نُغيّب نحن "السعودية" عن دورنا الحقيقي الذي يجب أن تلعبه دولة مثلنا في المنطقة؟؟

حين يمرض قلب العالم الإسلامي.. حين يختل نظامه الداخلي.. حين تسد أوعيته الدموية.. لاتصل الدماء إلى بقايا الجسد المنهك!

هي هكذا.. حين يضعف القلب.. يضعف الجسد.. هل فهمت ماذا أقصد؟

هل تدرك أبعاد هذا؟

الكويت تعيش على فتيل النار.. نخاف عليها في أي لحظة..

جرح البحرين لم يندمل بعد! التهديدات لا زالت حاضرة..

العالم العربي كله.. على بركان يغلي!

وحدنا نحن الذين نعيش في عين الإعصار.. في نقطة السكون!

والعالم المحيط بنا.. يستمد قوته من قوتنا.. وتماسكه من تماسكنا!

فلمصلحة من يُشغل المجتمع ويُستهلك في قضايا مخملية ليست أصلا مُدرجة في قوائم أولوياتنا الشعبية للإصلاح..!

من قال أن قيادتنا للسيارة هي قضيتنا المصيرية.. لنجعل منها فزاعة كلما احتاجنا الوطن واشتد الوضع طعنا خاصرته بها.. والتاريخ يعيد نفسه! المحاولة الأولى في حرب الخليج! وهذه المحاولة الثانية في سنة الثورات العربية..! غريب هذا التشابه في التوقيت والطريقة! أكتب هذه الكلمات وصوت نيتنياهو يزعج الآذان في الكونجرس الأمريكي.. هناك حيث يتحد السباع والضباع! قضايانا الممتدة من تركستان الإيغور شرقا إلى حميدان لتركي القابع في السجون غربا مرورا بالوسط حيث الثورات العربية والأقصى الجريح وغزة المحاصرة.. كلها قضايا لاتزال عالقة بلا حراك ولا بصيص من أمل حتى الآن!

وللأسف قلب العالم الإسلامي يُستنزف في مواجهات داخلية تشغله عن دوره المفروض والذي لا يمكن أن يقوم به أحد سواه!

هل تقول وما دخلنا نحن في العالم؟ لماذا لا نلتفت إلى سعادتنا ورفاهيتنا نحن فقط؟

سأقول لك.. هذا قدرنا.. وهذه رسالتنا.. ولامعنى للحياة إذا لم نقم بها..

نحن أيها الكريم لا نعيش لأنفسنا فقط.. جهودنا لا نبذلها لمتعنا وشهواتنا فقط!

الحياة إذن تبدو رخيصة.. باهتة لا معنى لها!

نحن نرى الحياة حين نزرع الأمن وننشر الخير..

حين نرفع لا إله إلا الله على أرض جديدة.. ويشرق بها قلب جديد

لدينا أخطاء نحاول إصلاحها..

لدينا فساد نحاول كشفه..

لدينا مشاكل نحاول حلها..

ولنا أيضا أحلام كبار .. وآمال عظام ..

وعلينا يعقد ملايين من البشر آمالهم وأحلامهم..

وأين قيادة المرأة للسيارة من هذا كله؟

مجددا أقول .. لا أعلم ..

ولكنني أعلم فقط .. أننا سنخسر كثيرا !

لأن العالم خسر كثيرا ..

حينما نسى حقيقة {وليس الذكر كالأنثى}!.

تاريخ المادة: 29/12/1434.

 

الزيارات: 306