الحَجَ .. طريقُ الآخرة

المجموعة: ملفات موسمية نشر بتاريخ: الخميس، 03 تشرين2/نوفمبر 2011 كتب بواسطة: wdawah
 
الحَجَ .. طريقُ الآخرة
 

 

 

بقلم / أ. نبيل جلهوم .

 

قال تعالى: {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ *لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ}. [الحج27-28]

 

وقد ورد من أقوال الحبيب محمد معلّم الناس الخير رسول الله صلى الله عليه وسلم:

ــ (من حج فلم يرفث, ولم  يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه) . حديث صحيح

ــ (الحجاج والعمار وفد الله إن دعوه  أجابهم وإن استغفروه غفر لهم) . حديث صحيح

ــ (تعجلوا إلى الحج فان أحدكم لا يدرى ما يعرض له ) . حديث صحيح

 

ومن أقوال صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم :

قال على بن أبي طالب رضي الله عنه: (استكثروا من الطواف بهذا البيت قبل أن يُحال بينكم وبينه) .

 

وقد أردت هنا أن أتعرّض فقط لسلوكيات وأخلاقيات تربوية يجب أن تمارسها المعتمرة والحاجّة في رحلتها العظيمة ؛لتجعل من الحج روحاً جديدة تسري في جسدها الطاهر فيحييه من جديد , ويرسم لها معالم الطريق القويم نحو السعادة في الدنيا و الآخرة .

آملاً من المولى الكريم أن ينفع بها أخواتي النساء وأن تكون لهن معالم على طريق الحج والعمرة  نحو حياة جديدة وآخرة سعيدة .

 

إليكِ أختي  المعتمرة / إليكِ أختي الحاجّة :ــ

 

1/ اجتهدي من الآن في تعلّم مناسك العمرة والحج كي تؤدينها بشكل صحيح بعيداً عن كل

شبهة وحرج .

2/ أحرصي على إخلاص النية لله تعالى قبل عمرتكِ وحجّكِ, وأظهِري لربكِ من نيتكِ خيراً  تجدين منه كل الخير .

3/ كُوني مع أختكِ المعتمرة والحاجّة ليّنة الجانب في التعامل معهن ممن تعرفينهن, وممن لاتعرفينهن من داخل الحملة أو من خارجها, واجعلي من نفسكِ نموذجاً للمعتمرات والحاجّات  يحتذون به .

4/ اجعلي البسمة والبشاشة تعلو على وجهكِ الطيب لأخواتك واستخدمي في كل شيء الألفاظ الإسلامية المعروفة في المناسبات المختلفة  ليتعلم  النساء منكِ مثل: (جزاكم الله خيراً, بارك  الله فيكِ , نسأل الله العظيم  رب العرش العظيم أن يشفيكِ, لابأس عليكِ طهور إن شاء الله , وغيره) .

5/ تدربي ودرّبي نفسكِ على خُلق إيثار غيركِ من النساء على نفسكِ في المطعم والمشرب  والغطاء والصعود للباصات والنزول ودخول الحمام والوضوء وسائر الأمور .

6/ إذا كنتِ ترغبين في توكيل غيركِ من النساء فاطلبي منهن ذلك بود وحب وأدب , وإذا طًلبَتْ منكِ غيركِ من النساء أن ترمي عنها لظروفها فلا تترددين مادمتِ قادرة على ذلك ؛ ففي  ذلك نفع كبير للناس وأنتِ منوط بكِ دائماً أن تكوني نافعة لغيركِ فهذا هو الإسلام بعينه .

7/ جاهدي نفسكِ أن تجعليها آخر من ينام  وآخر من يشرب وآخر من يركب وآخر من يتألم, وتفاني في خدمة الأخريات من النساء بروح  وأداء للدرجة التي تترك الأثر العظيم في نفوسهن .

حتى بعد انتهاء العمرة والحج , وكُوني ذات أثر يذكرِكِ النساء بالخير والعطاء الجميل .

8/ استشعري دائماً أن سيد القوم خادمهم, وأن مساعدتكِ لغيركِ من النساء ابتغاء المثوبة والأجر من الله ترفع شأنكِ عند الله وعند أخواتكِ في الحج والعمرة  .

9/ أمنحي من نفسكِ دائماً  اهتماماً كبيراً بالمعتمرات والحاجّات المصطحبات لأطفال .

10/ لاتتركي أبداً مجالاً يحتاج لإرشاد ونُصح وتعليم وموعظة للنساء من حولكِ إلا وتطرقينه  لينتفع بكِ النساء ولتبلّغين عن قدوتكِ الحبيب المصطفى ولو آية؛ فأنتِ شامة وعلامة البنان دائماً

يُشار نحوكِ في العطاء وتبليغ دعوة الله بالحسنى والموعظة الحسنة؛ فكوني لذلك أهلاً .

11/ تذكّري قول أم المؤمنين  في وصفها للحبيب محمد صلى الله عليه وسلم  عندما  سئلت كيف كان ؟  فوصفته بقولها: (كان قرآنا يمشي على الأرض) ؛ فكوني كنبيّكِ قرآنا يمشي على الأرض في الحج والعمرة ومابعدهما .

12/ أسرعي  في إعطاء المسكنات للمتألمات وإسعاف المصابات, وكوني في ذلك على جاهزية  تامة وعالية  .

13/ تفقّدي باستمرار صاحبات الأعذار والاحتياجات الخاصة والعجزة والمسنين دون أن يطلبوا منكِ ذلك, واستشعري أن في ذلك زكاة لعافيتكِ وشبابكِ وصحتكِ, وأنكِ في نعمة .

14/ اجعلي فقرات يومكِ متنوعة مشوّقة  لاتجعلي الوقت يضيع منكِ في الأحاديث الجانبية والدنيوية فأنتِ في عبادة وفرصة مع الرب كبيرة قد لاتتكرر .

15/ اجعلي هدفكِ النهائي من العمرة والحج هو إرضاء ربكِ بالعودة بعمرة وحج مبرور وذنب مغفور وتجارة مع ربك  لن تبور, والفوز بالجنة والنجاة من النار والرجوع من العمرة والحج  كيوم  ولدتكِ أمكِ  .

16/ لا تنسِ المعتمرات والحاجّات الصغار وأشركيهم  في أعمالكِ وراحتكِ ولاتقولي صغاراً فكم من صغار سبقوا كباراً في الفهم والعلم والأدب والدين , أشركيهم بحُب وتَعرّفي على البنات والأمهات وكل من يقابلك من النساء؛ فإن أساس ديننا الحب والتعارف .

17/ التزمي دائماً وبكل تمام في الأداء بكل ماكلفكن به متعهد الحملة ومشرفيها, وإن أردتِ الاجتهاد فلا بأس من أخذ رأيهم ومشورتهم, لكن في  احترام رأيهم إنجاح لحملتهم وعملهم وبرنامجهم الذي أعدوه لكِ , وكوني سريعة الاستجابة والتلبية  .

18/ كوني على جاهزية تامة بمساعدة غيركِ من النساء إذا طلبن منكِ ذلك ؛ بل وقدّمي المعونة

والمساعدة حتى إن لم يطلبونها طالما أن الأمور تستدعى ذلك .

19/ أحذري دائماً من إبليس ولاتتركين له فرصة ليقع بكِ في حبائله: (السمعة, الرياء, الغضب, الشهرة, السبّ , الشتم, الألفاظ البذيئة) ,وخلافه من محبطات الأعمال, وكوني  في جهاد مع نفسكِ وامسكيها عن ذلك تغنمين .

20/ أبذلي جهداً كبيراً في الدعاء والإلحاح على الله والتضرع؛ فالحج والعمرة من الطاعات التي

يستجاب فيها الدعاء سواء عند الطواف أو فوق الصفا والمروة أو غيرها, ورتّبي حاجاتكِ التي تريدين من الله قضائها وكوني على ثقة ويقين بأنه لن يخذلكِ وسيستجيب لكِ .

21/ أعلمي وتذكري دائماً أنكِ يجب أن تكوني ذات لسان طيب مع النساء في الأقوال والأفعال أيضاً فأنتِ رمز شريفٌ للنساء, والرمز يجب أن  يٌشار  إليه بالبنان .

22/ انتبهي إلى سلوكياتكِ دائماً وغيّري فيها الغير مرغوبة, وكوني أكثر تفاعلاً وفاعلية في داخل  مجتمع المعتمرات والحاجّات, واجعلي من أدائكِ للعمرة والحج بداية حقيقية لصلاح نفسكِ وإصلاحها وتغييرها نحو كل ماهو جميل وحسن يرضى الله ورسوله .

23/ عندما  ترغبين  في التحدث لغيركِ من النساء حدّدي جيداً من أين ستبدئين ؟ وكيف تنتهين؟ ولا تكوني ثرثارة ومُضّيعة لوقتكِ؛ فالوقت هو الحياة وتذكّري أنكِ في فرصة عبادة تعبدية روحانية عظيمة  قد لاتتكرر بعد ذلك؛ فانتهزيها ولاتضيعين جزءاَ من وقتكِ دون فائدة .

24/ لاتنتظري في جميع أعمالكِ تجاه الغير شكراً من أحد ويكفيكِ الأجر من الفرد الصمد .

25/ أعلمي أن إكرام الله لكِ بأداء العمرة والحج هو فرصة عظيمة لتكوني مسلمة جديدة ترجعين

من عمرتكِ وحجكِ كيوم ولدتكِ أمكِ ممحيّة سيئاتكِ مباهٍ بكِ ربكِ ملائكته؛ فاحمديه دائماً على ذلك  وهنيئا لكِ باختيار الله لكِ  لتكوني من المعتمرات ومن الحاجّات الطوافات ببيته الواقفات بعرفه ,   الشاربات زمزمه الطاهر .

26/ كوني مؤدبة ومهذبة ومتواضعة عندما تتحدثين مع المعتمرات والحاجّات أو مع الداعيات والمرشدات, واعلمي أنه إذا كان لكل داء دواء يعالج به فإن الحماقة أتعبت من أراد أن يداويها .

27/ أجعلي كلامكِ كله شهداً عسلاً طيباً مع النساء؛ فالكلمة الطيبة صدقة تنشرح لها الصدور وتُمتص بها متاعب القلوب .

28/ كوني مع المعتمرات والحاجّات بل والناس جميعاً؛ كالشجر يقذفه الناس بالحجر ويهديهم هو بأحلى الثمر .

29/ احذري العُجب برأيكِ ونفسكِ واحذري تسفيه آراء الأخريات حيث أن ذلك من أكبر الرذائل الخبيثة التي ابتليت بها المجتمعات المختلفة عافانا وإياكِ الله منها .

30/ تجنّبي الخلافات الشخصية بينكِ وبين النساء وضعي دائماً في مخيلتكِ قول الله تعالى: { وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بَيْنِكُمْ} . [الأنفال1]

31/ إياكِ وكثرة الجدل فإن المِراء لا يأتي بخير, وتذكّري قول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم: ( أنا زعيم بيت في ربض الجنة لمن ترك المراء ولو كان محقاً) . حديث صحيح

32/ لاتغضبي من أى معتمرة أو حاجّة؛ فالغضب لهيب من نار تشتعل في قلب الإنسان وهو حالة ضعف تصيب الإنسان, وليست حالة قوة لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (ليس الشديد بالصرعة, ولكن  الشديد الذي يملك نفسه عن الغضب ) . حديث صحيح

33/ إن أحسنتِ في أدائكِ العمرة أو الحج  فاحمدي الله , وان أسأتِ  فاستغفري الله؛ فما كان من توفيق  فيه فالفضل لله وحده لا لنفسكِ .

34/ ألحي على الله دائماً أن يتقبل منكِ العمرة والحج واحمديه أن وفقكِ لأدائها , وتذكّري أن هناك من المسلمات من تكون أمنيتها وأملها أن تذهب للعمرة والحج؛ لكنّ ظروفها لاتسمح ولا يوجد لديها من المال مايعينها على أدائها ؛ فكوني لله شاكرة وحامدة  .

35/ استشعري في عمرتكِ وحجّكِ ما يجري لمسلمات الصومال, وكيف تفتك بهن المجاعة ولا تنسيهن من الدعاء الكثير؛ فمن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم .

36/ أجعلي من عمرتكِ وحجّكِ انطلاقة جديدة نحو الطهر والنقاء في علاقتكِ مع الله وعلاقتكِ مع الزوج وعلاقتكِ مع الأبناء والأقرباء, وأعلمي أنكِ مطالبة بتحقيق العلاقة الحسنة مع الله ومع النفس ومع الزوج ومع الناس .

37/ حاولي في عمرتكِ وحجّكِ أن تبكي من خشية الله على ماقدمته يداكِ من تقصير, وإن لم تستطيعي البكاء فتباكي ؛ فقد روى أبوهريرة رضي الله عنه قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع، ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم ) . حديث صحيح

38/ بايعي ربكِ وأنتِ في الحج والعمرة على الصدق والعودة الحقيقة إليه, وأن ترجعين مسلمة ربانية, وغُضي بصركِ عن الرجال, واجتهدي ألاّ تزاحمينهم وكوني حَييّه ذات حياء .

39/ اجتهدي أن يستحكم الإيمان الحق على قلبكِ في العمرة والحج ؛ فالإيمان الحقّ بالله إذا استحكم في القلب استحكاماً صادقاً قذف الله في ذلك القلب نوراً يشع على صاحبه , وهداية تدفعه لكل خير, وإحساساً يجعله يشعر بمن هم في حاجة وكرب, وهمًّاً يجعله يشعر بهموم الآخرين من حوله؛ بل ويتعدى ذلك إلى أن هذا الإيمان الصادق والمعرفة الحقّة بالله تصل بالعبد إلى أن يكون عبداً ربانياً يتكلم بكلام الله وينطق برحمات الله ويسعى إلى رحمة عباد الله, ويتحول إلى كتلة من  النور وشعاعاً يشع به على الناس بكل الخير وعظيم السرور؛ فيلين الجانب , ويساعد المحتاج , ويطبب العليل, ويصنع الخير, ويغلق الشر, ويتحول إلى منارة وشامة وعلامة في دنيا أصابها الزمان بعطب في نفوس كثير من الناس؛ فصارت قاسية لاتتأثر ولاتتحرك حتى في مجرد محاولة تغيير النفس إلى مافيه خيريتها قبل خيرية الآخرين .

40/ تذكّري دائماً أثناء العمرة والحج أن ملك الموت قد يحضر لقبض روحكِ واستشعري ذلك جيداً, وكيف ستقابلين ربكِ ؟ وحوّلي هذا الشعور إلى توبة صادقة, ولاتنسي أن تتذكري أن كثيراً قد ماتوا أثناء حجهم وعمرتهم ويالها من حسن خاتمة , لذا أنصحكِ ونفسي الضعيفة قبلكِ أن تجتهدي في أن تجعلي باطنكِ وسريرتكِ وقلبكِ خالصاً لله , وتذكري دائماً قوله تعالى: {يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ*إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء89] ؛فبيّضى باطنكِ وقلبكِ من الآن من كل سوء لتلاقي مولاكِ ,ولا عليكِ إن شاء الله أي سوء .

41/ ياليتكِ قبل ذهابك للحج والعمرة أن تكون وصيتّكِ قد كُتبتْ ودُوّنت؛ لتُحقّين فيها الحق بكلمات الله, ولتسجّلين بها كل صغير وكبير من حقوق العباد عليكِ وحقوقكِ عند العباد ولتسجّلين بها أن يغسلكِ الطيبات من الصالحات, وأن تدفنين بجوار الصالحات وألا يغفل أهلكِ حال موتكِ مايغضب الرب ويجلب السخط, واجعلي في وصيتكِ لزوجكِ وبنوكِ قسطاً كبيراً من ضرورة الصبر والثبات على أخلاق الإسلام العظيم, وأن يعملوا لله مخلصين له الدين حنفاء, ووصّيهِمْ ألا ينسوكِ من الدعاء وأن يكونوا لكِ بعد موتكِ مستمرين على الوفاء والعطاء .

 

خاتمة :

أختي المعتمرة / أختي الحاجّة :ــ

أعلمي أن الخير يسكن في قلوب العابدين, وأن الحق يسكن في قلوب العارفين, وأن الجمال يحيى  في  قلوب المحبين, وأنه لن ينفعك إلا أن تكوني من النساء العابدات الربانيات, وأن هؤلاء  جميعاً  يحيون ويسكنون ويعيشون في نور الله  المبين ؛ فكوني من العابدات , العارفات, المحبات لله ورسوله والمؤمنات , الربّانيّات تصبحين حية في نور الله المبين (عمرة مقبولة وحجاً مبروراً وذنباً مغفوراً وسعياً مشكوراً وتجارةً إن شاء الله لن تبور) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

 

تاريخ المادة: 6/12/1432.

 

 

الزيارات: 174