الحج تدريب أخلاقي في ظروف صعبة

المجموعة: ملفات موسمية نشر بتاريخ: الأحد، 21 تشرين1/أكتوير 2012 كتب بواسطة: wdawah
 
الحج تدريب أخلاقي في ظروف صعبة
 

بقلم/ أ. عبدالرحمن اليحيا التركي .

 

جعل الله الحج يؤدي في مكان معين وفي زمان معين وبأعمال معينة بخلاف بقية أركان الإسلام؛ فبإمكان كل واحد منا أن يصلي في أي مكان ويصوم ويدفع الزكاة وينطق بالتوحيد بأي مكان الذي هو واجب الوقت إلا الحج جعله الله في بيته الحرام.

وشاءت حكمة الله أن يكون الحج في بلاد حارة جداً ولا نبات فيها كما قال تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام: {بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ} [إبراهيم37] ؛فأراد الله أن يعطل كل أسباب الراحة الجسمية كلها من منظر جميل إلى هواء عليل إضافة إلى التقيد بمحظورات الإحرام والتخلي عن كل أسباب الرفاهية فمنعه من التعطر ومن الحلاقة ومنعه من النكاح تصور لو كان الحج في بلاد جميلة ونسمات عليه لصار الحج سياحة وليس عبادة .

الحج شعيرة عظيمة يخرج الحاج عن أهله, ووطنه, ويخرج عن ألفة وعن الرفاهية والغرض من هذا كله لأنه أبلغ في التعبد لله وتعظيما لهذه الشعيرة وإشغال العبد بما هو أهم وهو التفرغ لذكر الله وحتى ينال الأجر العظيم والمختصر المفيد كما قال الله تعالى: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ} [الحج:28], فالله عطل كل أسباب الراحة الجسمية؛ حتى يخلص القصد له فلا يدفع الحاج للحج سوى التقرب إلى الله فليس فيها منظر جميل ولا هواء عليل بل هناك حر شديد لا يطاق, وزحام وظروف صعبة جداً ولو تأملت أعمال الحج ومناسكه وأركانه وأعماله كلها تمرين على طاعة الله والانقياد له؛ فيتقلب الحاج بين مكة ومنى وعرفات ومزدلفه يقيم ويرحل ويمكث وينتقل ويخيم ويقلع هو طوع الإشارة ورهن الأمر فليس له إيراده ولا حكم؛ فالحاج بين نزول وارتحال ومكث وانتقال ووصل وهجر وحل وعقد ومع هذا كله لا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج ومما يحسن ذكره في بيان أن أعمال الحج كلها تمرين على طاعة الله والتقيد بأوامره, امرأة تسال أحد العلماء قالت: (هناك من يعقد عقد قران صوري بين رجل وامرأة من أجل الحج وهو لا يحل لها فقال عقد الزواج أخطر عقد في الإسلام وأقدس عقد فكيف تطيع الله من حيث تعصاه وهل هذه المرأة تعبد الله على مزاجها أم وفق منهج الله ألم تسمع هذه المرأة هذا الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: (لا تسافرُ المرأةُ إلَّا معَ ذي محرمٍ) حديث صحيح ,أنا أعجب كل العجب ممن يريد أن يعبد الله بغير ما شرع الله ينبغي أن نعبد الله وفق شرع الله وإذا تبين هذا كله .

1/ الحج تدريب أخلاقي في ظروف صعبة؛ لكي يبرهن الله لنا أننا نستطيع فعل هذا في ظروف أيسر من هذه الظروف لاشك أن الحج يجتمع فيه ضيق المكان وكثرة الحجاج وتعطل حركة السير فيضطر الحاج إلى المشي في الزحام والحر وتباعد الأماكن وقد يكون الرفقة غير مهيئة للمشي أو الأمتعة كثيرة ومطلوب من الحاج ضبط أخلاقه فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج تصوروا لو عاد هذا العدد الكبير بعد أن تلقوا هذا التدريب في هذه الظروف الصعبة كم ستنزل عليهم من الرحمات والمغفرات .

2/ أهمية التسامح في الحج والعفو؛ لأنها سوف تتداخل المصالح ويتنافس الحجاج والأهم من هذا رد المظالم فوراً (أنا رأيت الحجاج وهم يزدحمون على الركوب في الباصات وحينما ركبوا وقف أحد الحجاج وطلب منهم أجرة الركوب وأخذ منهم عن كل نفر خمسين ريالاً ثم اختلفوا واتفقوا على عشرة ريال فنزل من الباب الخلفي وهرب بالمبلغ الذي جمعه حوالي أربعمائة ريال وكان هذا الأمر في طواف الوداع) ,ينبغي أن ننفض عنا أثقال الذنوب نحن في زمان الكثير يأكل ولا يشبع ومنهم من يكسب ولا يجمع, ومنهم من يجمع ولا يبارك له فيه والكثير لا يبالي بالحلال المهم أن يكسب من حلال أو من حرام فينبغي رد المظالم فوراً وننفض عنا أثقال الذنوب لكي نتطهر لسنا ملائكة ولكن العيب كل العيب الإصرار على المعاصي .

3/ حينما يشعر الحاج أن الله سيغفر له ما مضى ويبدأ صفحة جديدة كيوم ولدته أمه فقد يحج الحاج حجة واحدة كفيلة بمغفرة ما مضى كله فيشتاق للمغفرة ولكِ أن تتصوري حالات الحجاج بعد الانتهاء من الحج منهم من حجه مبروراً ,ومنهم من حجة مغفوراً له ,ومنهم من حجه مردوداً أما الحج المبرور فعلامته أن يرجع زاهداً في الدنيا راغباً في الآخرة فيكون عنده إنابة إلى دار الخلود وأما المغفور له فيرجع من حجة بحال غير الحال التي ذهب بها فيرجع محافظاً على الصلاة ,وترك الدخان وتاب إلى الله وأما المردود فيرجع ولا يتغير من حاله شيء يذهب تاركاً للصلاة ويرجع وهو تاركاً للصلاة .

4/ التلبية معناها جميل وهي شعار الحج ومعناها جئتك يا الله طالباً لمرضاتك وفضلك جئتك من أجلك وحدك وليس من أجل الدنيا ثم إنك لاتلبي إلا لمن تحب وتعظم .

5/ ديننا عنوانه التوحد فنحن نحج في مكان واحد وزمان واحد وفي مكان ضيق حتى نتوحد ونبتعد عن الفرقة والاختلاف فيتجلى فيه الوحدة الإسلامية لقاء سنوي متجدد خالد إلى يوم القيامة فتتجرد جميع الشعوب عن جميع ملابسها وأزيائها التي تتميز بها ويلبس الجميع لباس الإحرام حاسرين عن رؤوسهم متجردين عن لباس الدنيا فيستوي الجميع قادة الأمة وعامتها لا فرق بين أبيض وأسود ولا عربي ولا عجمي فتتجلى الوحدة الإسلامية في اللباس وفي الهتاف وشعارهم واحد "لبيك اللهم لبيك" وكلهم في هذه المشاعر تشغلهم أشغال واحدة وما دام الحج فريضة خالدة وباقية إلى يوم القيامة؛ فالمسلمون لا تبتلعهم القوميات ولاالعنصريات, ولاالوطنيات, ولا اللغات كما ابتلعت أمماً كثيرة ولذلك أسلم بعض الكفار وبالأخص ممن يرون عندهم التفرقة يقول أحد الدعاة أنا عشت في أمريكا عام 1970م في تلك الفترة كانت حركة المسلمين السود، حركة "آلايجا" محمد الذي أدعى النبوة، وأدعى شيئاً أخطر من النبوة، أدّعى أن الكون له إلهين: "إله أبيض, وإله أسود"، الإله الأبيض هو إله الشر، والإله الأسود هو إله الخير، أي جنون هذا! وسمى جماعته "المسلمون السود"، وكان من أتباعه رجل عظيم، خطيب مفوه، عاقل، صاحب قدرات فذة اسمه "مالكولم إكس"، وكان هو الشخص الرئيسي الذي استخدمه "آلايجا" المدعي للنبوة في تجميع الناس حوله، وكانت قدرة "مالكولم إكس" على تجميع الناس والخطابة والتأثير فيهم أضعاف قدرة ألايجا محمد، وشاء الله أن هذا المتحدث المفوه يحج فترك هذه الجماعة المنحرفة وانضم إلى أمة الإسلام الحقيقية بسبب الحج فيقول عن نفسه: (فرأيت الأبيض مع الأسود مع الأصفر مع الأحمر لا فرق بين أحد منهم، رأيت الكل يتجه نحو إله واحد، الكون ليس له إلهين، إله واحد، لا إله إلا هو سبحانه وعرف الإنحراف الذي ادعاه ايجا محمد وهلك الآيجا وورثة الخطيب وقاد المسلمين وأبعدهم عن الإنحراف والشرك بسبب الحج) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تاريخ المادة: 5/12/1433.

 

 

الزيارات: 234