نيل المرام في فضائل بيت الله الحرام

المجموعة: ملفات موسمية نشر بتاريخ: الثلاثاء، 23 تشرين1/أكتوير 2012 كتب بواسطة: wdawah
 
نيل المرام في فضائل بيت الله الحرام
 

 

بقلم /أ. أبوالمنذر فؤاد أبوسعيد .

الحمد لله نتنسم في هذه الأيام، عبق الاستعداد لحج بيت الله الحرام، وشدِّ الرحال إلى المسجد الحرام؛ فما هي إلا أيام وينطلق فيها وفد الله إلى بيت الله، متوكلين على الله، تاركين الأهل والأوطان، يحدوهم الإخلاص والإيمان، مستجيبين لنداء خليل الرحمن الذي نادى قبل آلاف الأعوام، فأسمع من في الأصلاب والأرحام، قال سبحانه: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} [الحج27] ,قال ابن حجر: (روى الفاكهي بإسناد صحيح من طريق مجاهد، عن بن عباس قال: "قام إبراهيم على الحجر، فقال: "يا أيها الناس! كُتبَ عليكم الحجَّ" فأَسْمَع مَن في أصلابِ الرجال وأرحام النساء، فأجابه من آمن، ومن كان سبقَ في علم الله أنه يحج إلى يوم القيامة: "لبيك اللهم لبيك"). فتح الباري (6/ 406)

أنه مكة إنه بَكّة؛ لأنها تبكّ أعناق الجبابرة، فلم يقصدها جبار بسوء إلا قصمه الله تعالى, وقد ذكروا لمكة أسماء كثيرة: (مكة، وبكة، والبيتَ العتيق، والبيتَ الحرام، والبلدَ الأمين، والمأمون، وأُمَّ رُحْم، وأمَّ القُّرَى، وصلاحَ، والعرْشَ على وزن بدر، والقادس؛ لأنها تطهر من الذنوب، والمقدسة، والناسّة: بالنون، وبالباء أيضاً، والحاطمة، والنسَّاسة والرأس، وكُوثى، والبلدة، والبَنِيَّة، والكعبة) . تفسير ابن كثير (2/ 78)

إنه بيت الله الحرام، ولِمَ الحجُّ إلى بيت الله الحرام؟ ولم زيارته وقصده بالحج والعمرة؟ وتخصيصه بالقبلة؟ والجواب:

أولاً/ طاعةً لله عز وجل، الذي أمر بذلك فقال: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} . (آل عمران97)

ثانياً/ طاعةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم القائل: (يا أيها الناس إن الله قد فرض عليكم الحج فحجوا) . حديث صحيح

ثالثاً/ الحجُّ إلى بيت الله الحرام هو الركن الخامس من أركان الإسلام.

إن بلد الله الحرام قد تميّز عن غيره من البلدان، وفاق غيره من الأراضي والعمران؛ لا بخصوبة تربته، ولا بهوائه العليل، أو كثرة حدائقه وأشجاره، أو لانتشار زروعه أو لجريان أنهاره، فهذه ونحوها معدومة في هذا البلد الأمين، بنص القرآن المبين، فقد قال الله تعالى بلسان إبراهيم الخليل عليه السلام: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} . [إبراهيم 37]

بلدُ الله الحرام؛ جوُّه شديد الحرارة، وأرضُه صحراءُ قاحلة، الجبال والوهادُ والوديانُ فيه أكثر من السهول، وإذا نزلت بركات الأمطار من السماء؛ كثرت الفيضانات والسيول إذن؛ لم يُفضَّلْ بيت الله الحرام بالترفيه عن النفوس بالمتع الدنيوية، أو الشهوات الشخصية.

لقد تميز بلد الله الحرام عن غيره من البقاع، والأماكن والأصقاع، بهبات ربانية، ومنحٍ إلهية، وخُصَّ بفضائلَ لا توجد لغيره، منها: أن فيه أول بيت وضع للعبادة، قال سبحانه: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ} . [آل عمران:96]

وهو أول مسجد بُني في الأرض لله، إن أَبَا ذَرٍّ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ أَوَّلاً؟ قَالَ: "الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ", قُلْتُ: ثُمَّ أَىُّ؟ قَالَ: "الْمَسْجِدُ الأَقْصَى", قُلْتُ: وَكَمْ بَيْنَهُمَا قَالَ: "أَرْبَعُونَ عَامًا، وَالأَرْضُ لَكَ مَسْجِدٌ؛ فَحَيْثُمَا أَدْرَكْتَ الصَّلاَةَ فَصَلِّ"). حديث صحيح

بلد الله الحرام فُضِّل على غيره؛ لاحتوائه على مقدساتٍ ومناسكَ وأماكن لا تكون في غيره، منها:

1/الكعبة بيت الله جل جلاله لا توجد إلا في بلد الله الحرام فقد قال تعالى:{إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ} . [آل عمران96]

إنه البيت العتيق الذي يطاف حوله حين قال عز وجل: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ}. [الحج: 29]

إنه المسجد الحرام وهو قبلة المسلمين قال سبحانه: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة144:]

2/وفيه مقام إبراهيم عليه السلام، قال عنه الله سبحانه: {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} . [آل عمران96،97:]

3/ويوجد فيه وحدَه حجارةٌ من أحجار الجنة؛ الركن والمقام، قال ابن حجر فتح الباري (6/406): وفي حديث أبي جهم: (ذهب إسماعيل إلى الوادي يطلب حجرا، فنزل جبريل بالحجر الأسود، وقد كان رفع إلى السماء حين غرقت الأرض، فلما جاء إسماعيل فرأى الحجر الأسود؛ قال: (من أين هذا؟ من جاءك به؟!) قال إبراهيم: "من لم يكلني إليك ولا إلى حجرك") ,ورواه بن أبي حاتم من طريق السدي نحوه، وأنه كان بالهند، وكان ياقوتة بيضاء، مثل الثغامة؛ وهي بالمثلثة والمعجمة: (طير أبيض كبير). أهـ

الحجر الأسود ومقام إبراهيم، اللذان قال فيهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنَّ الرُّكنَ والمقامَ ياقوتتانِ مِن ياقوتِ الجنَّةِ) . حديث صحيح

الحجر الأسود الذي أقسم بشأنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (والله ليبعثنه الله يوم القيامة؛ له عينان يبصر بهما، ولسان ينطق به، يشهد على من استلمه بحق). حديث صحيح

4/البلد الحرام فيه الركن اليماني الذي قال عنه صلى الله عليه وسلم: (يأتي يوم القيامة أعظمُ من أبي قبيس؛ له لسانان وشفتان) . رواه أحمد بإسناد حسن

5/وفي البلد الحرام ماء زمزم التي منحها الله لهاجرَ أمِّ العرب، وابنِها إسماعيل عليه السلام أبي العرب لقوله صلى الله عليه وسلم: (إن جبريل لما ركض زمزم بعقبه؛ ليشرب إسماعيل عليه السلام وأمُّه جعلت أمُّ إسماعيل تجمع البطحاء)، "أي الرمل" ,رحم الله هاجر لو تركتها؛ كانت عيناً معيناً) ,حديث صحيح

وفي رواية: (خير ماء على وجه الأرض، ماء زمزم؛ فيه طعام من الطعم، وشفاء من السقم، وشرُّ ماء على وجه الأرض؛ ماءٌ بوادي برهوت، بقبةِ حضرموت؛ كرجلِ الجراد من الهوام، تصبح تتدَفَّقُ وتمسي لا بِلال بها) حديث صحيح ,واعلموا عنه صلى الله عليه وسلم: (ماء زمزم لما شرب له) حديث صحيح ,وقال ابن القيم في زاد المعاد في هدي خير العباد (4/ 393) ط الرسالة: (وقد جربت أنا وغيري من الاستشفاء بماء زمزم أموراً عجيبة، واستشفيت به من عدة أمراض فبرأت بإذن الله، وشاهدت من يتغذى به الأيام ذوات العدد؛ قريباً من نصف الشهر أو أكثر، ولا يجد جوعاً، ويطوف مع الناس كأحدهم، وأخبرني أنه ربما بقي عليه أربعين يوماً، وكان له قوةٌ يجامع بها أهله، ويصوم ويطوف مراراً). نقلته من إرواء الغليل (4/ 324)

5/وفي بلد الله الحرام جبلاً الصفا والمروةِ، اللذان قال الله سبحانه وتعالى فيهما: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ}. [البقرة158]

6/ومنى؛ التي تُمنى "أي تراق" فيها دماء القرابين, والهدايا, والأضاحي التي لن ينال الله لحومها، فعنه صلى الله عليه وسلم: (كل عرفة موقف ، و كل منى منحر، و كل المزدلفة موقف، و كل فجاج مكة طريق و منحر) حديث صحيح ,وعنه صلى الله عليه وسلم: (منى مناخ من سبق) . حديث صحيح

7/ومزدلفة وفيها المشعر الحرام قال تعالى: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ} [البقرة198] ,والمشعر الحرام موقف وعنه صلى الله عليه وسلم: "وكل المزدلفة موقف" . حديث صحيح

8/وفي البلد الحرام جبل نعمان؛ عرفة أو عرفات، فعنه صلى الله عليه وسلم: (أَخَذَ اللَّهُ الْمِيثَاقَ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ بِنَعْمَانَ "يَعْنِي عَرَفَةَ"، فَأَخْرَجَ مِنْ صُلْبِهِ كُلَّ ذُرِّيَّةٍ ذَرَأَهَا؛ فَنَثَرَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ كَالذَّرِّ، ثُمَّ كَلَّمَهُمْ قِبَلاً قَالَ: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ). حديث صحيح

لقد قال عليه الصلاة والسلام: (وقفت هاهنا، وعرفةُ كلها موقف) حديث صحيح ,ففي قوله تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ*فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران96، 97]

ورد عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (كنت جالساً مع النبي صلى الله عليه وسلم في مسجد منى، فأتاه رجل من الأنصار، ورجل من ثقيف، فسلما ثم قالا: يا رسول الله! جئنا نسألك فقال: "إن شئتما؛ أخبرتكما بما جئتما تسألاني عنه فعلت، وإن شئتما أن أمسك وتسألاني فعلت" فقالا: "أخبرنا يا رسول الله" فقال الثقفي للأنصاري: سل فقال: "أخبرني يا رسول الله" فقال: "جئتني تسألني عن مخرجك من بيتك تؤمُّ البيتَ الحرام؛ وما لك فيه؟ وعن ركعتيك بعد الطواف؛ وما لك فيهما؟ وعن طوافك بين الصفا والمروة؛ وما لك فيه؟ وعن وقوفك عشية عرفة؛ وما لك فيه؟ وعن رميك الجمار؛ وما لك فيه؟ وعن نحرك؛ وما لك فيه؟ مع الإفاضة" فقال: (والذي بعثك بالحقِّ لَعَنْ هذا جئت أسألك" قال: "فإنك إذا خرجت من بيتك تؤمُّ البيت الحرام، لا تضع ناقتك خُفًّا ولا ترفعه؛ إلا كتب اللهُ لك به حسنةً، ومحا عنك خطيئةً"). حديث صحيح

وأما ركعتاكِ بعد الطواف؛ كعتق رقبةٍ من بني إسماعيل عليه السلام.

وأما طوافكِ بالصفا والمروة؛ كعتق سبعين رقبة.

وأما وقوفكِ عشية عرفة؛ فإن الله يهبط إلى سماء الدنيا، فيباهي بكم الملائكةَ يقول: (هؤلاء عبادي جاؤوني شعثاً غبراً من كل فج عميق ، يرجون رحمتي ويخافون عذابي ولم يروني ، فكيف لو رأوني ؟ فلو كان عليك مثل رمل عالج أو مثل أيام الدنيا أو مثل قطر السماء ذنوبا غسلها الله عنك . وأما رميك الجمار فإنه مدخور لك, و أما حلقك رأسك فإن لك بكل شعرة تسقط حسنة، فإذا طفت بالبيت خرجت من ذنوبك كيوم ولدتك أمك) . حديث حسن

وأما رميكِ الجمار؛ فلكِ بكل حصاة رميتها تكفيرُ كبيرة من الموبقات, وأما نحركِ؛ فمذخور لكِ عند ربكِ, وأما حِلاقُكِ شعركِ؛ فلكِ بكل شعرة حلقتها حسنة، ويُمحى عنك بها خطيئة.

وأما طوافكِ بالبيت بعد ذلك؛ فإنكِ تطوف ولا ذنب لكِ؛ يأتي ملكٌ حتى يضعَ يديه بين كتفيكِ فيقول: (اعمل فيما تستقبل، فقد غفر لك ما مضى). حسن لغيره

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

تاريخ المادة: 7/12/1433.

 

 

الزيارات: 217