[ صلة الأرحام في العيد] .... الشيخ/ فؤاد أبو سعيد

المجموعة: ملفات موسمية نشر بتاريخ: الأحد، 19 آب/أغسطس 2012 كتب بواسطة: wdawah
 
[ صلة الأرحام في العيد] .... الشيخ/ فؤاد أبو سعيد.
 

 

أجرت الحوار/ المحررة. أمينة سلامة .

 

 

حث الدين الإسلامي على صلة الرحم, ورتب عليها فضائل عظيمة؛ فهي من أسباب رضا الله عز وجل, وتجلب البركة وسعة الرزق, وتزيد في العمر, وتأتي الأعياد لتحفز المسلمين على إحياء سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم بعد هجرانها من قبل الكثيرين,وقد نسو برهم في زحمة الحياة ومشاغلها, وبما أننا مقبلون على العيد المبارك تعالوا لنتعرف على صلة الرحم وفضائلها, وعقوبة قاطع الرحم, ودور الدعاة في تبصير الناس بأهمية صلة الرحم, وذلك من خلال حوارنا التالي مع ضيف "دعوتها" /الشيخ فؤاد أبوسعيد .

 

س1/ في السطور الأولى لنتعرف على ضيفنا ؟

الاسم/ فؤاد بن يوسف بن سليمان أبو سعيد.

الكنية/ أبو المنذر.

النشأة والمولد/ ولد في منطقة المغازي، إحدى محافظات الوسطى من لواء غزة بفلسطين, وذلك عام 1377هـ الموافق 1957إفرنجي.

الدرجة العلمية/ الإجازة العالية من كلية الحديث الشريف والدراسات الإسلامية بالجامعة الإسلامية المدينة المنورة، عام 1402هجرية, وفق 1982رومية.

أعمال وأشغال/ انتدبته وزارة الأوقاف بالمملكة ليكون داعياً إلى الله على بصيرة في بلده غزة فلسطين، وعمل مدرساً للغة العربية والتربية الدينية في مدرستي المغازي الإعدادية والابتدائية، لمدة سنتين.

وبعد مجيء السلطة الوطنية الفلسطينية سعى مع إخوانه على إنشاء جمعية خيرية، سافر بنظامها الداخلي؛ ليستشير العلماء، فاختير هذا الاسم (المجلس العلمي للدعوة السلفية)، وممن استشيروا من المدينة المنورة الشيخ عبد المحسن العباد، والشيخ ربيع المدخلي، والشيخ عاصم القريوتي، كلهم قُرئ عليهم النظام الداخلي للجمعية, وكذا تعرف على الشيخ سعد الحصين المستشار الديني بعمَّان سابقاً حفظه الله تعالى.

ومن الأعمال التي قام بها أبو المنذر، أو أنيطت به: (شغل صفة نائب رئيس المجلس العلمي بفلسطين وحتى الآن, وأمين هيئة الثقافة والإعلام بالمجلس, وعضو هيئة الإصلاح والتحكيم بالمجلس سابقاً, ومدير عام مجلة الاستقامة, وعمل مدرساً في معهد دار الحديث (طالبات) بخان يونس, وعمل مدرساً أيضا في معهد دار الحديث (طلاب) بخان يونس, وهو ما زال إمام وخطيب مسجد الزعفران المجاور لبيته، في المغازي بالوسطى غزة), وشارك في برامج مرئية منها: (في رحاب الإسلام, وحياتي في قناة فلسطين الفضائية), وفي الإذاعات المحلية مثل: (غزة fm)، وصوت العمال، وإذاعة الشباب، وإذاعة القرآن والسنة التي تبث من قلقيلية), وشارك في المؤتمر الدعوي التي أقامته وزارة الأوقاف الفلسطينية, ونسأل الله أن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم، وأن يوفقنا للصواب والإخلاص في القول العمل، ويجنبنا الشرك والرياء والزلل، ويعصمنا من الخطأ والوهن والعلل، ويحفظنا في ما بقي من أعمارنا على الكتاب والسنة، ومنهاج سلف الأمة، ممن عاش في القرون المفضلة، من الصحابة والتابعين وتابعيهم، لا أتباع الأهواء والفرق المنحرفة, والأفكار المضلة والمضللة, اللهم آمين .

 

س2/بداية حدثنا عن يوم العيد كيف يقضي الداعية يوم العيد,  وهل يختلف يوم العيد عند الداعية عن يوم الإنسان العادي ؟

قال سبحانه: {أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة186], {يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ} [طه: 108],{وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ} [الأحزاب: 46], {يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ} [الأحقاف: 31], {وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ} [الأحقاف: 32],{يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ} [القمر: 6], {مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ} [القمر: 8]؛فالداعي إلى الله عنده من الأعمال التي أنيطت به يوم العيد فطراً كان أو أضحى، فهو يعمل بما يعلم من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في هذا اليوم، مبتدئاً بالاغتسال والتطيب، والتصبُّح على تمرات إن كان عيد فطر، والاستعداد للخطبة وصلاة العيد، واستقبال التهاني من المصلين، والرجوع إلى بيته مهنئاً أهله وأولاده، ويأكل من أضحيته إن كان في عيد الأضحى، ويخرج زائراً لأرحامه، وأقاربه وجيرانه، وأصحابه ورفاقه، يبتغي بذلك وجه الله؛ ليظهر علمه ودعوته في صورة تطبيق عملي ليكون قدوة يقتدى به.

 

س3/ بعد أن تعرفنا على يوم الزينة عند الداعية نوجه له سؤالنا التالي ,هل يحرص الناس في وقتنا الحالي على وصل أرحامهم أم هناك قطيعة للأرحام ؟

قال الله سبحانه وتعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}[النساء: 1], {وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} [الأنفال: 75],وهذه وصايا من الله جل جلاله بالأرحام؛ فنتقي الله فيهم، ونجعل لهم الأولوية عند الاختيار, قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، أَوْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ) حديث صحيح, وحذر سبحانه من قطيعة الأرحام، وهي موجودة بكثرة في هذا الزمان؛ فقاطع رحمه من الذين قال الله فيهم: {يَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [البقرة: 27]، إن المعرضين عن دين الله الذين تولوا عن هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال سبحانه: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ* أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ} [محمد22،23], ورد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (خَلَقَ اللَّهُ الخَلْقَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ قَامَتِ الرَّحِمُ، فَقَالَ لَهُ: مَهْ، قَالَتْ: هَذَا مَقَامُ العَائِذِ بِكَ مِنَ القَطِيعَةِ، قَالَ: أَلاَ تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ، وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ، قَالَتْ: بَلَى يَا رَبِّ، قَالَ: فَذَاكِ" قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ} [محمد: 22]) . حديث صحيح

 

س4/ما المقصود بصلة الرحم ؟

صلة الرحم إذا أردنا أن نعرف معناها فلنقرأ ما قاله النّوويّ: (صلة الرّحم؛ هي الإحسان إلى الأقارب على حسب حال الواصل والموصول؛ فتارة تكون بالمال وتارة بالخدمة، وتارة بالزّيارة والسّلام,وغير ذلك) ,وقد أوضح ابن منظور العلاقة بين المعنيين اللّغويّ والاصطلاحيّ فقال: (هي كناية عن الإحسان إلى الأقربين من ذوي النّسب والأصهار، والعطف عليهم، والرّفق بهم، والرّعاية لأحوالهم، وكذلك إن بعدوا أو أساؤا، وقطع الرّحم ضدّ ذلك كلّه؛ فكأنّه بالإحسان إليهم قد وصل ما بينه وبينهم من علاقة القرابة والصّهر والصّلة الجائزة والعطيّة). نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم (7/ 2615)

أما قطيعة الرّحم: (هي أن يعقّ الإنسان أُولى رحمه وذوي قرابته فلا يصلهم ببرّه ولا يمدّهم بإحسانه) ,ويختلف ذلك بحسب حال القاطع والمقطوع، فتارة يكون ذلك بمنع المال، وتارة بحجب الخدمة والزّيارة والسّلام، وغير ذلك). نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم (11/ 5330)

 

س5/ جاء في فتاوى اللجنة الدائمة (25/ 291) سؤال: من هم الأرحام، وما حكم من يقطع رحمه؟

ذووا الأرحام هم: كلُّ من تربطُه بك رابطةُ نسب؛ كالأبوين والجدِّ والجدَّة وإن عليا، وكالولد وولد الولد؛ ذكراً كان أو أنثى وإن نزلا، وكالإخوة والأخوات وأولادهم، وكالأعمام والعمات وأولادهم، وقطيعةُ أحدٍ منهم بغير موجب شرعيٍّ كبيرةٌ من كبائر الذنوب؛ لقوله تعالى: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ}، {أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ}، وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يدخل الجنة قاطع رحم). حديث صحيح

وقد فصل العلماء حكم صلة الرحم فقالوا: إن صلة الرحم الواجبة تكون في الرحم المحرم فقط، فإذا قطعها الإنسان يكون آثماً، وهذه تكون كما ذكرت في الآباء والأمهات، والأجداد والجدات، والأعمام والعمات، والأخوال والخالات، والأخوة والأخوات؛ والأولاد ذكوراً وإناثاً، فهؤلاء تجب صلتهم وتحرم قطيعتهم ؛وأما الرحم غير المحرم فهم: الأقارب الذين يجوز التناكح بينهم؛ كبنات الأعمام وبنات العمات، وبنات الأخوال وبنات الخالات وأولادهم. فمن السنة صلتهم ولا تجوز قطيعتهم. فتاوى يسألونك د/ حسام عفانة (1/ 185)

 

س6/ قد يعتقد البعض أن صلة الرحم مقصورة على الرجال فقط ولا صلة رحم على النساء ,ما ردكم على ذلك؟

صلة الرحم هي في حقِّ الرجال آكدُ منها في حق النساء؛ لأن المرأة تحتاج إلى إذن في الدخول والخروج؛ فالزوجة صلة الرحم واجبة عليها لكن لا بد من إذن الزوج في خروجها، وكذا الأخت والبنت ونحوهما.

 

س7/ أتقتصر صلة الرحم فقط على أن تكون بزيارة عابرة، أو باتصال هاتفي، أو سؤال عن الصحة، أم هناك أهداف أبعد من ذلك نرجوها من وصل أرحامنا ؟

إن الاتصال بالهاتف أو عبر الشبكة الإلكترونية، أو الزيارة العابرة، ونحوها جزء من صلة الرحم خصوصاً إذا حالت الحدود والسدود بينهم، أما صلة الرحم الحقيقية كما أسلفنا أعمُّ من ذلك؛ فصلة الرحم إحسانٌ إلى الأقربين من ذوي النّسب والأصهار، والعطف عليهم، والرّفق بهم، والرّعاية لأحوالهم، وخدمتهم وتفقدهم بين الحين والحين، حتى وإن بعدوا أو أساؤا، فإن لصلة الرحم فوائدَ عظيمة، وأهدافً سامية منها:-

1/علامةُ كمالِ الإيمان وحسنِ الإسلام. 

2/تحقّقُ السّعة في الأرزاق والبركة في الأعمار.

3/اكتساب رضى الرّبّ ثمّ محبّة الخلق.

4/تقوية أواصر العلاقات الاجتماعيّة بين أفراد الأسرة الواحدة والأسر المرتبطة بالمصاهرة والنّسب حتّى يعمّ المجتمع كلّه.

5/استصحاب معيّة النّصر، والتّأييد من الله القويّ العزيز للواصل.

6/للأرحام حقّ وإن كانوا كفّاراً، أو فجّاراً، أو مبتدعة.

7/تقوّي الصّلة بقرب العلاقة وهي للأقرب أقوى منها للأبعد.

 

س8/ هل صلةُ الرحم تنفعُ غيرَ المسلمين إذا أسلموا,كيف يكون ذلك ؟

الرحمُ المشركة وغيرُ المسلمة؛ إذا أسلمت نفعتها صلةُ الرحم أيّما نفع، وتثبَّتهم على الإسلام، وتحبِّب إليهم الدين، وتقوِّي عندهم التمسكَ به والعملَ بأحكامه.

 

س9/ إن وجد قريب كافر لإنسان مسلم, هل عليه وصله, وما الدليل على ذلك,وأثره على المجتمع ؟

صلة الرحم ليست مقصورة على المسلمين؛ بل تتناول الأرحامَ غيرَ المسلمين من المشركين والكفار؛ فقد قالت أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَتَتْنِي أُمِّي رَاغِبَةً، -وهي مشركة- فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: آصِلُهَا؟ قَالَ: (نَعَمْ), قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا: {لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ} [الممتحنة: 8] . حديث صحيح

وهذا نوع من الإنسانية التي ينادون بها، بغضِّ النظر عن العِرْقِ أو اللونِ أو الدين، فصلة الرحم عندنا نحن المسلمين لا يعيقها ذلك ولا تعرفه, ما دامت هذه الرحم غير معادية أو مقاتلة، كما في الآية السابقة، قال سبحانه: {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: 8]؛فكيف إذا أسلموا ودخلوا في دين الله؟! وكانت الرحم موادَّةً مسالمة؟!

 

س10/ يحرص الدعاة والداعيات على التركيز على صلة الرحم في دروسهم وخطبهم, فما الخطوات العملية الداعية لتبصير الناس بأهمية ذلك ؟

تتمثل خطوات الدعاة والداعيات لتبصير الناس بأهمية صلة الأرحام بخطوتين: العلم والعمل.

العلم بالأحكام الشرعية لصلة الأرحام، والعلم بالأرحام عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (تَعَلَّمُوا مِنْ أَنْسَابِكُمْ مَا تَصِلُونَ بِهِ أَرْحَامَكُمْ، فَإِنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ مَحَبَّةٌ فِي الأَهْلِ، مَثْرَاةٌ فِي المَالِ، مَنْسَأَةٌ فِي الأَثَرِ) الترمذي (1979),وقال: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ وَمَعْنَى قَوْلِهِ: «مَنْسَأَةٌ فِي الأَثَرِ» يَعْنِي زِيَادَةً فِي الْعُمُرِ) السلسلة الصحيحة (276) ,والعمل بهذه الأحكام الذي يورث القدوة الحسنة؛ فقاطع الرحم قدوة سيئة لغيره.

 

س11/ من المفاهيم والقيم الخاطئة عند بعض الناس قولهم: نحن نزور من يزورنا، ونقطع من يقطعنا! ما ردكم على هذا القول ؟

صلة الرحم ليس فيها مقايضة: إن زرتني زرتك، وإلاَّ فلا! بل أزورك وإن قاطعتني لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَجُلاً قَالَ: (يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ لِي قَرَابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِي، وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ، وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ، فَقَالَ: "لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ، فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمُ الْمَلَّ - أيْ: كَأنَّمَا تُطْعِمُهُمُ الرَّمَادَ - وَلا يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ") حديث صحيح؛ فنصل من وصلنا ولا نقطع من قطعنا, فقد قال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لَيْسَ الوَاصِلُ بِالمُكَافِئِ، وَلَكِنَّ الوَاصِلَ الَّذِي إِذَا انْقَطَعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا). سنن الترمذي (1908)

 

س12/ شيخنا الفاضل ما عقوبة قاطع الرحم ؟

عقوبة قاطع الرحم كما قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: (لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعُ رَحِمٍ) حديث صحيح ,عن ميمون بن مهران قال لي عمر بن عبد العزيز: (أحفظ عني أربعاً: لا تصحب سلطانا وإن أمرته بمعروف ونهيته عن منكر، ولا تخلون بامرأة وإن أقرأتها القرآن، ولا تصلن من قطع رحمه؛ فإنه لك أقطع، ولا تتكلمن بكلام تعتذر منه غداً). من فيض القدير (3/ 118)

وعقوبة القاطع معجلة في الدنيا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ تَعَالَى لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِي الآخِرَةِ مِثْلُ الْبَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ) حديث صحيح , ومن قطع رحمه قطعه الله الرحمن الرحيم.

وقطيعة الرحم تمنع استجابة الدعاء، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: (لا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ، مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ، مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ, قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا الاسْتِعْجَالُ؟ قَالَ: يَقُولُ: قَدْ دَعَوْتُ وَقَدْ دَعَوْتُ، فَلَمْ أَرَ يَسْتَجِيبُ لِي، فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ وَيَدَعُ الدُّعَاءَ) حديث صحيح, وقاطع الرحم محروم من البركة في الرزق.

 

س13/ إن تحدثنا عن العقوبة لنعرج  على الفضل لدفع الأمل في قلوب الناس,فما هو فضل صلة الرحم؟

سبق وأن أشرت إلى بعض فضائل صلة الرحم أجملها فيما يلي: صلة الرحم تزيد في الرزق وتبارك في العمر، للحديث: (مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، أَوْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ) حديث صحيح ,وفي رواية زادت: (... فَإِنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ مَحَبَّةٌ فِي الأَهْلِ، مَثْرَاةٌ فِي المَالِ، مَنْسَأَةٌ فِي الأَثَرِ) حديث صحيح,الرحم من وصلها وصله الله ,وفي الحديث: (إنه من أعطي حظه من الرفق، فقد أعطي حظه من خير الدنيا والآخرة، وصلة الرحم وحسن الخلق وحسن الجوار يعمران الديار، ويزيدان في الأعمار). أخرجه أحمد (6/ 159) والصحيحة (519)

وفيه سرعة الثواب للحديث: (ليس شيء أطيع اللهُ فيه أعجل ثواباً من صلة الرحم، وليس شيء أعجل عقاباً من البغي وقطيعة الرحم، واليمين الفاجرة تدع الديار بلاقع) حديث صحيح,وفي رواية: (ما من ذنب أجدر أن يعجل الله تعالى لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخره له في الآخرة من قطيعة الرحم والخيانة والكذب، وإن أعجل الطاعة ثواباً لصلة الرحم، حتى إن أهل البيت ليكونوا فجرةً فتنمو أموالهم، ويكثر عددهم إذا تواصلوا). حديث صحيح

 

س14/ حين ينصت الناس لحديث الدعاة عن صلة الأرحام وفضلها؛ تراهم يسارعون في وصل أرحامهم ,وما هي إلا أيام وتلهيهم الدنيا بمشاغلها فلا يصلون أرحامهم ,وهناك ما يخصص الأعياد وشهر ورمضان لوصل رحمه وينساهم باقي العام, ما ردكم على من يتبع هذا النهج ؟

صلة الرحم غير مرتبطة بزمن معين؛ كالمواسم مثلاً بل هي حسب الحاجة، فتكون صلة الرحم واجبة لا تؤجل عندما يحل بها مصيبة الموت أو المرض، أو الدّيون ونحو ذلك فيجب المبادرة والإسراع بالزيارة، والمساعدة بالجهد والمال إن احتاج الأمر.

وكذلك إن حلت بديارهم الأفراح والسعادة فلا بد من مشاركتهم في ذلك كأن يحدث عندهم أعراس أو قدوم غائب، أو شفاء مريض، أو رزقوا بمولود جديد ونحو ذلك مما يدل السرور في النفوس، والفرح في القلوب.

أما التطوع بصلة الرحم فحسب حال الواصل، فلو كان كلَّ جمعة أو جمعتين، أو كلَّ شهر أو شهرين، ولا يترك أكثر من سنة، ولا يقتصر على الأعياد فقط.

 

س15/ ختاماً كل عام وأنتم بألف خير, هناك من يعتبر العيد فرصة للتنزه في الحدائق والشوارع وينسى رحمه,ماهي نصيحتكم لهم في هذا المقام  ؟

الأعياد جعلها الله سبحانه لهذه الأمة للتنفيس عنها، ومنحها شيئاً من اللهو المباح في يومين من كل عام، في الفطر والأضحى، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: (كَانَ لأَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ يَوْمَانِ فِي كُلِّ سَنَةٍ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا، فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ، قَالَ: "كَانَ لَكُمْ يَوْمَانِ تَلْعَبُونَ فِيهِمَا، وَقَدْ أَبْدَلَكُمُ اللَّهُ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا: يَوْمَ الْفِطْرِ، وَيَوْمَ الأَضْحَى"). حديث صحيح

وعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها: (أَنَّ أَبَا بَكْرٍ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا جَارِيَتَانِ فِي أَيَّامِ مِنًى تَضْرِبَانِ بِدُفَّيْنِ، وَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسَجّىً عَلَيْهِ بِثَوْبِهِ، فَانْتَهَرَهُمَا، فَكَشَفَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجْهَهُ، فَقَالَ: "دَعْهُنَّ يَا أَبَا بَكْرٍ، فَإِنَّهَا أَيَّامُ عِيدٍ"). وَقَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها: (رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى الْحَبَشَةِ يَلْعَبُونَ فِي الْمَسْجِدِ، - أي في يوم عيد - حَتَّى أَكُونَ أَنَا أَسْأَمُ، فَأَقْعُدُ، فَاقْدُرُوا قَدْرَ الْجَارِيَةِ الْحَدِيثَةِ السِّنِّ، الْحَرِيصَةِ عَلَى اللهْوِ). حديث صحيح

في هذا الحديث من الفوائد: (مشروعيةُ التوسعة على العيال في أيام الأعياد؛ بأنواع ما يحصل لهم بسط النفس، وترويح البدن من كلف العبادة، وأن الإعراض عن ذلك أولى، وفيه أن إظهار السرورَ في الأعياد من شعار الدين) . من حاشية مسند أحمد ط الرسالة (41/ 90)

أما أن يشغلهم هذا اللهو عن الواجبات، وتفقد الأرحام والمساكين واليتامى فلا، والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

تاريخ المادة: 1/10/1433.

 

 

الزيارات: 168