رمضان في رحاب آية

المجموعة: ملفات موسمية نشر بتاريخ: الإثنين، 01 آب/أغسطس 2011 كتب بواسطة: wdawah
 
رمضان في رحاب آية
 

 

 

ضيفة الحوار/ أ. آمال المغامسي.

أجرت الحوار/ المحررة. أمل الطبيشي.

 

 

وهكذا تهب نسمات الإيمان على المؤمنين نسمات بها عبق الروحانية, وشذا الإخلاص, وفوح العبادة, وأريج الصدق نسمات تستقبل شهر القرآن وشهر الصيام وشهر القيام وشهر الجود وشهر والغفران, وشهر القرآن .

ولنا مع الإستاذة ( آمال المغامسي ) وقفات نستشعر بها رمضان في رحاب القرآن .

س1/ مافضل القرآن في هذا الشهر عن سائر الأشهر ؟

أُرحب بداية بمرتادي هذا الموقع المبارك وأقول للجميع كل عام وأنتم بخير وطاعة، إجابة على هذا السؤال بعد بسم الله الرحمن الرحيم ،والصلاة والسلام على نبيه وحبيبه محمد صلى الله عليه وسلم، أن رمضان هو شهر القرآن اختصه الله عز وجل بنزول هذا الكتاب المبين فيه، قال سبحانه: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} [البقرة 185]، وقال عز وجل: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ*وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ} [القدر1-2]، وقال: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ} [الدخان3], قال بعض السلف رحمهم الله: (ما من كتاب أنزله الله على نبي من الأنبياء إلا كان في هذا الشهر المبارك)؛ فالقرآن الكريم ابتدأ نزوله في شهر رمضان لما نزل جبريل على نبينا الأمين صلى الله عليه وسلم في غار حراء فكان هذا النزول المبارك في هذا الشهر المبارك، ومن هنا كانت له هذه الخصوصية في هذا الشهر.

قال ابن عباس عن حال رسول الله صلى الله عليه وسلم مع القرآن في رمضان: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن؛ فالرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة ) رواه البخاري ومسلم , قال الإمام ابن رجب في اللطائف والمعارف: (دل الحديث على استحباب دراسة القرآن في رمضان والاجتماع على ذلك ، وعرض القرآن على من هو أحفظ له؛ وفيه دليل على استحباب الإكثار من تلاوة القرآن في شهر رمضان).

وفي حديث فاطمة رضي الله عنها عن أبيها أنه أخبرها: (أن جبريل عليه السلام كان يعارضه القرآن كل عام مرة وأنه عارضه في عام وفاته مرتـــين) رواه البخاري ومسلم ، قال ابن رجب رحمه الله: (و في حديث ابن عباس أن المدارسة بينه و بين جبريل كانت ليلاً يدل على استحباب الإكثار من التلاوة في رمضان ليلاً ،فإن الليل تنقطع فيه الشواغل ويجتمع فيه الهم ، و يتواطأ فيه القلب واللسان على التدبر كما قال تعـالى: {إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلاً} [المزمل6] ؛ وفي هذا تأكيد على ضرورة الحرص على ختم القرآن مرة بعد مرة، وعلى تدارسه وتدبره والتأمل في حكمه وأحكامه، وفي ذلك الأجر العظيم والثواب الكبير، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة ،والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول (ألم) حرف، ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف) حديث صحيح ،وقال عبدالله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما : (لقد عشنا دهراً طويلاً وأحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن ،فتنزل السورة على محمد صلى الله عليه وسلم فنتعلم حلالها وحرامها وأمرها وزجرها ، وما ينبغي أن يقف عنده منها ، ثم لقد رأيت رجالاً يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان ، فيقرأ ما بين الفاتحة إلى خاتمته لا يدري ما أمره ولا زجره وما ينبغي أن يقف عنده منه ، ينثره نثر الدقل ) .

وقد كان للسلف رحمهم الله اجتهاد عجيب في قراءة القرآن في رمضان بل لم يكونوا يشتغلون فيه بغيره:

فكان الزهري إذا دخل رمضان يقول: (إنما هو قراءة القرآن وإطعام الطعام) .

وكان الإمام مالك إذا دخل رمضان يفر من قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم .

و كان سفيان الثوري إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة و أقبل على قراءة القرآن .

وكانت لهم في رمضان ختمات كثيرة؛ فكان الأسود يختم القرآن في رمضان كل ليلتين ، وكان قتادة إذا جاء رمضان ختم في كل ثلاث ليال مرة ، فإذا جاء العشر ختم في كل ليلة مرة ،وكان الشافعي يختم في شهر رمضان ستين ختمة ما منها شيء إلا في صلاة ، وكان مجاهد رحمه الله يختم القرآن في رمضان فيما بين المغرب و العشاء ، وكانوا يؤخرون العشاء في رمضان إلى أن يمضي ربع الليل؛ وما هذا إلا لعلمهم بأفضلية القرآن في هذا الشهر الفضيل ،ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلفه الصالح أسوة .

 

س2/ كان نزول القرآن الأول على حبيبنا ورسولنا محمد صلى الله عليه وسلم في رمضان , لو ذكرتِ لنا قصة هذا النزول وأحداثه بإيجاز ؟

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اعتاد في سنواته الأخيرة قبل النبوة أن يبتعد عن أهل مكة غير راض عن عبادتهم الأصنام ،فكان يذهب إلى غار حراء في جبل النور, وكان يأخذ معه طعامه وشرابه ويبقى في الغار أياماً طويلة يتفكّر في آيات الله الباهرات في كونه ،وفي خالق هذا الكون سبحانه.

وفي يوم من أيام شهر رمضان وبينما كان رسول الله يتفكّر في خلق السموات والأرض أنزل الله تعالى عليه جبريل بأول آيات القرآن، فقال للرسول: فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (ما أنا بقارئ) ، وكرّرها عليه جبريل ثلاث مرّات، وكان الرسول صلى لله عليه وسلم يقول في كل مرّة: (ما أنا بقارئ), وفي المرّة الأخيرة قال جبريل عليه السلام: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ *خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ*اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ*الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ*عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}[العلق1-5], وكانت هذه الآيات الكريمة أوّل ما نزل من القرآن الكريم, عاد الرسول صلى الله عليه وسلم بعد هذه الحادثة خائفًا مذعورًا إلى زوجته السيدة خديجة رضي الله عنها وكان يرتجف فقال لها: (زملوني، زملوني) فغطته وهدأت من روعه ، ولما هدأت نفسه وذهب عنه الخوف أخبر زوجته بما رأى وسمع فطمأنته فقالت: (أبشر يا ابن عم واثبت فوالذي نفسي بيده إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة) حديث مرسل, وكان الرسول قد بلغ الأربعين من عمره عند وقوع هذه الحادثة .

 

 

س3/ ماهي أبرز قصص الصحابة رضوان عليهم مع القرآن في شهر رمضان ؟

لقد أولى الصحابة رضوان الله عليهم القرآن الكريم اهتماماً خاصاً في رمضان؛ لأنهم علموا من حال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يحرص على القرآن في رمضان أعظم من حرصه في سائر الشهور ،فكانوا يقومون الليل في رمضان بالمئين، أي: بالسور الطويلة التي فيها مائة آية أو تزيد، حتى كانوا يستندون على العصي من طول القيام، وكانوا يبتدرون سواري المسجد وما ينصرفون من القيام إلا قدر ما يأكلون أكلة السَحَر، وكان سيدنا عمر رضي الله عنه يرى الناس أوزاعاً يصلون متفرقين، فجمعهم على أقرأهم أبي بن كعب رضي الله عنه فصلوا خلفه صلاة التراويح، وكان يقرأ بهم قراءة طويلة رضوان الله عليه؛ لأنهم علموا من حال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يحرص على القرآن في رمضان حرصاً أعظم من حرصه في سائر الشهور؛ بل كانوا يعدون من يقرأ سورة البقرة في اثنتي عشرة ركعة من المخففين، ففي موطأ الإمام مالك عن عبد الرحمن بن هُرْمز قال: (ما أدركت الناس إلاّ وهم يلعنون الكفرة في شهر رمضان(أي في القنوت)، قال: فكان القراء يقومون بسورة البقرة في ثماني ركعات؛ فإذا قام بها القراء في اثنتي عشرة ركعة رأى الناس أنه قد خفف عنهم) .

وكان الصحابة يقومون الليل حتى يقترب الفجر، وما يكاد أحدهم ينتهي من السحر حتى يؤذَّن للفجر، فعن مالك عن عبد الله بن أبي بكر رضي الله عنهما قال: سمعت أبي يقول: (كنا ننصرف في رمضان من القيام، فيستعجل الخدم بالطعام مخافة الفجر) .

 

س4/ أرتبط (رمضان بالتقوى) في معاني القرآن الخالدة , ما الرابط بينهما ؟

رمضان من أعظم مواسم التقوى ، والصيام مسلك من مسالكها ، وقد علل الله الصيام بالتقوى في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}. [البقرة183]

فمن أجل حكم الصيام: الحصول على التقوى،وهي الغاية الكبرى من الصوم ،فالتقوى هي التي تحرس القلوب من إفساد الصوم بالمعصية ولو كانت خواطر وهواجس في البال ،ولذلك ختم الله آية فرض الصيام بقوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} فجعل التقوى هي الهدف الذي يتجه إليه المسلم عن طريق صومه .

ولماذا الصيام بالذات ؟ لأن الصيام فيه ضبط لجوارح الإنسان وشهواته ،فالشبع الدائم يجعل الأعضاء في كامل طاقتها؛ مما قد يحيد بالإنسان عن الحق ، والصيام بما فيه من حبس للنفس عن شهوتي البطن والفرج فيه إضعاف لهذه النفس عن الانطلاق في غير الطريق الشرعي الصحيح؛ لذا أخبر النبي صلى الله عليه أن الصيام جُنة أي: (وقاية يقي صاحبه الفحش والمحرمات) ،فقال عليه الصلاة والسلام : (الصيام جنة وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب فإن سابه أحد او قاتله فليقل إني امرؤ صائم ) رواه البخاري , وما لم يحقق الإنسان من صيامه هذا الجانب فلا حاجه لله أن يدع طعامه وشرابه ،ورب صائم ليس له من صيامه إلا الظمأ و الجوع ،قال النبي صلى الله عليه وسلم : (من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه) رواه البخاري ؛ ولأن شهر رمضان شهر تفتح فيه أبواب الجنة وتغلق أبواب النار وتصفد الشياطين وفيه تكثر الصدقات والأعمال الصالحة من صيام وقيام وذكر وتلاوة للقرآن ودعاء واعتكاف واستغفار وتوبة ،فضلاً عما يصاحب عبادات الجوارح هذه من عبادات قلبية كالصبر والإنابة والتواضع وغيرها فإنه ما ينتهي شهر رمضان إلا وقد امتلأ قلب المسلم نوراً وإيماناً وتقوى إذا ما أتي بالصيام على صورته الصحيحة الكاملة التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم .

 

س5/ في حديث عبدالله بن عمر عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله يحب أن تؤتى رخصه ، كما يكره أن تؤتى معصيته) حديث صحيح ؛ فكيف تؤتى رخص رمضان في ظل التسهيلات الحالية من سفر وغيره ؟

لعل الحديث هنا يكون عن السفر تحديداً ،في ظل ما يثيره البعض من أن السفر الآن غير السفر في الماضي فلم يعد سيراً على الأقدام ولا ركوباً للجمال ولا قطعاً للفيافي وإنما بوسائل مريحة مكيفة سريعة فلا مبرر لرخصة الفطر المترتبة على السفر .

لكن الصواب كما يقول الفقهاء: أن هذه صدقة تصدق الله بها علينا فلا يليق بنا أن نرفضها ،كما أن الأحكام الثابتة لا تبطل بالرأي المجرد ، ونصوص الشرع ربطت رخصة الإفطار بأمر ظاهر منضبط وهو السفر ولم تربطه بالمشقة؛ لأنها غير ظاهرة ولا منضبطة , وقد يكون في السفر مشقات عصبية ونفسية غير المشقة البدنية لا تظهر لحظتها للعيان .

وفي فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: (يجوز الفطر للمسافر باتفاق الأمة ،سواءً كان قادراً على الصيام ،أو عاجزاً ،وسواءً شق عليه الصيام أو لم يشق ،بحيث لو كان مسافراً في الظل والماء ومعه من يخدمه ،جاز له الفطر والقصر). [مجموع فتاوى ابن تيمية ج 25/210]

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما اتفق عليه الشيخان: (ليس من البر الصيام في السفر) ، وعن محمد بن كعب قال: (أتيت أنس بن مالك رضي الله عنه في رمضان وهو يريد سفراً وقد رحلت له راحلته ولبس ثياب سفره فدعا بطعام فأكل فقلت له: سنة؟ قال: نعم ،ثم ركب) حديث صحيح ,وغير ذلك من الأحاديث الشريفة والآثار التي تشير إلى تقبل رخصة الإفطار في السفر ولا تشترط المشقة للأخذ بها .

وقد اختلف الفقهاء أيهما أفضل للمسافر: الصوم أم الفطر ؟ وخلاصة قولهم في ذلك أن من خاف على نفسه التشاغل عن القضاء أو الكسل عنه فالأحوط له أن يصوم إذا لم يكن هناك مشقة ،أما إذا كانت هناك مشقة أو كان في جماعة تحتاج إلى خدمة ،أو كان في إفطاره تعليماً للسنة أو غير ذلك من الاعتبارات كان الفطر في حقه أفضل, لكن على وجه العموم أياً كان هذا السفر بمشقة أو غير مشقة؛ فالفطر جائز ولا تسقط الرخصة .

 

س6/ ماهي سنن و واجبات الاعتكاف للرجل , وماهي ضوابطه للنساء ؟

الاعتكاف هو: أن يلزم الإنسان مسجداً من المساجد يقيم فيه طاعة لله عز وجل ،فيشتغل بقراءة القرآن وذكر الله والصلاة وغير ذلك, وليس الاعتكاف كما يفعله بعض الناس من الانشغال بالكلام واللغو الذي لا فائدة منه مدة اعتكافه في المسجد؛ فإن الأصل في الاعتكاف أن يكون الإنسان منقطعاً عن الناس في بيتٍ من بيوت الله لطاعة الله عز وجل ، ومن أهم مقاصده تحري ليلة القدر, والخلوة بالله عز وجل ، والانقطاع عن الناس ما أمكن حتى يتم أنسه بالله عز وجل وذكره ، وإصلاح القلب، ولمّ شعثه بإقبال على الله تبارك وتعالى بكله، والانقطاع التام إلى العبادة الصرفة من صلاة ودعاء وذكر وقراءة قرآن، وحفظ الصيام من كل ما يؤثر عليه من حظوظ النفس والشهوات، والتقلل من المباح من الأمور الدنيوية , وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف في رمضان طلباً لليلة القدر واعتكف أزواجه من بعده .

ويجب في الاعتكاف النية: لحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى ، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه) رواه البخاري، والمكث في المسجد ، كما في قوله تعالى: {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ}وفي هذا تأكيد على أن مكان الاعتكاف هو المسجد ، ودلّ على ذلك أيضاً فعل الرسول صلى الله عليه وسلم ومن بعده أزواجه وصحابته رضوان الله عليهم؛ ففي الحديث عن يونس بن زيد أن نافعاً حدثه عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان ، قال نافع: (وقد أراني عبد الله رضي الله عنه المكان الذي يعتكف فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من المسجد) . رواه مسلم

وللاعتكاف آداب يستحب للمعتكف أن يأخذ بها حتى يكون اعتكافه مقبولاً ،ومنها ما ذكره ابن قدامة في المغنى :

(يستحب للمعتكف التشاغل بالصلاة, وتلاوة القرآن, وبذكر الله تعالى, ونحو ذلك من الطاعات المحضة, ويجتنب مالا يعينه من الأقوال والفعال, ولا يُكثر الكلام؛ لأن من كثر كلامه كثر سقطه وفي الحديث: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) حديث حسن, ويجتنب الجدال والمراء والسباب والفحش؛ فإن ذلك مكروه في غير الاعتكاف ففيه أولى ولا يبطل الاعتكاف بشي من ذلك ولا بأس بالكلام لحاجة ومحادثة غيره, روى الشيخان: (أن صفية زوج النبي صلى الله عليه وسلم جاءت تزوره في اعتكافه في المسجد، في العشر الأواخر من رمضان ، فتحدثت عنده ساعة، ثم قامت تنقلب، فقام النبي صلى الله عليه وسلم معها يقلبها، حتى إذا بلغت باب المسجد عند باب أم سلمة، مر رجلان من الأنصار، فسلما على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم: (على رسلكما ، إنما هي صفية بنت حيي)، فقالا: سبحان الله يا رسول الله وكبُرَ عليهما، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الشيطان يبلغ من الإنسان مبلغ الدم) وفي لفظ : (يجري من الإنسان مجرى الدم)، (وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئاً) وفي لفظ: (شراً) . رواه البخاري ومسلم

أما بالنسبة لاعتكاف النساء: فهو كما يقول الفقهاء جائز, وقد يستحب إذا لم يترتب على ذلك محذور، ولا ترك واجب ،أو إضاعة أهل أو مال وولد؛ وذلك لأنه عبادة وتفرغ للطاعة واشتغال بأنواع القربات ،فهو مشروع للنساء كالرجال، لكن إن حصل بسببه محذور كخلوة بأجنبي, أو ظهور وسفور أمام الرجال, أو اختلاط بالأجانب, أو إضاعة حق الزوج أو إهمال تربية الأولاد, فإن تركه أولى حذراً من إضاعة الواجب للانشغال بالمستحب.

 

س7/ في سورة البقرة أتت هذه الآية : {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} بعد آيات رمضان والصيام , كيف يكون الدعاء في رمضان ؟

وقوع هذه الآية في سياق آيات الصيام يشعر بوجود خصوصية بين الدعاء وشهر رمضان، ويشير إلى مزية الدعاء في هذا الشهر الفضيل؛ فالدعاء وإن كان سنة مشروعة عموماً فإنه في أوقات مخصوصة وأماكن معلومة يكون آكد سنيَّة وأشد طلباً, ومن الأوقات التي يُلتمس فيها الدعاء ويُطلب أيام رمضان ولياليه, وكما يقول المفسرون أنه بعد أن أمر الله تعالى عباده المؤمنين بالصيام في الآيات السابقة:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة183] , التفت إلى خطاب النبي صلى الله عليه وسلم وحده؛ لأنه في مقام تبليغ فقال: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي}، أي: العباد الذين كان الحديث معهم؛ فبعد أن أمرهم الله تعالى بما يجب له عليهم أكرمهم فقال: وإذا سألوا عن حقهم علي فإني قريب منهم أجيب دعوتهم ، وأنه قد يهجس في نفوسهم بعد أن يسمعوا الأمر بالإكمال والتكبير والشكر أن يقولوا : هل لنا جزاء على ذلك ؟ فلذلك قال تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ} للدلالة على أن هذا سيقع في المستقبل .

 

قال بعض أهل العلم: وفي هذه الآية إيماء إلى أن الصائم مرجوَ الإجابة، وإلى أن شهر رمضان مرجوة دعواته، وإلى مشروعية الدعاء عند انتهاء كل يوم من أيام رمضان.

ويُستأنس لهذا بما رواه الإمام أحمد و الترمذي و ابن ماجه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ثلاثة لا تُرد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم) ،وفي الحديث المتفق عليه قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا دخل رمضان فتِّحت أبواب الجنة وغُلِّقت أبواب النار وسلسلت الشياطين)، وهذا الحديث فيه إشارة إلى الحث على الإكثار من فعل الطاعات والقربات، والدعاء منها، وفيه أيضًا إشارة لقبول الدعاء؛ لأن الفتح دليل على الإذن بالدخول والقبول؛ فإنه إذا كانت الغاية من الصيام التقوى، فإن برهان التقوى التوجه إلى الله بالدعاء والإنابة، وانطلاق اللسان بالدعاء؛ وكما قال ابن عطاء الله السكندري في حكمه (متى أطلق لسانك بالطلب؛ فاعلم أنه يريد أن يعطيك ) ؛ فإنه لا ينطلق اللسان بالطلب من العزيز الكريم إلا بعد أن تُحلُّ عنه عقدة الصمت ؛ ولا تحل هذه العقدة إلا بتحقيق التقوى .

ومن الأدعية المأثورة في رمضان، ما جاء عند رؤية هلال رمضان: ( اللهم أهله علينا باليمن والإيمان، والسلامة والإسلام، ربي وربك الله). رواه الإمام أحمد و الترمذي وصححه الألباني

ومنها ما علَّمنا إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دُعينا للإفطار أن ندعوَ للداعي بهذا الدعاء: (أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامكم الأبرار، وصلَّت عليكم الملائكة) رواه أبو داود و أحمد وغيرهما وصححه الألباني, ومنها ما كان يقوله صلى الله عليه وسلم عند فطره: (ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله ) رواه أبو داود وحسنه الألباني, ومنها ما كان يدعو به عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: ( اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن تغفرَ لي ذنوبي ), وباب الدعاء مفتوح في هذا الشهر الكريم؛ فيدعو الإنسان بما تيسر له من الدعاء من خيري الدنيا والآخرة.

 

س8/ قال تعالى في محكم بيانه : {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} هل تحدثتِ لنا عن هذه الآية ؟

في هذه الآية يمدح الله تعالى شهر الصيام من بين سائر الشهور؛ بأن اختاره من بينهن لإنزال القرآن العظيم فيه وكما يقول العلماء: (فإن القرآن نزل جملة واحدة إلى بيت العزة من السماء الدنيا، وكان ذلك في شهر رمضان، في ليلة القدر منه) ، كما قال تعالى : {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر1] , وقال : {إِنَّا أَنْـزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ} [الدخان3] ، ثم نزل بعد مفرقاً وقوله : {هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ}؛ مدح للقرآن الذي أنزله الله هدى لقلوب العباد ممن آمن به وصدقه واتبعه {وَبَيِّنَاتٍ} أي: ودلائل وحجج بينة واضحة جلية لمن فهمها وتدبرها دالة على صحة ما جاء به من الهدى المنافي للضلال، والرشد المخالف للغي، ومفرقا بين الحق والباطل ، والحلال ، والحرام وقوله: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة185] ,هذا إيجاب حتم على من شهد استهلال الشهر أي كان مقيماً في البلد حين دخل شهر رمضان، وهو صحيح في بدنه أن يصوم لا محالة, ونسخت هذه الآية الإباحة المتقدمة لمن كان صحيحاً مقيماً أن يفطر ويفدي بإطعام مسكين عن كل يوم, ولما حتم الصيام أعاد ذكر الرخصة للمريض وللمسافر في الإفطار ، بشرط القضاء فقال:{وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}[البقرة185] معناه: ومن كان به مرض في بدنه يشق عليه الصيام معه ، أو يؤذيه أو كان على سفر أي في حال سفر فله أن يفطر، فإذا أفطر فعليه بعدة ما أفطره في السفر من الأيام ; ولهذا قال: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}[البقرة185] أي: إنما رخص لكم في الفطر في حال المرض وفي السفر، مع تحتمه في حق المقيم الصحيح ، تيسيرا عليكم ورحمة بكم .

ومعنى قوله: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ}[البقرة185] أي: إنما أرخص لكم في الإفطار للمرض والسفر ونحوهما من الأعذار لإرادته بكم اليسر، وإنما أمركم بالقضاء لتكملوا عدة شهركم , وقوله: {وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ}[البقرة185] أي: ولتذكروا الله عند انقضاء عبادتكم, وقوله: {وَلَعَلّكُمْ تَشْكُرُونْ} أي: إذا قمتم بما أمركم الله من طاعته بأداء فرائضه ، وترك محارمه ، وحفظ حدوده ؛ فلعلكم أن تكونوا من الشاكرين بذلك.

 

س9/شهد رمضان في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم تغيير في وقت الإمساك في أول وجوبه, في قوله تعالى : {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} هل لكِ تحدثيننا عن تلك المرحلة في حياة الصحابة ؟

ورد في كتب السنة والتفسير أن الرفث إلى النساء في ليل الصيام قبل أن تنزل هذه الآية كان حراماً، وكان الصحابة رضوان الله عليهم إذا كان الرجل منهم صائما فنام قبل أن يفطر لم يأكل إلى مثلها , (وإن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائماً ,وكان توجه ذلك اليوم فعمل في أرضه, فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال: هل عندكم طعام ؟ قالت: لا, ولكن أنطلق فأطلب لك . فغلبته عينه فنام, وجاءت امرأته قالت: قد نمت فلم ينتصف النهار حتى غشي عليه , فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم , فنزلت فيه هذه الآية : {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةُ الصِّيَامِ الرَفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْْ} إلى: {مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ}[البقرة187]) حديث صحيح ففرحوا بها فرحا شديداً .

فأحل الله مسألتين : المسألة الأولى هي: الرفث إلى النساء في الليل.

والمسألة الثانية قوله الحق: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} أي: كلوا واشربوا إلى الفجر حتى ولو حصل منكم نوم، وهذه رخصة جديدة لكل المسلمين, وقد ترك الحق هذا الترخيص مؤجلاً بعض الشيء لكي يدرك كل مسلم مدى التخفيف؛ لأنه قد سبق له أن تعرض إلى زلة المخالفة، ورفعها الله عنه، ولعل ذلك كان اختباراً للجيل الإِسلامي الأوّل وإعداداً له كي يتقبل أحكام الصوم الثابتة؛ ومن هنا نفهم أن خيانة القوم أنفسهم أنهم كانوا يصيبون أو ينالون من الطعام والشراب وغشيان النساء بعد الرقاد , ثم أحل الله لهم ذلك الطعام والشراب وغشيان النساء إلى طلوع الفجر, وقوله تعالى: {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ}[البقرة187] تشير إلى أن الإنسان لن يقو على الصوم كل الوقت عن شهوة الفرج؛ فكان من رحمة الله وفضله على عباده أن أنزل هذه الرخصة .

والرخص التي يرخص الله لعباده في التكاليف كما يقول أهل الفقه رخصة تأتي مع التشريع، ورخصة تخفيفية تأتي بعد أن يجئ التشريع، لينبه الحق أنه لو لم يفعل ذلك لتعرضتم للخيانة والحرج {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ}, وقوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} فيه إباحة الأكل والشرب، مع ما تقدم من إباحة الجماع في أي الليل شاء الصائم إلى أن يتبين ضياء الصباح من سواد الليل، وعبر عن ذلك بالخيط الأبيض من الخيط الأسود، ورفع اللبس بقوله: {مِنَ الْفَجْرِ} ,كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام البخاري رحمه الله عن سهل بن سعد قال: (أنزلت: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ ولم ينزل (مِنَ الْفَجْرِ)} وكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود، فلا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله بعد ذلك: {مِنَ الْفَجْرِ} فعلموا أنما يعني الليل والنهار". وكان عدي بن حاتم رضي الله عنه يعمد إلى عقالين أحدهما أسود والآخر أبيض، يقول: فجعلتهما تحت وسادتي، قال: فجعلت أنظر إليهما، فلما تبين لي الأبيض من الأسود أمسكت، فلما أصبحت غدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بالذي صنعت، فقال: (إن وسادك إذًا لعريض، إنما ذلك بياض النهار من سواد الليل). حديث صحيح

 

س10/ قال تعالى : {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ *وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ *لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ * سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} , ليلة القدر خصها الله بشهر رمضان وثبت حدوثها بالعشر الآواخر من رمضان , أرواحنا ولهى للحديث عن تلك الليلة وتفاصيل نزولها ؟

ليلة القدر هي من خير الليالي على الإطلاق كما قال عزَّ وجلَّ: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْر} [القدر1] ,وقال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ، فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ*أَمْراً مِّنْ عِندِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} [الدخان1-3] إذاً هي ليلة مباركة؛ لكثرة بركتها وخيرها وهي خير الليالي؛ لأن من قامها إيماناً واحتساباً كان قيامه لها يعادل ألف شهر ليس فيه ليلة قدر وهذا فضل عظيم، ولهذا يقول صلى الله عليه وسلم: (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر الله له ما تقدم من ذنبه) رواه البخاري ومسلم ؛ والمقصود من تشريف الليلة التي كان ابتداء إنزال القرآن فيها ،تشريف آخر للقرآن بتشريف زمان ظهوره تنبيها على أنه تعالى اختار لابتداء إنزاله وقتاً شريفاً مباركاً؛ لأن عظم قدر الفعل يقتضي أن يختار لإيقاعه أفضل الأوقات والأمكنة تنبيها على علو قدره عند الله تعالى, وأخفاها الله تعالى عن عباده ليجدوا في العمل ولا يتكلوا على فضلها ويقصروا في غيرها .

ومعنى ليلة القدر أي: العظيم والشرف، وعظم الشأن من قولك: رجل له قدر ، وقيل: سُميت بذلك لأنها تكسب من أحياها قدراً عظيما لم يكن له قبل ، وترده عظيماً عند الله تعالى ، وقيل: سُميت بذلك؛ لأن كل العمل فيها له قدر وخطر، وقيل: لأنه أنزل فيها كتاباً ذا قدر، على رسول ذي قدر، لأمة ذات قدر، وقيل: لأنه ينزل فيها ملائكة ذات قدر وخطر، وقيل: لأنه قدر فيها الرحمة على المؤمنين، وقيل: لأن الأرض تضيق فيها بالملائكة ، كقوله : {وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ }[الطلاق7] أي ضيق .

وليلة القدر كما دلت الأحاديث تقع في العشر الأواخر من رمضان ،والأرجى في أوتار العشر ، كما قال عليه الصلاة والسلام : (التمسوها في الثالثة والخامسة والسابعة والتاسعة). حديث صحيح

والدعاء فيها مستجاب، ومن قامها فوافقها غفر له ما تقدم من ذنبه؛ ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يجتهد في تحريها ، ويطلبها بالاعتكاف في المسجد لئلا يفوته فضلها العظيم ، وفي الصحيح : ( من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ) كما تقدم.

وأحب الأعمال في هذه الليلة العظيمة أداء الصلوات المكتوبة ،والقيام أي: الصلاة، والدعاء, وقراءة القرآن،واجتناب المحرمات، دقيقها وجليلها, قال سفيان الثوري رحمه الله: (الدعاء في تلك الليلة أحب إليَّ من الصلاة، قال: وإذا كان يقرأ وهو يدعو ويرغب إلى الله في الدعاء والمسألة لعله يوافق) ،قال ابن رجب: (ومراده أي سفيان أن كثرة الدعاء أفضل من الصلاة التي لا يكثر فيها الدعاء، وإن قرأ ودعا كان حسناً) ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتهجد في ليالي رمضان، ويقرأ قراءة مرتلة، لا يمر بآية فيها رحمة إلا سأل، ولا بآية فيها عذاب إلا تعوذ، فيجمع بين الصلاة, والقراءة, والدعاء, والتفكر؛ وهذا أفضل الأعمال وأكملها في ليالي العشر وغيرها، والله أعلم, وقد قال الشعبي في ليلة القدر: ليلها كنهارها, وقال الشافعي في القديم: (أستحب أن يكون اجتهاده في نهارها كاجتهاده في ليلها), وأفضل ما يقوله المسلم فيها من الدعاء: (اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني) ؛ يردده ويكثر منه داخل الصلاة وبين تسليمات القيام وفي سائر ليلها ونهارها؛ فعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: (أرأيتَ إن علمت ليلة القدر،ما أقول فيها؟ قال: قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني) حديث حسن صحيح، وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم: (أعوذ برضاك من سخطك، وعفوك من عقوبتك) ،وبما يسره الله له من الدعاء والذكر.

ومن أهم الوصايا في العشر الأواخر من رمضان التي تلتمس فيها ليلة القدر؛ إتباع هدى النبي صلى الله عليه وسلم كما أخبرت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: (كان صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله). متفق عليه

ومعنى شد مئزره: كناية عن ترك النساء وقيل: أي جد واجتهد في العبادة, وفي قوله: أحيا ليله: قال العلماء: (ما كان النبي صلى الله عليه وسلم ينام في ليالي العشر أبداً) أي أن صلاته تستمر من بعد العشاء يحيي ليله إلى أن يندلج الفجر, وأيقظ أهله: أنه يوقظ من في بيته لشدة إهتمامه بهذه الليلة حتى لا يفوتهم الخير, بلغنا الله وإياكم هذه الليلة الشريفة .

 

س11/ مايسعفكِ به الوقت لقوله في نهاية المطاف ؟

أوصي نفسي وإياكم بأن نعيش رمضان هذا العام وكأنه آخر رمضان في حياتنا ولعله يكون فنحبره ونزينه ونجمله ،ونغتنم كل دقيقة فيه ،وننظر كيف نريده أن يكون ؟ وأن لا ننسى أن كل عبادة من عبادات الجوارح لابد أن تسبقها وتصحبها عبادة قلبية ، فالنية أساس العمل ، والإخلاص شرط القبول ،وعشرون ركعة من القيام أو تزيد بلا خشوع, ولا تفكر, ولا تأمل, وتدبر كيف سيكون حالها عند الله ؟ وإمساك عن الطعام والشراب ثم إفطار على الأغاني والمسلسلات واللهث في الأسواق, وما يصحب ذلك من تجاوزات من البعض ليس بالإمساك الشرعي المراد ؛ وأن نتذكر أن رمضان يعلمنا أهمية الإرادة في حياتنا ،ويعيد بناء ثقتنا في أنفسنا بأنه كما استطعنا أن نمسك عن الطعام والشراب والشهوات وتحملنا ذلك شهراً كاملاً؛ فإننا نستطيع أن نفعل الكثير لأنفسنا ولأمتنا بحول الله وقوته إذا امتلكنا الإرادة الحقة .

وكل عام وأمة الإسلام بألف ألف خير .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

تاريخ المادة: 1/9/1432.

 

 

الزيارات: 164