(حوار) الهجرة .. ذكر للاتعاظ لا للاحتفال..حوار مع د . أحمد ربيع

المجموعة: ملفات موسمية نشر بتاريخ: الإثنين، 11 أيار 2009 كتب بواسطة: wdawah
 
(حوار) الهجرة .. ذكر للاتعاظ لا للاحتفال..حوار مع د . أحمد ربيع
 

ضيف الحوار : د. أحمد ربيع.

أجرت الحوار : شيرين نصر.

الهجرة .. ذكرللاتعاظ لا للاحتفال.

الهجرة .. نقطة انتقال في تاريخ الإسلام، ها نحن نستقبل عام هجري جديد يقبل محملا بما فيه، ونودع عام هجري يمضي بما استودعناه، وهنا نقف متذكرين هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، إنها ذكرى الاعتبار والاتعاظ لا ذكرى الاحتفال والابتداع، وفيها نقف لنستقرئ فصلا من فصول الحياة، ونتعلم دروس يعلمنا إياها رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنها رجعة إلى العقل في زمن طاشت فيه العقول، ووقفة مع الروح في زمن أصبحت فيه المادة هي الروح، وحول هذا الحدث العظيم يحدثنا د. أحمد ربيع عميد كلية الدعوة الإسلامية بجامعة الأزهر الشريف.

         

س1 – في البداية وقبل التطرق إلي الهجرة نود أن نتعرف منكم لماذا كفر أهل مكة بالنبي صلى الله عليه وسلم ، هل هذا شك منهم في صدقة أم أن هناك أمور أخري دعتهم إلي التكذيب بالنبي صلوات الله وسلامة عليه ؟

إن الباحث المدقق يجد أن أهل مكة لم يكفروا بالنبي صلى الله عليه وسلم وبالرسالة الخاتمة التي جاء بها شكاً منهم في صدقة، ولكن كانت هناك أمور أخرى ، منها علي سبيل المثال:

أ- الاستعلاء والتكبر، ويبدو ذلك في موقف أبي جهل الذي عارض الإسلام وعارض النبي صلي الله عليه وسلم مع علمه بصدقه ، ولما سؤل يوما عن سبب كفره بالنبي صلي الله علية وسلم، قال أبي جهل: (تنازعنا نحن وبنو "عبد مناس"، أطعموا فأطعمنا وسقوا فسقينا حتى تحازينا كفرسي رهان، فقالوا منا نبي يوحي إليه واللات والعزة لا نؤمن به أبدا)، ويبدو ذلك أيضا في موقف عُميه ابن أبي السلط - وكان شاعرا يكثر من الشعر في ذكر الآخرة-  وكان يتوهم أنه سيكون النبي فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم كفر، وعلل ذلك في قوله لأبي سفيان ما يمنعني من التصديق به إلا نساء "سقيف" كنت أحدثهن أنني النبي المنتظر ثم يجدونني تابعا لفتى من بني "عبد مناس"، فالملاحظ أن الذي منعه هو كثرة إدعاءاته بأنه سيكون نبيا.

ب- اقتراح نبي خاص، وذلك تبعا لمعتقداتهم وتقاليدهم المتوارثة، فهم كانوا يقترحون أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم من بني "مخزوم" أو من "سقيف" وهذا ما جاء في قول الله تعالي حكاية عنهم "وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ* وَقَالُوا لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ* أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ" ( آية 30-33 صورة الزخرف).

ج- ضعف الإرادة أمام سمو التعاليم، إن تعاليم الإسلام كانت تعني المساواة التي لا يطيقها عظماء قريش وسادتها، ولا يريدون لها تنفيذا؛لأنها ستقلل من شأنهم ووضعهم في المجتمع، ولذلك رفضوا الإسلام رفض شديد ووقفوا أمامه بكل قوة لديهم.

وحدث كل هذا برغم أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يؤمر بالرسالة والدعوة إلى الله، كان لا يكرهه أحد، بل الجميع يثق فيه كما كانوا يلقبونه بالصادق الأمين ثقاً فيه ،ولكن بمجرد أن أعلن النبي صلى الله عليه وسلم عن دعوته وقفت بعض القلوب المنكرة موقف الرفض لأول وهلة مثل موقف أبي لهب حينما اجتمع بهم رسول الله صلى الله علية وسلم على جبل أبي قبيس، وأعلن أنه رسول بعث إليهم، قال أبي لهب "تبا لك ألهذا جمعتنا".

س2 – نريد أن تصف لنا كيف كان حال النبي صلي الله عليه وسلم في مكة قبل أن يؤمر بالهجرة إلي المدينة؟

إن النبي صلى الله عليه وسلم تحمل كثيرا من المشاق في سبيل تبليغ دعوته ولقي من الأذى والعنف الكثير، فقد أوذي بدنياً في جسده، فأم جميل ألقت سلا جذور على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ساجد، وإذاءً نفسياً، ومنه موقف أبي لهب حينما أمر ابنيه بأن يطلقا بنتا رسول الله صلى الله علية وسلم، ولقي إذاءً اقتصادياً تمثل في سلك المقاطعة التي أعلنها أهل مكة ضد النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه، وهو ما يعرف بالحبس في شعب بني هاشم، حتى أكل المسلمون ورق الأشجار، لأنهم لم يجدوا ما يأكلونهم.

فلم سدت كل المنافذ وأغلقت كل الأبواب أمام شمس الدعوة أن تشرق في مكة كان لابد من التفكير في جهة أخرى تشرق فيها شمس الإسلام ويعلو ضياؤها، وكان ذلك في المدينة فجاءت هجرة الرسول صلوات الله وسلامة عليه، من مكة إلي المدينة وكان المدينة أهل كرم وسخاء واستقبلت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحب والورود والغناء.

س3- في رأيكم ماذا تمثل هجر الرسول صلي الله علية وسلم من مكة إلي المدينة؟

تمثل الهجرة حدث هام في تاريخ الإسلام فهي نقطة الانتقال فيه كله فقبل الهجرة لم تكن هناك دولة ،ولم يكن هناك مسجد وبعد الهجرة وجدت المقومات الأساسية لبناء الدولة الإسلامية، هذه المقومات التي تتمثل في الأرض الطاهرة الطيبة التي استقبلت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبشر والترحاب، وفي تلك الجموع المؤمنة التي آخا فيها الإسلام بين الجميع فشَعروا بأنهم نفس واحدة وجسد واحد، وتمثل كذلك في ذلك الدستور الإلهي وهو "القرآن الكريم" فلم يبقي إلا أن ينتقد رئيس الدولة ألا وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي اجتمعت عليه الكلمة بما لم تجتمع لأحد غيرة.

س4- كانت رحلة رسول الله صلي الله علية وسلم ملئيه بالصعاب والمشاق التي تغلب عليها صلوات الله عليه، فبماذا واجة رحلته هذه؟

واجه الرسول رحلته بالثقة في الله واليقين أنه لن يخذله أبدا، والصبر علي البلاء، فالإيمان القوي الذي كان يمتلك قلب النبي صلى الله عليه وسلم بأن الله قادر على حمايته ورعايته، وعلى نجاة من أيدي الأعداء كان هو المحرك الذي يسير صلوات الله وسلامة عليه به، فرحلة الهجرة ذاتها تعني التخطيط الدقيق المنظم، ففيها لاقي النبي صلى الله عليه وسلم من مشقات السفر الأمر الكثير, إنه مع تخطيطه وتجهيزه للرحلة كان يدرك تمام الإدراك ويعلم علم اليقين أنه معه ربه الذي سيحميه، وكان يشعر بمعيته، فقال سبحانه وتعالي "إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ"، (آية 40 سورة التوبة)، فقد حماه الله بالمؤمن والكافر، وحماه بالطيور، والعنكبوت إنها كلها جنود، " وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْبَشَرِ" (آية 31 سورة المدثر) ، فهي تبين لنا أنها لم تكن مجرد سفر من مكة إلي المدينة، وإنما كانت رحلة شاقة جهز لها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلها بشهور، وجاء الله بها على هذا النحو، وكان بإمكانه سبحانه أن يسري برسوله إلي المدينة كما أسرى به إلي بيت المقدس ليلا قبلها بعامين، ولكن جعلها فرصة ؛ لنتعلم من رسول الله صلى الله عليه وسلم دروسًا عظيمة في كيفية التفكير والتخطيط والأخذ بالأسباب التي توصل إلى النجاح.

س5- يوجد العديد من الدروس والعبر أرد الله أن يوضحها لنا من خلال هجرة نبيه، فنود أن نتعرف عليها منكم؟

إن الهجرة ملئيه بالدروس والعبر التي يجب أن نستفيد بها في حياتنا كي نتعرف على مواجه الصعاب، وتعلم الصبر على البلاء والأخذ بالأسباب، ومنها:

1- التضحية:

التضحية بالنفس،والأهل، والمال، والوطن، التضحية بالنفس: مثل تضحية علي بن أبي طالب حينما نام في فراش النبي صلي الله عليه وسلم وقد كان عرضة للموت والقتل.

التضحية بالمال: مثلما حدث مع صهيب بن سنان الرومي حينما خرج مهاجراً في سبيل الله فلم يتركه أعداء الله وخرجوا إليه ليقتلوه فلما أشرفوا عليه، قال لهم ، قد تعلمون أني من أرماكم رجلاً و والله لا تصلون إلي إلا أن يموت منكم من شاء الله  أن يموت، قالوا: له قد جاءتنا صعلوكاً لا مال لك فترك مالك وانهض، فعلم أنهم يريدون المال فقال: لهم مالي قد خلفته بمكة فلو أعطيتكم إياه تتركوني أهاجر، قالوا نعم، قال: مالي في مكان كذا وأعطاهم أمارة، فأخذوا المال، فنزلت الآية الكريمة {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ} (207) سورة البقرة، فلم قدم المدينة قال له النبي صلى الله عليه وسلم ربح البيع أبي يحيي ربح البيع.

والتضحية بالأهل : كما حدث مع أبي سلمه وأم سلمه حينما خرجوا مهاجرين وكان هو من بني مخزوم وهي من بني المغيرة، فقال له بني المغيرة هذه نفسك قد غلبتنا عليها أرأيت صاحبتك هذه علما نتركك تسير بها إلي البلاد، تقول أم سلمه: فنزعوا خطام البعير من يده وأخذوني منه، قالت: فغضب من ذلك بنو عبد الأسد فقالوا :لا و لا نترك ابننا عندها إذا نزعتموها من صاحبنا، قالت: فتجاذبوا بابني سلمه بينهم حتى خلعوا يده، وانطلق به بنوا عبد الأسد، وأخذني قومي، وانطلق أبو سلمه إلى المدينة مهاجراً، وترك أهله.

2- التخطيط والتنظيم، وكانت الهجرة عمل جماعي شارك فيه الرجل والمرأة والطفل والحر والعبد والمسلم والمشرك، وكان لقاء القيادة مع القاعدة، ووجد فيه الاختيار، ومن ثم كانت الهجرة تخطيط للنصر وتذليل للعقبات.

1- التوكل على الله، والأخذ بالأسباب والنتيجة على ذلك ملحوظة قصة الحمام والعنكبوت لم أجد لها أثر في الهجرة النبوية.

4- الأمل في الله عز وجل وأن النصر آت لا محالة، قصة سراقة بن مالك مع النبي صلى الله عليه وسلم، والتربية للصحابة حيث كانت تربية لهم فيها كل معاني التربية من صبر وثبات.

 

س6 – ما هي العلامات البارزة التي وضعها الرسول صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة؟

من المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم قام بعد الهجرة مباشرة بإرساء الأسس التي قامت عليها الدولة، هذه الأسس تتمثل في المسجد، وفي المؤاخاة، وفي الوثيقة التي كتبها النبي صلوات الله وسلامه عليه لليهود، فجاء المسجد العنوان على علاقة الأمة بربها وخالقها ,ومع أن هذا المسجد كان مسجداً متواضعاً في بنائه وكان صغيراً في حجمه في بداية أمرة إلا أنه كان مصدر النور وشعلة اليقظة التي حركت الكوامن في نفوس البشر فخرج هذا المسجد للبشرية مؤدبي الجبابرة وملوك الدار الآخرة، أما المؤاخاة فقد عجزت جميع الأنظمة قديما وحديثا أن تفعل مثل ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما أقر المسلمون جميعا بالمؤاخاة فيما بينهم، فهي التي كانت تتقدم على إرادة النسب ووصل فيها حد الإيثار حدود لم تعرفها البشرية من قبل وكذلك، وصلت عفة المؤمنين عن أموال إخوانهم حد لا نظير له.

وأيضاً ، وثيقة المدينة هي أشبة بالدستور الذي جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم لتنظيم العلاقة بين أفراد الأمة بعضهم البعض، وبينهم وبين غيرهم من الأمم الأخرى، وإقامة الدولة في المدينة وانطلق شعاعها إلى كل مكان في الأرض.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تاريخ المادة: 16/5/1430.

 

الزيارات: 148