داعيةٌ في كلِّ مكان

المجموعة: فقه الدعوة نشر بتاريخ: الأربعاء، 23 آذار/مارس 2016 كتب بواسطة: wdawah
 
[ داعيةٌ في كلِّ مكان ]
الكاتب:
 

الشيخ : محمد الدويش.

 

السؤال :

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، أرجو من حضرتكم التفضُّل بذكر خطواتٍ تبيِّن كيفيَّة التعرُّف إلى الناس والتعامل معهم؛ تمهيداً لدعوتهم، لتوضيح سؤالي: مثلاً داعيةٌ يجلس في التاكسي أو على مدرَّجات الجامعة أو في حديقةٍ عامَّة، وغير ذلك من الأماكن، وإلى جانبه شخص، فكيف يفتح معه باب الحوار حتى يتمكَّن من دعوته؟ وبعد التعارف، ما الطريقة المثلى لكسب قلوب الآخرين واستمالتهم إلى هذا الدين العظيم؟ وجزاكم الله كل خير.

المستشار : الأستاذ محمود إسماعيل.

الرد  :

" بداية، سؤالك يؤكِّد أنَّنا أمام قيمةٍ لابدَّ من الإشارة إليها، وما لفت انتباهي قبل طبيعة السؤال هي البيانات الخاصَّة بالسائلة، والتي تؤكِّد على قيمةٍ أخرى، وهي أنَّنا أمام داعيةٍ تحت سنِّ العشرين، والعجيب في هذه الأمَّة أنَّه كلَّما مرَّ بها كمٌّ من الهزائم والإحباطات، فإنَّه سرعان ما تبدو في الأفق بارقة أملٍ تعيد إليها الحياة، وتبثُّ في عروقها وقلوبها نبضاً لا ينقطع، وكأنَّ الله لا يريد إلا الخير والعزَّة لهذه الأمة.

وهذا السؤال قد أعاد إلى نفسي تداعيات الأمل الذي يغيب ويريد الله له أن يعود، بل فرض عليَّ مجموعةً من التساؤلات، وهي:

1- أليست هذه الفتاة مثل كلِّ الفتيات اللواتي تحت العشرين؟!

2– كم من فتاةٍ تعتاد (وسائل المواصلات– المدرَّجات– الحدائق) دون أن يتحرَّك بداخلها هدفٌ معيَّن؟!

3– لأيِّ هدفٍ تريد تلك الفتيات التعرُّف على الناس؟

4– لأيِّ هدفٍ تريد تلك الفتيات فتح حوارٍ مع الغير؟

5- من أجل مَنْ تريد بعض الفتيات كسب القلوب؟

لكنَّ الجميل هنا أنَّنا أمام فتاةٍ من نوعٍ خاصّ، أجابت عن كلِّ التساؤلات بسؤالها.

إنَّها تريد كسب القلوب لاستمالة الناس إلى هذا الدين العظيم، وأن تتعرَّف على الناس وتفتح حواراً معهم تمهيداً لدعوتهم.

كما أنَّها تريد استثمار (وسائل المواصلات- المدرجات- الحدائق) في الدعوة إلى هذا الدين العظيم والإفادة من هذه الفرصة، وهذا كله تحت أساسٍ علميٍّ سليمٍ يتَّفق مع الإسلام.

وهذه الفتاة وسؤالها وأمثالها هي خير مثالٍ لهذه الأُمَّة وإلى المشكِّكين في قدرتها.

وإليك أيتُّها الفتاة الداعية بعض المبادئ الهامَّة التي تعينك على ما طلبت إن شاء الله تعالى، مع مراجعة الاستشارات التي تُعنَى بنفس الموضوع في نهاية الإجابة:

1– بداية، أخلصي النيَّة لله عزَّ وجلَّ في عملك ودعوتك تؤجري الخير العظيم، وحتى يمكنك التغلُّب على الصعاب التي تعترض طريقك إلى الدعوة.

2- تخيَّري الوقت المناسب للدعوة، فليست كلُّ الأوقات مثل بعضها، وليست كل الأوقات مناسبةً لدعوة الغير، وقد أعجبني بالفعل التصرُّف الذكيُّ للصحابيِّ عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عندما همَّ أن يدعو رجلا، ولمَّا وجده يحمل شيئاً على ظهره، قال: لستَ في مقام من يُدعَى!!، ثم اكتفى بإلقاء السلام عليه.

3- استخدمي الكلمات التي تناسب من تدعينه إلى الله تعالى، خاصَّةً أنَّ لكلِّ إنسانٍ عقليَّته وأسلوبه وطريقة تفكيره، وهذه الوسيلة هامَّةٌ للغاية؛ لذلك وضع عليٌّ رضي الله عنه هذه الوسيلة في أسمى معانيها بقوله: "أُمِرت أن أخاطب الناس على قدر عقولهم".

4- لا تبدئي بالحديث مع من تدعينه إلا بالقدر الذي تشعرين بأنَّه يسمح لك به، ثمَّ تدرَّجي بعد ذلك على حسب ما تسمح به الظروف والأحوال.

5- من المهمِّ للغاية ألا تقولي كلَّ شيءٍ في الجلسة أو الموقف الدعويّ، فالأهمُّ أن تتركي جزءاً يشوِّق الغير فيما بعد.

6- استثمري المواقف العفويَّة غير المعدِّ لها في دعوتك؛ لأنَّ لها تأثيراً إيجابيًّا منقطع النظير، وابتعدي عن المواقف المتصنَّعة؛ لأنَّ كثيراً من جهد الدعوة يضيع هباءً بسبب إحساس الغير بنوعٍ من التسلُّط عليه.

7- تجنَّبي أن تفرضي نفسك بطريقةٍ تجعل الآخرين ينفرون من دعوتك، ويضيقون ذرعاً من طريقتك؛ لأنَّ العبرة في أن ينجذب الغير إلى دعوتك.

8– لا تلحِّي على الغير، فكثيراً ما يؤدِّي الإلحاح إلى نتائج عكسيَّةٍ غير متوقعة.

9- اهتمِّي بمن تدعينه بشكلٍ معقول، وتجنَّبي الاهتمام الزائد عن الحدّ؛ لأنَّ ذلك يجعل الغير يثق في نفسه أكثر من اللازم، وبالتالي يصعِّب عليك مهمَّة إقناعه بعد ذلك.

10- ليس بالضرورة أن نرى القناعة على وجوه كل من ندعوهم؛ لأن بعضهم يظهر عدم قناعته أمامك، لكنه يؤمن بكل ما تقولين.

11- الاقتصار على وسيلةٍ واحدةٍ في الدعوة يجلبُ الملل، ويولِّد نوعاً من اللامبالاة عند الطرف الآخر، ويضيع وقت الدعوة والداعية، من أجل ذلك ينبغي أن تُستخدَم وسائل متنوِّعةٌ في الدعوة.

12- لا تُشعري الغير بأنَّك مسؤولةٌ عنه، وإيَّاك أن تحقِّري من تصرُّفات الآخرين، فقط تدرَّجي في النهي عن المنكر؛ لأنَّه غالباً ما تصبح العواقب غير مأمونةٍ عندما نصطدم مع الناس في أفكارهم أو معتقداتهم.

13- استفيدي من أيِّ ثمرةٍ تدنو لك في مواقفك الدعويَّة؛ لتكون دافعاً لنشاطٍ وهمَّةٍ أكبر، فتجني كثيراً من الثمار بعد مشيئة الله تعالى.

14- تذكَّري أنَّه ليس بالضرورة أن نحصل على نتيجةٍ فوريَّة؛ لأنَّ الموضوع ليس موضوع أنَّنا تعبنا من أجل الدعوة، أو أنَّنا أخلصنا لله بالفعل في هذا الموقف ونريد الثمرة، بل الموضوع أنَّنا نأخذ فقط بالأسباب، أمَّا النتائج فعلى الله وحده، فإنَّ الدعوة إلى الله ما دامت عزيزةً في مطلبها ووسائلها، فإنَّ ثمرتها كذلك، فلا تستعجلي ثمارها؛ لأنَّها تؤتي أُكُلَها فقط بإذن ربها، واعلمي أنَّ ضياع ثمرة الدعوة محال؛ لأنَّها لو ضاعت بين العباد في أحوالهم وردود أفعالهم، فلن تضيع عند الله في ثوابها وسُمُوِّها، ولكنَّ هذا لا يعني ألا نعيد النظر في طريقتنا مرَّاتٍ ومرَّات، إذ ربَّما العيب في وسيلتنا نحن لا فيمن ندعو.

فقط نقول لك: هنيئاً لك ولأمثالك، ووفَّقك الله، ولا تنسينا من الدعاء"

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تاريخ المادة: 13/6/1437.

 
الزيارات: 575