أمي .. أميرة ٱلحب والمشاعر

المجموعة: الأسرة والمجتمع نشر بتاريخ: السبت، 13 كانون1/ديسمبر 2014 كتب بواسطة: الأدمن الرئيسي

بقلم/ د.خالد بن سعود الحليبي
نعم الله عليَّ أجلُّ من أحصيها، ويكفي أنني ولدت بين مؤمنين، والحقُّ أنَّ من أجل تلك النعم، أنني ابنُ أمٍّ لا كالأمهات ..


لقد نشأت بين أبوين كل منهما أب وأم، حنانا وحزما، وهذا ما لم أره عند كثيرين ممن قرأت سيرهم، وتأثرت بهم، وإذا كان ٱلموقف ٱليوم لأمي دون أبي، فإني ظللت نحو ثلاثين عاما عاجزا عن ٱلكتابة عنها سطرا واحدا، أو بيتا واحدا، فهل تراني أجرؤ الآن أن أقول إنني استطعت ذلك، لا وٱلذي نفسي بيده.

لقد قرأت ما قاله ٱلأعلام عن أمهاتهم، فوجدت أمي تجمع شمل عواطفهن ٱلمتأججة حبا وشوقا وشفقة وحنانا، وتقف كل مواقفهن حزما وتربية وتحفيزا، فهل ستستطيع ٱلأوراق ٱلرقيقة أن تحمل جمرات أحاسيسي وحبي ٱلكبير لأمي.

في كل مرة أقرأ ما يكتبه أرباب ٱلأقلام عن سمات ٱلأم ٱلناجحة، فلا أراها تعدو أمي قيد أنملة ..

قال شمس ٱلدين إسلام: "حينما أنحني لأقبل يديكِ، وأسكب دموع ضعفي فوق صدرك، وأستجدي نظرات ٱلرضا من عينيكِ حينها فقط .. أشعر باكتمال رجولتي".

وصدق .. بل إنني لأشعر بظمأ عاطفي شديد؛ لا يطفئه إلا رؤيتي لها؛ لأمتح من عينيها ٱلوضيئتين ما لا يمكن وصفه من ٱلمعاني والمشاعر والرؤى.

نعم لن أسميكِ امرأة، "سأسميك كل شيء"، كما قال محمود درويش؛ لأنك حقا في حياتي كنت كل شئ، ولقد صدق توماس حين قال: "ٱلأمومة هي حجر ٱلزاوية في صرح ٱلسعادة ٱلزوجية"، فأنت أم لزوجتي أكثر من أمها، وأخت لها أكثر من أختها، وصديقة لها أكثر من كل صديقاتها. أحبتك وأحببتها، وأحببتها لحبك لها، كيف وأنت ٱلتي قطفتيها لي من حديقة ٱلفتيات ٱلصالحات.

سأقول كما جان جاك روسو: "لو كان ٱلعالم في كفة.. وأمي في كفة أخرى.. لاخترت أمي".

فالأم كما قال جبران خليل جبران: "الأم هي كل شيء في هذه ٱلحياة، هي ٱلتعزية في ٱلحزن، والرجاء في ٱليأس، والقوة في ٱلضعف، فالذي يفقد أمه، يفقد صدرًا يسند إليه رأسه، ويداً تباركهُ، وعيناً تحرسه "، أدام ٱلله خيمتك ٱلظليلة علي وعلى إخواني، وبارك في حياتك، وجمعني بك في ٱلفردوس ٱلأعلى كما جمعني بك في ٱلدنيا.

أمي ليست ككل ٱلأمهات .. تخرجنا على يديها أساتذة جامعات، وهي تجهل ٱلحرف، وربت فينا جمال ٱلكلمة ٱلشاعرة، وهي لم تقرأ ديوانا، ولا تحفظ بيتا، ونمَّت فينا معاني ٱلرجولة ٱلحقة، وهي ٱلأنثى ٱلرقيقة، وبرهنت أمامنا على أنها ٱلقدوة ٱلمثلى في اكتساب رزقها من عمل يديها، وعرق جبينها، وهي ٱلتي لم تتسنم وظيفة في حياتها. كانت ولا تزال مثالا لبرها بوالديها، مثالا في خلقها مع ٱلأقارب والناس أجمعين، مثالا في حسن تبعلها لزوجها، سكبت في قلوب أولادها بنين وبنات حب ٱلله والتوكل عليه، وحب رسوله صلى ٱلله عليه وسلم، حب نفع ٱلناس. وصنعتنا مع أبي صناعة؛ لم تتكل على أحد سوى ٱلله في متابعة تربيتنا، ولم تأخذ يوما إجازة من مهمتها ٱلكبرى هذه. بل ظلت تبذل وتعطي بلا حدود؛ حتى تعلقت بها قلوبنا، وشدت إليها نفوسنا؛ فلا نرتاح إلا في روضاتها. ولا نستقر إلا على ضفاف شواطئها، ربما خبأنا ما لا نريد أن نزعجها به، فإذا هي تتصل فجأة لتسأل عما خبأنها، وكأنها قد علمت كل ما حدث، بأطياف رؤيا خالجتها، أو دبيب خاطر جرى بين أعراق فؤادها.

أخبئ ٱلدمع عن عينيك محتسبا
    
    
وأقبر ٱلنار في صدري بلا شرر
لكنني ـ وغمام ٱلوهم يسترني
    
    
عن أعين ٱلناس ـ ما لي منك من ستر
رأيت دمعي في عينيك من خبري
    
    
فمن أراك ٱلذي خبأت من خبري
أموت حين أرى جفنيك قد ذبلا
    
    
وفاض حزنك من أجلي فوا كدري
إذا بكيت بكى قلبي وعافيتي
    
    
وثار حزني وماتت بسمة ٱلقمر
وإن تبسمت هل ٱلصبح وانتثرت
    
    
حولي ٱلعناقيد كالأنسام في ٱلسحر
وإن تحدثت فاح ٱلطيب واحتضنت
    
    
رؤاي أفواف ألوان من ٱلزهر

 
اللهم ارض عنها، وأرضها، وأطب حياتها، وأصلح خاتمتها.

الزيارات: 198