معايشة الصالحين . معالم إيمانية

المجموعة: التربية والتعليم نشر بتاريخ: الجمعة، 24 نيسان/أبريل 2015 كتب بواسطة: wdawah
 
" معايشة الصالحين . معالم إيمانية "
 

ما أجمل أن تطالع حياة الطيبين وأجواء المخبتين وسلوك الصالحين .. تلك الروضة الإيمانية التي تمتد إلى جنبات النفس فتملؤها خشوعا وعزيمة ومحبة لتناول صنوف البر كما تتناول اليد أطايب الثمر، فتأثير النفس في النفس ملحوظ لا ينكره إلا معاند، ومصاحبة الكرام تورث التشبه بهم، وهذا من فضل الله تعالى على الناس حيث يجدون منارات تهتدي بها قلوبهم عندما تشتد ظلمة الآثام وتستحكم قيود المعاصي.

عن ابن عباس – رضي الله عنهما- قال: سئل رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: من أولياء اللّه؟ فقال: ((أولياء الله تعالى الذين إذا رؤوا ذكر الله تعالى )
(صحيح الجامع )

قال المناوي: برؤيتهم يعني أن عليهم من اللّه سيما ظاهرة تذكر بذكره، فإن رؤوا ذكر الخير برؤيتهم، وإن حضروا حضر الذكر معهم، وإن نطقوا بالذكر فهم يتقلبون فيه كيفما حلِّوا، فمن كان بين يدي ربه وآخرته، فإنما يفتتح إذا لقيك بذكره، ومن كان أسير نفسه ودنياه، فإنما يفتتح إذا لقيك بدنيا، فكل يحدثك عما يطلع قلبه فتنبه. [فيض القدير]

الرَّبيع بن خُثَيْم بن عائذ، الإمام، القدوة العابد، أبو يزيد الثَّوريّ الكوفيّ أحد الأعلام .. قال له عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: "يا أبا يزيد، لو رآك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأحبك، وما رأيتك إلا ذكرت المخبتين".
وابن مسعود صاحب النبي محمداً -صلى الله عليه وسلم- ثلاثاً وعشرين سنة، هي عصر النبوّة كاملاً، ويعرف ما يحب في الرجال، ومن يحب من الرجال.
من بديع أقوال الربيع رحمه الله:
-
أعدّ زادك وخذ في جهازك وكن وصي ّنفسك.
-
كل ما لا يبتغى به وجه الله عز وجل يضمحل.
-
السرائر السرائر اللاتي يخفين من الناس وهنّ لله بواد، التمسوا دواءهن، وما دواؤهن إلا أن تتوب فلا تعود.
-
الداء الذنوب، والدواء الاستغفار، والشفاء أن تتوب فلا تعود.
-
إذا تكلمت فاذكر سمع الله إليك، وإذا هممت فاذكر علمه بك، وإذا نظرت فاذكر نظره إليك وإذا تفكرت فاذكر اطلاعه عليك، فإنه يقول: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا}

( الإسراء :36)

وقيل له يوما كيف أصبحت يا أبا يزيد؟ قال: أصبحنا ضعفاء مذنبين نأكل أرزاقنا وننتظر آجالنا.
وكان رحمه الله إذا أصبح قال: مرحباً بملائكة الله، اكتبوا، بسم الله الرحمن الرحيم: سبحان الله والحمد الله ولا إله إلا الله والله أكبر.
وسرق له فرس أعطي به عشرون ألفاً، فقالوا له: ادع الله على السارق، فقال: "اللهم إن كان غنياً فاغفر له، وإن كان فقيراً فأغنه".

وأصابه أحدهم بحجر في رأسه فشجّه، فجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول: "اللهم اغفر له فانه لم يتعمدني".
وإذا كان الليل ووجد غفلة الناس خرج إلى المقابر فيقول: "يا أهل المقابر كنا وكنتم" فإذا أصبح كأنه نشر من قبر.
قالت له أمه يوما: يا بني ألا تنام. فقال: يا أماه من جنّ عليه الليل وهو يخاف البيات حُقّ له أن لا ينام. فلما رأت ما بلغ من البكاء والسهر نادته فقالت: يا بني لعلك قتلت قتيلاً؟ فقال: نعم يا والدة. فقالت: ومن هو القتيل فنحمل على أهله فيعفونك، والله لو علموا ما تلقى من البكاء والسهر لرحموك فقال: يا والدتي هي نفسي.

وقام ليلة يصلي فمر بهذه الآية
{أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ } (الجاثية :21) فمكث ليله حتى أصبح ما يجوز هذه الآية إلى غيرها ببكاء شديد.
وكان إذا سجد كأنه ثوب مطروح فتجئ العصافير فتقع عليه.

{إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُون} (الأنفال :34) المفهوم الشرعي لكلمة "ولي الله تعالى" يتجلى واضحا في قوله عز وجل {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿62﴾ الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ }﴿يونس : 62:63﴾ فكل من كان مؤمنا تقيا فهو من أولياء الله تعالى. وليست الولاية محصورة في أشخاص معينين، ولا يشترط لحصولها وقوع الكرامة.
ويؤصل الشوكاني لمفهم الولاية بأصل جامع ماتع، فيقول: "والحاصل أن من كان من المعدودين من الأولياء، إن كان من المؤمنين بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره من الله، مقيما لما أوجب الله عليه، تاركا لما نهاه عنه، مستكثرا من طاعاته، فهو من أولياء الله تعالى، وما ظهر عليه من الكرامات التي لم تخالف الشرع، فهي موهبة من الله عز وجل لا يحل لمسلم أن ينكرها.
ومن كان بعكس هذه الصفات، فليس من أولياء الله سبحانه، وليست ولايته رحمانية، بل شيطانية، وخوارقه من تلبيس الشيطان عليه وعلى الناس.
وليس هذا بغريب ولا مستنكر، فكثير من الناس من يكون مخدوما بخادم من الجن أو بأكثر، فيخدمونه في تحصيل ما يشتهيه وربما كان محرما من المحرمات. والمعيار الذي لا يزيغ، والميزان الذي لا يجور هو ميزان الكتاب والسنة. فمن كان متبعا لهما معتمدا عليهما، فكراماته وجميع أحواله رحمانية، ومن لم يتمسك بهما ولم يقف عند حدودهما فأحواله شيطانية". [قطر الولي للشوكاني ص 272].

وقال ابن تيمية في مجموع الفتاوى: "وليس من شرط ولي الله أن يكون معصوما لا يغلط ولا يخطئ؛ بل يجوز أن يخفى عليه بعض علم الشريعة، ويجوز أن يشتبه عليه بعض أمور الدين حتى يحسب بعض الأمور مما أمر الله به ومما نهى الله عنه، ويجوز أن يظن في بعض الخوارق أنها من كرامات أولياء الله تعالى، وتكون من الشيطان لبسها عليه لنقص درجته، ولا يعرف أنها من الشيطان .. وإن لم يخرج بذلك عن ولاية الله تعالى؛ فإن الله سبحانه وتعالى تجاوز لهذه الأمة

تاريخ المادة: 3/6/1436.

 

 

الزيارات: 311