عودة إلى ينابيع الهدى

المجموعة: التربية والتعليم نشر بتاريخ: الثلاثاء، 01 آذار/مارس 2016 كتب بواسطة: wdawah
 
[ عودة إلى ينابيع الهدى ]
 


كتبه :
د.فتحي أبو الورد.

 

رحم الله أياما كان أبناء الإسلام والدعوة يتربون فيها على الصلوات في جماعة ، وصلاة الفجر ، وبر الوالدين ، واحترام الكبير ، والغيرة على الإسلام ودعوته ، وقيام الليل ، وصلاة الضحى والوتر ، وقراءة كتب الرقائق ، والعيش مع إحياء علوم الدين في العبادات والعادات ، والمنجيات والمهلكات ، ومختصر منهاج القاصدين ، وتزكية الأنفس .

 

فارق كبير بين أجيال وأجيال ، أجيال تستقبل الحياة المجتمعية والدعوية بالحرص على حلقات القرآن الكريم ، ومجالس الذكر ، ومعايشة رياض الصالحين ، ومعرفة فضائل الأعمال لتطبيقها ، وصيام الاثنين والخميس ، وزيارة المقابر ، ومجالس العلم حيث يوزع ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعيادة المرضى ، وزيارة العلماء ، وتعهد الفقراء ، وإكرام الأيتام ، والانغماس في حب الخير .

 

فارق كبير بين هذه الأجيال ، وأجيال كان أول احتكاكها بالمجتمع والدعوة الاطلاع على وسائل الغزو الفكري ، والاتجاهات الفكرية المعاصرة ، والماسونية والصهيونية والعلمانية والعمل السياسي ، ولا أنكر أن تقف أجيال الدعاة على ذلك ؛ فهذه لوازم لا بد منها، فقط ما أعيبه هو أن يكون هذا هو المعلم الأساسي للشخصية المسلمة في التشكيل والتوجيه والاهتمام .

 

محروم من لم يحفظ أذكار الصباح والمساء ، وأوراد اليوم والليلة، وأكثر حرمانا منه من حفظها ، ولم يحيا بها ، ولم يرددها صباحا ومساء ،محروم من لا يعرف قراءة القرآن ، وأكثر حرمانا منه الذى يعرف كيف يقرأه ثم هو يهجره ولا يقرأه .

 

في دار الأرقم بن أبى الأرقم وبدايات اللحاق بالدين الجديد وركب الدعوة كان الصحابة يتلقون التعاليم ، ويعايشون هدى الوحى ، ويتابعون جديد أحداث الدعوة الوليدة ، في حب وشغف ، وسرية وخوف من أعين المشركين ، وكلهم إقبال على الله ، وسعادة بالتمسك بهذا النور الذى أضاء قلوبهم وأنار حياتهم .

 

عكفوا على القليل الذى نزل من القرآن الكريم في بداية المرحلة المكية يقرؤون ويحفظون ويتدبرون ويعملون بما علموا ، حتى قال قائلهم : فتعلمنا القرآن والعلم والعمل .

 

وكان القرآن الكريم هو وحده مصدر التلقي ، وعلى هديه ومأدبته كان التكوين والتشكيل والصياغة الإسلامية لجيل الصحابة ، الجيل القرآني الفريد .

 

كما كان سلوك النبي الأمين صلى الله عليه وسلم هو الموجه والمؤثر العملي في التربية والأخلاق ولم تكن هناك أية مؤثرات أخرى شوشت صناعة الرجال الذين شهد لهم العالم بأنهم نماذج فذة ، لم تر البشرية مثلها.

 

اختلطت مصادر التلقي اليوم ، واضطربت موازين الاهتمام ، لدى أبناء الدعوة المعاصرين ، وشكل القرآن الكريم والسنة النبوية قدرا ضئيلا في صدارة التوجيه ، وتشكلت أجيال صنعتها ثقافة الهواتف الذكية ، وصاغتها حوارات الفيس بوك والتويتر ، وسائر وسائل التواصل الاجتماعي ، التي أهدرت في كثير من تجاربها الأوقات ، وهدمت في كثير من مادتها القيم ، وخرجت متدربين في الجدل، وخبراء في السفسطائية ، ووفرت مادة خصبة لمستخدميها من مفردات والابتذال ، وحدة الألسن، وغلظة المشاعر ، وفى الوقت ذاته أثمرت خواء في النفوس ، وجدبا في العواطف ، وفقرا في الأحاسيس ، إلا من تعامل معها بقدرها ، ونجا من مثاليها .

هذه الظواهر السلبية التي ظهرت في حياة الدعاة وأبناء الدعوة جراء ضعف الأخذ عن مصدر التلقي الأول القرآن الكريم ، وجراء تراجع السنة عن منصة التوجيه في حياتنا ومجتمعاتنا ، تقتضى التوازن في مصادر التلقي بحيث لا تطغى النوافل على الفرائض ، ولا تزاحم الفضائل الفرائض ، ولا يقدم التابع على المتبوع ، ولا نبرز الفروع ونخفى الأصول .

كما تقتضى التوازن بين العلم والعمل، والتوازن بين الاطلاع والإفادة . كما تستلزم التخفف من كل ما يضيع الأوقات ، ويعمل على اضطراب المفاهيم ، ويشوش وضوح الأفكار ، ويضعف المشاعر ، ويجمد العواطف ، ويخلق ثقافة الجدل لا العمل .

كما تقتضى العودة إلى الينابيع الصافية لنغرف منها بالقدر الذى يشبع نهمنا ، ويروى ظمأنا ، وينقى الشوائب من قلوبنا ، ويصفى الدخيل في ثقافتنا .

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تاريخ المادة: 21/5/1437.

 

 

الزيارات: 275