وقفات جلية مع بداية السنة الهجرية

المجموعة: بداية العام الهجري نشر بتاريخ: السبت، 19 كانون1/ديسمبر 2009 كتب بواسطة: wdawah
 
وقفات جلية مع بداية السنة الهجرية
 
 

بقلم/ أ. عبد الله بن راضي المعيدي.

المدرس بالمعهد العلمي بحائل،والمستشار التربوي في برنامج التنمية الأسرية، والمشرف العام على شبكة همة المسلم.

******            ********            ******

إن الحديث عن عام مضى هو حديث ذو شجون، فأنت تتحدث عن أيام مضت، وشهور أنقضت،وعام كان ثم بان ..!!

هو حديث لحظات وساعات، ودقائق وثوان، حديث عن سعادة وحزن ،وهم وفرح، وبكاء وضحك، وفوق ذلك هو حديث عن ذنوبٍ كتبت ؟! وأعمال فعلت,ولكن الأمر العظيم أنك لا تدري هل قبلت الأعمال ؟ وهل غفرت الذنوب ؟ أم لا ؛ فلا إله إلا الله على أي حال نحن ؟

تمرّ الأعوام ، وتنقضي الأيام ، وتغرب الشمس كل يوم ، والأمّةُ الإسلاميّة حُبلى بالمشكلاتِ،وثَكلى بالفِتن والمغرِيات .

في استقبالِ عامٍ وتوديعٍ آخر تأمّلاتٌ للمتأمِّلين، ومواطِنُ تدبّر للمتدبِّرين، فأي عام مضى ؟ وأي عام قادم ؟ ـ نسأل أن يلطف بنا ـ فدعونا يا رعاكن الله نقف وإياكن مع ما مضى، ومع ما هو قادم بعض الوقفات :

 

الوقفة الأولى : الحدث العظيم :

إنَّ بدايةَ كلِّ عامٍ هجريّ يذكِّرنا بحدثٍ عظيم ، حدث غيَّر مجرَى التاريخ ، حدَث غيَّر فسادَ البشريّة إلى صلاح ،وشقاءَها إلى سعادة ، حدَث سعدت به البشريّةُ كلُّها، وصلحت به الأحوال جميعُها .

إنّه حدَث الهجرَة المحمديّة ـ على مهاجِرِها أفضل الصلاة والسلام ـ حدَث جعله الله طريقًا للنّصر والعِزّة ،ورَفعِ رايةِ الإسلام ،وتشييدِ دولتِه, وإقامة صرحِ حضارته .

ومن هنا فعلى الأمة ,وهي تستقبل عاماً جديداً أن تتذكر تلك الرحلة الميمونة ، والهجرة المباركة، وأن تعلَمَ وتتعلم منها أنّ صلاحَها وسَعادتها، وعِزَّها ومجدها، مرهونٌ بمِثل هذا الحدَث، وما تضمَّنه من مضامينَ خيِّرة، ومعالم واضِحة، مَرهونٌ بالتّمسّك بالإسلام،والالتزام بحقائِقِ الإيمان، والاعتصامِ بحبلِ الرحمن، فلن تحَقِّقَ الأمّة قوّةً ،ولن تحصِّل عِزّة ، ولن تبلُغَ مكانة مرموقةً حتى يتحقَّق في واقعها، وفي واقع حياتها العملُ الكامل الشامل بالإسلامِ ، عقيدةً وشريعة ،عِلمًا وعملاً،سلوكًا وتحرُّكًا ، حُكمًا وتحاكمًا .

إنَّ أمّةَ الإسلام لن تنجوَ من مصائبها وآلامها، ولن تتغيَّر أحوالها ، وتحقِّقَ آمالها .، ولن تبلغَ مجدَها التليدَ ، وعِزَّها المستَلَب ، وديارها المغتَصَبة، وحقوقَها المنتَهَكة حتى يتحقَّق الإسلام في حياتها واقعًا عمليًّا محسوسًا،ومُشاهدًا مَلموسًا في كلِّ نواحي الحياة ، قال تعالى:{ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى }.[طه:123]

فيا قادة المسلمين،ويا علماءها، يا دعاةَ الإسلام ، يا مفكِّري المسلمين، يا رجالَ التربية والتعليم والإعلام ، يا حملةَ الأقلامِ ؛ فإن المسؤوليّةُ عظيمة ، المسؤوليّة أمامَ الله جل وعلا عظيمة، فليؤدِّ كلٌّ أمانتَه ، وليَقُم بواجبه، قبل فوات الأوانِ ، وقبل العَرض على الواحد الدّيّان .

 

الوقفة الثانية :

قال تعالى :{ إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كتاب ٱللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ ٱلسَّمٰوٰت وَٱلأرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذٰلِكَ ٱلدّينُ ٱلْقَيّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ }[التوبة:36] ،والأشهر الحرم هي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ثم رجب شهر الله، رجب الفرد ؛ فهذه الأربعة الحرم ثلاثة سرد وواحد فرد.

هذا هو تاريخ هذه الأمة، التاريخ الهجري هو من هوية الأمة الإسلامية،ولهذا فقد ذكر أهل الأخبار أنَّ المسلمين لم يكونوا يعملون بالتاريخ السنوي في أوَّل الأمر حتَّى كانت خلافة عمر بن الخطاب، فإنَّه جمع الناس فاستشارهم، فقال بعضهم: أرِّخوا كما تؤرِّخ الفرس بملوكها، كلَّما هلك ملك أرَّخوا بولاية من بعده ، فكرِه الصحابة هذا الرأي، وقال آخرون: أرِّخوا بتاريخ الروم ، فكرهوا ذلك أيضًا، فقال بعضهم: أرِّخوا من مولد النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، وقال آخرون: بل من مبعثه ،وقال آخرون: بل من مهاجره ، فقال عمر وكان ملهمًا: " الهجرة فرَّقت بين الحقِّ والباطل، فأرِّخوا بها " .

واليومَ – وللأسف - نرى معظم الأمَّة الإسلاميَّة قد عدلت عن التأرّخ بالتاريخ الإسلامي الهجريّ القمري إلى التأريخ بتاريخ النصارى الميلادي الشمسيّ الجريجوري [ نسبةً إلى البابا جريجوري!! ] وهو تاريخ كما لا يخفى على المسلمين بأنه لا يَمتُّ إلى ديننا بصلة  ، وإذا كان لبعض الناس شبهةٌ من العذر حين استعمَر النصارى بلادَهم, وأرغموهم على أن يتناسَوا تاريخهم الإسلامي الهجري، فليس لهم الآن أيُّ عذر في البقاء على تاريخ النصارى الميلادي .

ولهذا فتأمل في دلالة قوله تعالى في الآية السابقة :{ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّم }[التوبة:36] أي : هذا هو الشرع المستقيم .

فالعجب من أمَّة الإسلام تترك هذا الشرع القويم في باب التاريخ،وهذه أمَّة اليهود لا تزال تؤرِّخ بتاريخها منذ أزيدَ من خمسة آلاف سنة، وهذه النصارى لا تؤرِّخ إلا بتاريخها منذ ألفَي عام ، مع ما في تاريخهم من اختلالٍ علمي وديني ، فمن المؤسف حقًّا ومن المحزن المخزي ما صارت إليه هذه الأمَّة في مجموعها إلاَّ قليلا منهم من التوقيت بتاريخ النصارى الميلاديّ بدلاً من تاريخهم الإسلاميّ الهجري الذي اتّفقت عليه كلمة السلف .

 

الوقفة الثالثة :

إن الذي جعل لنا من الأشهر أربعة حرماً ، نهانا أن نظلم فيهن أنفسنا بقوله: { مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذٰلِكَ ٱلدّينُ ٱلْقَيّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ }[التوبة:36]، فعلينا أن ننظر إلى تقصيرنا، وأن نعزم عزماً أكيداً على ما نستقبله من أيام حياتنا أن نحسن ما أسأنا فيه، وأن نأخذ بالعزيمة الصادقة مع الله تعالى على أن يكون عامنا الجديد خيراً من العام الماضي، وأن نتمسك بشريعة ربنا ، وهدي رسولنا صلى الله عليه وسلم ، يقول الغزالي يرحمه الله : " اعلم أن العبد كما ينبغي أن يكون له وقت في أول النهار يحاسب فيه نفسه على سبيل التوصية في الحق فينبغي أن يكون له في آخر النهار ساعة يطالب فيها نفسه ويحاسبها على جميع حركاتها وسكناتها، كما يعمل التجار في الدنيا مع الشركاء في آخر كل سنة أو شهر أو يوم حرصًا منهم على الدنيا؛ فكيف لا يحاسب العاقل نفسه فيما يتعلق به خطر الشقاوة والسعادة أبد الآباد".اهـ 

إنّ المحاسبةَ التي لا يتعدّى أثرُها دمعَ العين وحزنَ القلبِ، دونَ صلاحٍ وإصلاح، هي محاسبةٌ ميّتة،ونتيجة قاصرة.

إن المحاسبةُ المثمِرة هي تلك التي تولّد ندمًا على المعصية ،وتحوُّلاً إلى الخير.

أخيراً .. وأنتِ ترين زوالَ الأيام ، وذهاب الأعمار ، ذكِّري نفسَكِ بحقيقة الدنيا التي تهفو إليها النفوس ، ذكّريها بأنّ أيامَها ماضية ، وزهرتها ذاوية، وزينتها فانية،مسَرّاتها لا تدوم ، ذكِّريها بالنعيم المقيم في جنّات الخلود ، قال تعالى :{ مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ }.[الرعد:35]

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

تاريخ المادة: 2/1/1431.

 

 

الزيارات: 271