(العودة إلى رمضان)

المجموعة: رمضان
نشر بتاريخ: السبت، 09 حزيران/يونيو 2018
كتب بواسطة: محرر 1

(العودة إلى رمضان)

بقلم : فهد الخالدي 

 

على مشارف وداع شهر الرحمة والمغفرة تتوق النفس لأجواء هذا الشهر الروحانية، الذي يعيش المسلمون لياليه منصرفين إلى عبادة ربهم طالبين عفوه وغفرانه حيث يتسابق من أراد الله لهم المغفرة إلى فعل الخيرات وأداء العبادات في موسم خير تضاعف فيه الحسنات وتمحى فيه السيئات. كما تعود النفس لذكريات هذا الشهر وأخلاقياته التي اعتادت عليها الأجيال، وخاصة صلة الأرحام والمعارف والجيران وما رافق ذلك من عادات تتجلى فيها الأخوة بأجمل معانيها فيتبادل الناس الدعوات لتناول طعام الإفطار أو (الغبوق)، واجتماع الأحباب على هذه الموائد التي يكون الحديث حولها ألذ وأشهى من الطعام على حاجة الناس إليه في رمضان، ثم أستذكر كيف كان الناس يبادرون لتجاوز الأخطاء مجسدين الأخلاق الإسلامية الرفيعة. أستذكر ذلك كله وأنظر بألم إلى ما نحن فيه اليوم من انشغال البعض حتى عن العبادات وضعف الإقبال على ما اعتدنا عليه من التواصل في رمضان إلا من رحم ربي، وفي مقابل ذلك النسبة الأقل التي ما زالت تحافظ على روح رمضان وعادات الآباء والأجداد فيه. كم نحن بحاجة إلى العودة إلى تلك الروح، إلى تلك المجالس، إلى تلك اللقاءات.

 

ولو تذكر كل منا، بل وذكر أبناءه بضيق العيش الذي كان الأجداد يعيشونه خاصة في أيام الصيام حيث لا ماء بارد ولا تعدد أنواع الطعام ولا مكيفات ولا.. ولا.. ومع ذلك فإن الناس يقبلون على الصيام برضا مستبشرين بالرحمة والأجر والثواب، وهم ينتظرون رمضان من العام إلى العام كما ينتظر الفلاح موسم الحصاد بسعادة وسرور. يا الله! كم نحن في نعمة لا يعرف البعض عظمتها لأنهم لم يعيشوا الأيام القاسية التي عاشها من قبلهم. فهل تشهد العشر الأواخر من الشهر مسارعة من فاته التواصل مع أرحامه وجيرانه، وقبل ذلك من فاتته لحظات لم يتواصل فيها مع خالقه أو فاتته عبادة أو طاعة. وهل نصف لأبنائنا الذين يعيشون في فضل من الله ونعمة حال أجدادنا قبلنا وكيف كانوا يصبرون على الحر والجوع والعطش طمعا في مرضات الله ومغفرته، لا سيما وأن في هذه الليالي ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر.

 

ولنتذكر أيضا عادات التواصل أيام العيد والمبادرة إلى زيارة الأرحام والسؤال عنهم، وكذلك حاجة الفقراء والأيتام والمعوزين أيام العيد والفرحة التي من حقهم أن يحيوها كغيرهم من عباد الله، ولنقدم لهم زكاة الفطر والصدقة، أما الأخوة والأخوات والآباء والأمهات فلنعطهم من خالص أموالنا لتزداد المحبة، فالصدقة للأرحام صدقة وصلة. ما زال في أمتنا ومجتمعنا خير كثير وخيرون أكثر ونعم الله على عباده أكثر وأكثر. وكما قال المصطفى صلوات الله وسلامه عليه: «الخير في وفي أمتي إلى يوم الدين».

 

المصدر: صحيفة اليوم

 

(التعاون الأسري يغرس المسؤولية في نفوس الأبناء)

المجموعة: رمضان
نشر بتاريخ: الأحد، 03 حزيران/يونيو 2018
كتب بواسطة: محرر 1

 

(التعاون الأسري يغرس المسؤولية في نفوس الأبناء)

 

رئيس قسم الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة الملك عبد العزيز د. مازن البخاري:

حاوره - حذيفة القرشي

 

 

 

 1- كيف يجب أن يكون حال المسلم في شهر رمضان؟

 الاستعداد لشهر رمضان يكون بمحاسبة النفس على تقصيرها في تحقيق الشهادتين أو التقصير في الواجبات أو التقصير في عدم ترك ما نقع فيه من الشهوات أو الشبهات. فيُقوم العبد سلوكه ليكون في رمضان على درجة عالية من الإيمان. فالإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، كما أنه شهر مغنم وأرباح، فيغتنمه المسلم بالعبادة وكثرة الصلاة وقراءة القرآن والعفو عن الناس والإحسان إلى الغير والتصدق على الفقراء.

 

 2- ما أبرز المقترحات التي تعيد التآلف والمحبة والترابط في المجتمع؟

 أولاً- طبقُ الخير. فكرة مُنتشرة تقوم عليها الجمعيات الخيرية، بأن تُعِد كلُ أسرة -بالتعاون مع جيرانها-عددًا من الأطباق، ويُخصص مكان لتناول الصائمين هذا الطعام.

 وثانيًا- شهر السنة، وهو محاولة جادة من الأسرة، ليكون الشخص الأول في حياتها هو رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

 وثالثًا- وضع جدول للتعاون الأسري، توزع فيه المهامُ على الأبناء على مدار الشهر، بشرط أن تتغير كل أسبوع، ليتربوا على المسؤولية.

 ورابعًا- العُمرة في رمضان والاستفادة من مدة السفر البرِي في الحوار مع الأبناء.

 

 3- ما أبرز العادات والسلوكيات الخاطئة خلال رمضان؟

هناك خمس سلوكيات خاطئة يرتكبها بعض المسلمين في شهر رمضان:

 أولها- تجهيز كميات كبيرة من الطعام تصل لحد الإسراف والتبذير وإلقاء أغلبها في النفايات دون الاستفادة منها، وعدم الإحساس بالفقراء والمحتاجين وهو ما يفقد شهر رمضان روحه وجوهره.

 وثانيها- تغير سلوكيات النوم إما النوم لأوقات طويلة في النهار، أو العكس مثل السهر طوال الليل وهي من السلوكيات الخاطئة التي تتكرر بهذا الشهر الكريم.

 وثالثها- عدم إقامة الصلاة في أوقاتها.

 ورابعها- التعامل بعصبية خلال فترة الصوم.

 وأخيرًا- العادات الغذائية الخاطئة في تناول الطعام وقت الإفطار ووقت السحور، والتي تؤدي في كثير من الحالات لزيادة الوزن.

 

 4- حدثنا عن الهدف الأسمى لرمضان من ترك الطعام والشراب والتزود بالطاعات والتمارين الأخلاقية للمؤمن.

 

 شرع الله الصيام لحكم عظيمة كثيرة منها ما هو معلوم ومنها ما لا يعلمه إلا الله، استوجبت أن يكون فريضة من فرائض الإسلام، وركنًا من أركانه، فكم فيه من المنافع الجمة، وكم له من الآثار المباركة، فالصيام عبادة يتقرب بها العبد إلى ربه، بترك مشتهياته، طاعة لربه وإيثارًا لمحبته، فيقدم ما يحبه خالقه ومولاه على ما تحبه نفسه وتهواه، فيظهر بذلك صدق إيمانه، وكمال عبوديته لله، وخالص محبته له التي تستوجب مجازاة الرب فيما وعد الله به أهل طاعته، من الرحمة والرضوان، والمغفرة والإحسان، والأجر العظيم والنعيم المقيم في الجنان.

 

 5- هناك دور اجتماعي لجامعة الملك عبد العزيز خلال هذا الشهر فما أبرز ملامحه؟

يتمثل الدور الاجتماعي الأبرز لجامعة الملك عبد العزيز في خدمة المجتمع في تنفيذ الجامعة لمشروع "كيف نكون قدوة" الذي أطلقه مدير الجامعة متضمنًا برامج وفعاليات ضمن ملتقى مكة الثقافي تحت شعار "كيف نكون قدوة"، وفي هذا الإطار أطلقت الجامعة 7 برامج رئيسية، وهي برنامج "أنا قدوة بفكري"، وبرنامج "سفراء القيم"، وبرنامج "أنا قدوة بعملي التطوعي"، وبرنامج "المثالية في القيادة المرورية"، وبرنامج "قصة نجاح"، وبرنامج "تلمذة"، وبرنامج "أنا السعودي أنا قدوة"، بالإضافة إلى برنامج "الحي القدوة".

 

 6- دور عظيم للمرأة خلال هذا الشهر في تلبية متطلبات أسرتها، حدثنا عن سماحة الدين في مجازاتها.

 المرأة تصرف معظم وقتها في تلبية متطلبات أسرتها التي تزداد بشكل كبير في رمضان، ونتيجة لذلك قد تضيع عليها فرصة أداء الكثير من العبادات، ومع ذلك فإن من سماحة هذا الدين ويسره، ومن عظيم إحسان الله إلى عباده أن رتب لجميع الأعمال والعادات التي نقوم بها الأجر والمثوبة، وذلك إذا توافر فيها عامل احتساب الأجر والنية فيها، فالأعمال التي تتكرر يوميًا كاعتنائها بزوجها وأطفالها، إذا احتسبت الأجر والثواب في فعلها، واستحضرت النية بأنها تقوم بذلك ليس على سبيل العادة والواجب والإكراه، وإنما طاعة لله ولرسوله -صلى الله عليه وسلم- فإنها تصبح عبادة ويحصل لها الأجر على ذلك -بإذن الله-.

 

 7- ماذا عن المرأة العاملة.. كيف توفق بين العمل والحياة الأسرية في رمضان؟

 المهم أن تتقن المرأة العاملة تنظيم وقتها وتنسيق الأولويات مسبقًا لتجهيز المطبخ والثلاجة بكل ما يمكن أن تحتاجه لمائدة سريعة بأقل قدر من التعقيدات، وعليها أن تكون أكثر قدرة على استيعاب المهام الإضافية من السيدة التي تجلس في البيت؛ لأن الأخيرة اعتادت على الطهي خلال الفترة الصباحية، بينما اعتادت المرأة العاملة على تحضير مواد المطبخ في الفترة المسائية أو حتى بعد عودتها من العمل، ولها عظيم الأجر عند الله -عز وجل-.

 

 8- حدثنا عن أهمية غرس قيم الأخلاق في نفوس الأبناء.

 حثُ الصِغار على الصيام وتربِيتُهم عليه فضيلة هامة للأبوين، فقد ثبت في صحيح البخاري ومسلم عن الرُبيِع بنت مُعوِذ، أنها قالت: كنا نُصوِم صِبياننا الصِغار، ونذهبُ بهم إلى المسجد، ونجعل لهم اللعبة من العِهن، فإذا بكى أحدهم على الطعام، أعطيناه إياها حتى يكون الإفطار، وهذا دليل على أن هناك مهمة نبيلة أمام الأسر لتعويد وترويض نفوس أطفالها وإدخال المحبة لهذا الشهر في قلوبهم والاستمتاع برمضان والاستعداد له وإبداء الفرح والسرور بقدوم الشهر الفضيل، من تنظيم جدول لتأدية العبادات وإضافة برامج تزيد من تهذيب وتربية الاطفال.

 

 9- حدثنا عن مقترحات تُقدم للأطفال تشجعهم وتحثهم وتربيهم على فضائل هذا الشهر.

 هناك 3 مقترحات تنجح في غرس تلك الفضائل على سبيل المثال لا الحصر:

 الأول- استغلال هذا الموسم في تعليمهم الآداب المُتكرِرة فيه، كآداب الأكل والشُرب، وآداب الضِيافة، والسلام والزيارة، نظرًا لكثرة الزيارات ودعوات الإفطار في شهر رمضان، فيحسُن تعليم الأبناء تلك الآداب، فلم يعُد مُجدِيا ولا نافِعًا قول الوالدين للولد: كن مؤدبًا ما لم يجعله في قالبٍ تعليمي تطبيقي "التعليم بالقدوة".

 والثاني- اصطحاب الأبناء لشراء أغراض رمضان وتعليمهم أصول الاقتصاد الشرائي.

 والثالث- منح الأبناء فرصة التفكير في مشروع خيري، وتنفيذه بأنفسهم.

 

 10- كيف تقيمون دور الجمعيات الخيرية خلال رمضان؟

تغتنم الجمعيات والمؤسسات الخيرية الفرصة لفعل الخير قبل وخلال شهر رمضان، ما بين توزيع وجبات إفطار على المحتاجين، والمساعدات النقدية والعينية، وعقب انقضاء شهر رمضان بخيره الوفير تبقى تجربة العمل الخيري هي الرائدة، ويقف القائمون على تلك الجمعيات في مفترق طرق وأمام تحدٍ كبير لاستكمال مشوارهم الذي بدأوه منذ سنوات في مساعدة ومساندة الأسر المتعففة، وأهم ما في الأمر أن تكون الجمعيات حاصلة على تصريح رسمي من وزارة العمل، والحذر من الجمعيات الوهمية؛ لأن هذا يؤدي إلى عدم إيصال المساعدات إلى مستحقيها.

 

المصدر: صحيفة اليوم

(ربانية الصوم)

المجموعة: رمضان
نشر بتاريخ: الأربعاء، 30 أيار 2018
كتب بواسطة: محرر 1

 

 

(ربانية الصوم)

 

الصوم مدرسة ربانية، يتلقى فيها المسلم دروس الأخلاق، ويتربى فيها على جميل الطباع، وحميد السلوك، وما

أطيب أن يتعهّد المسلم نفسه في هذا الشهر، ويحملها على جميل الأخلاق، ومحاسن العادات.

 

وربانية الصوم تستدعي من الصائم أن يتصف بجميل الصفات، ويسلك أقوم السلوكيات.

 

وتستلزم منه أيضًا إخلاص العبادة والعمل لله سبحانه، بحيث تكون عباداته كافة خالصة لوجهه تعالى، وليس لأحد

فيها شيء؛ مصداقًا لقوله سبحانه: (قل إن صلاتي ونُسكي ومحيايَ ومماتي لله رب العالمين) الأنعام: 162، كما

تتطلب منه أن يغض بصره عن كل ما حرم الله؛ إذ الصوم ليس صومًا عن الطعام والشراب فحسب، بل هو أيضًا

صوم عن كل ما حرّم الله، وكذا حفظ اللسان عن الغيبة، والنميمة، والكلام فيما لا يعني، بحيث يكون شعاره قوله

صلى الله عليه وسلم: (مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا، أو ليصمت). متفق عليه، وأيضًا عدم تضييع

الأوقات، وهدرها فيما لا طائل منه، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن

عمره فيما أفناه). رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، كما تستدعي منه أن يحب لإخوانه ما يحب لنفسه،

وقد قال صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم، حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه). متفق عليه، وأن يدَع قول الزور

والعمل به، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (مَن لم يدَع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه

وشرابه). رواه البخاري.

 

وينبغي على الصائم أن يأخذ نفسه بهذه المعاني والصفات وغيرها من السلوكيات والأعمال في أيامه كافة، وأحواله

كلها، خصوصًا في شهر رمضان؛ كي يكون صيامه ربانيًّا.

 

المصدر: صحيفة اليوم.

(رمضان شهر الصبر)

المجموعة: رمضان
نشر بتاريخ: الخميس، 31 أيار 2018
كتب بواسطة: محرر 1

 

(رمضان شهر الصبر)

الكاتب: عبد الله فراج الشريف.

 

إن السير في اللغة، هو الحبس والكف والمنع والشدة والضم، وهو قدرة تدرب الإنسان على تحمل المشاق والمصاعب، والصبر كما قال بعض السلف نصف الإيمان، فالإيمان إلا صبر وشكر، فالإيمان اسم لمجموع الأقوال والأعمال والنية وهي ترجع إلى شطرين: فعل وترك، فالفعل هو العلم بطاعة الله وهو حقيقة الشكر، والترك وهو الصبر عن معصية الله، والدين كله في هاذين الشيئين "فعل المأمور وترك المحظور" وهما أصل طاعة الله تعالى فالإيمان مبني على ركنين يقين وصبر.

وهما الركنان المذكوران في قول الله تعالى: (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون) وباليقين يعلم حقيقة الأمر والنهي والثواب والعقاب، وبالصبر ينفد على ما أمر الله به، ويكف النفس عما نهى الله عنه، لذا أمر الله بالصبر وحث عليه وقرنه بأهم أركان الإسلام وهي الصلاة فقال عز وجل: (يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين)، وربطه بتقوى الله والرباط في سبيله فقال: (يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون)، لذا كان الصبر على أنواع، تشمل الدين كله، فالصبر على الطاعة ومنها الصوم أول أنواعه، فالطريق إلى الله مليئة بالعوائق؛ لأن النفس بطبعها تنفر من القيود، والعبودية لله قيد لشهوات النفس، فالنفس لا تستقيم على أمر الله بيسر وسهولة فلا بد من ترويضها، وكبح جماحها،

وهذا حتمًا نحتاج فيه إلى اصطبار والصوم منع للنفس عما تشتهيه من الطعام والشراب والجماع مدة النهار كله ويتكرر ذلك كل يوم حتى نهاية شهر الصوم، ولذا جاء حديث أبي ذر رضي الله عنه، والذي رواه الإمام أحمد، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (صوم شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر ويذهب مغلة الصدر، قال: قلت: وما مغلة الصدر قال: رجس الشيطان) فأسمى سيدنا رسول الله شهر رمضان شهر الصبر،

وهو صبر على طاعة عظيمة هي أحد أركان الإسلام وهو الصوم، وقد شرع الله فيه من الطاعات ما يحتاج إلى صبر عظيم من المؤمن فمع الصيام كل ألوان الطاعة من إحياء الليل بالصلاة والذكر والتلاوة، وبما ندب فيه من الصدقة والإحسان إلى الفقراء، وبما أمر به من كف اليد واللسان عن الأذى، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من لم يدع قول الزور والجهل والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)

ويقول: (إذا أصبح أحدكم يومًا صائمًا فلا يرفث ولا يجهل، فإن امرؤ شاتمه فليقل: إني صائم، إني صائم) ولذا قال أيضًا: (رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر) فإذا كان الصوم وهي طاعة صبر فالمؤمن يصبر على أداء الطاعات كلها، ويجب عليه الصبر عن المعاصي وهو النوع الثاني من الصبر فإن يكف النفس عن المعاصي ليس بالأمر اليسير، فيبتعد عن ارتكاب المحرمات كلها، ويكف نفسه عن الهوى لذا قال ربنا عز وجل (وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير، لمن آمن وعمل صالحًا ولا يلقاها إلا الصابرون) ثم الصبر على أفعال الله عز وجل والابتلاءات والنوازل من مصائب أو كوارث، وليقتدي المسلم في كل هذه بصبره -صلى الله عليه وسلم- فهو القدوة الذي لا يتحقق الإيمان إلا باتباعه، وليعلم أن الصبر له فوائد عظيمة، فهو يمكن الإيمان في القلوب، وهو سبب لتحصيل الإخبات والخضوع إلى الله تعالى، وسبب لنزول رحمة الله، ثم هو سبب لتحصيل الأجر العظيم.

 

 

المصدر: صحيفة البلاد.

(الاعتكاف وتربية النفس)

المجموعة: رمضان
نشر بتاريخ: الإثنين، 28 أيار 2018
كتب بواسطة: محرر 1

 

(الاعتكاف وتربية النفس)

 

ما أحوج العبد إلى أن يخلو بنفسه في بعض الأوقات، ويركن إلى زاوية الفكر والذكر يتأمل حاله فيصلحه، ويتأمل نعمة الله عليه فيحمده ويشكره، في عالم ملأه الضجيج والاضطراب والفتن وأن يخلد إلى محراب الإيمان ليعتكف فيه لا هربا من الحياة ومشكلاتها، ولكن تجديدًا لقوة النفس وثقتها وإيمانها بربها.

وما أجمل أن يكون هذا الاعتكاف في شهر مبارك امتلأ بمعاني الإيمان، وفاح منه أريج الطاعات، فالناس بين ذاكر وقارئ ومصل، في هذا الجو الإيماني الفريد يخلو العبد بربه ذاكرًا شاكرًا متفكرًا في نعم الله عليه، فيجلس الأيام والليالي وهو على هذه الحال؛ ليشعر بلحظات من السعادة تغمر قلبه وتملأ جوانحه، لحظاتٍ لم يشعرها في عالم الصخب والضجيج بكل ما فيه من زخارف الحياة المادية الجافة.

وللاعتكاف فوائد كثيرة أهمها: زيادة الصلة الإيمانية بالله، وإخلاص العمل له، والتفرغ لعبادته وطاعته، وتربية النفس وجهاد الهوى، والبعد عن الصوارف والشواغل، والإكثار من أنواع العبادات التي تزكي النفس، وتجعل المرء أكثر قدرة على مواجهة فتن الحياة، ولهذا كان مقصود الاعتكاف وروحه كما يقول ابن القيم رحمه الله: "عكوف القلب على الله تعالى، وجمعيته عليه، والخلوة به، والانقطاع عن الاشتغال بالخلق والاشتغال به وحده سبحانه، بحيث يصير ذكره وحبه، والإقبال عليه في محل هموم القلب وخطراته، فيستولي عليه بدلها، ويصير الهم كله به، والخطرات كلها بذكره، والتفكر في تحصيل مراضيه وما يقرب منه، فيصير أُنسه بالله بدلاً عن أُنسه بالخلق، فيعده بذلك لأنسه به يوم الوحشة في القبور حين لا أنيس له، ولا ما يُفرح به سواه، فهذا هو مقصود الاعتكاف الأعظم".

ولذا، ينبغي للمعتكف أن يراعي في اعتكافه تحصيل هذه الغايات العظيمة، وألا يخرج من معتكفه خالي الوفاض، كحال من يجعل المساجد مهجعًا للنوم، وعنوانًا للتزاور وتجاذب أطراف الحديث والضحك وفضول الكلام!!

كما ينبغي له أن يعتني بأمور منها: المحافظة على ذكر الله، وخاصة المأثور منها كأذكار الصباح والمساء، والنوم والاستيقاظ، والأكل والشرب، والدخول والخروج، ومن أعظم الذكر قراءة القرآن، فليحرص المعتكف على أن يتفرغ لقراءته بتدبر وخشوع وفهم، في الصلاة وفي غيرها، وأن يجعل له وردًا لا يفرط فيه مع مضاعفة الجهد.

وعليه أن يتجنب فضول الأكل؛ فإن قلة الطعام توجب رقة القلب وانكسار النفس، كما أنها تطلق المرء من قيود الكسل والدعة والخمول، قال عمر رضي الله عنه: (مَن كثر أكله لم يجد لذكر الله لذة)، والاعتكاف فرصة للمرء ليُربي نفسه على التقلل والتزهد، ويجاهدها على الاستغناء عن كثير مما اعتادته.

وعليه أن يحرص كذلك على تجنب فضول المخالطة، فإن كثرة الخلطة تقصر همة العبد، وتفقده لذة المناجاة، وتفوت المقصود من الخلوة والاعتكاف، وهي مَظِنَّة كثرة المزاح والتقليل من هيبة المكان والزمان، وقد تجر إلى بعض الآثام كالغيبة والكذب وغير ذلك.

 

المصدر: صحيفة اليوم