("الله أكبر" منهج تفكير)

المجموعة: الفكر و الثقافة نشر بتاريخ: الإثنين، 12 تشرين2/نوفمبر 2018 كتب بواسطة: محرر 1

 

("الله أكبر" منهج تفكير)

الكاتب:  أ.د. فؤاد محمد موسى.

 

 لقد أنعَم الله عز وجل علينا بنعم عظيمة سخَّرها لنا لنعرفه ونعظِّمه، ونعبده ونوحِّده، محقِّقين الغاية التي من أجلها خلقنا: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) الذاريات: 56ّ.

 وإن من أعظم هذه النعم نعمةُ العقل الذي هو أداة التفكير، وقد جاء في كتاب الله عز وجل في أكثر من موضع ذكر هذه النعمة؛ قال سبحانه وتعالى: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) النحل: 78.

 إن التفكير نعمة ربَّانية عظيمة، اختص اللهُ بها الإنسانَ، وجعلها مناط التكليف، وميَّزه بها عن غيره من بين سائر الجمادات والنباتات والحيوانات؛ نظرًا لأهميتها وفضلها العظيم؛ حيث إنها تورث العبد العلمَ والمحبة، والنور والإيمان، وهي عبادة أهل الصلاح والتقوى، كما حث القرآن الكريم على التفكير في مواضع عديدة؛ منها: (فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) الأعراف: 176ّ. (كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) يونس: 24ّ. (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) الرعد: 3ّ. (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) الحشر: 21ّ. (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ) البقرة: 219ّ. (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) آل عمران: 191ّ. (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ) الأنعام: 50. (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ) الروم: 8ّ. (أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا) سبأ: 46ّ.

 وفي بعض الآيات الأخرى جاء تحقيرُ وتوبيخ القوم الذين عطَّلوا عقولهم وتفكيرهم: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) الحج: 46ّ.

 إلا أن الكثير قد يستخدم نعمةَ التفكير في الحصول على منفعة قصيرة المدى من منافع الحياة، ويتوقف عند هذا الحد من إمعان التفكير، فيُصبح تفكيرهم (تفكيرًا جزئيًا)، ولا يتعدى تفكيرهم إلى من أوجد لهم هذه المنافع "الله"، والحكمة من وجودها، وشكر المنعم "الله" على نعمه وأنْ لا منعم إلا هو "الله"، أو قد يستخدمون تفكيرهم في ارتكاب المعاصي.

 ولكن القليل ث أُولُو الْأَلْبَابِ ث هم الذين يتعدى تفكيرُهم إلى تعبيد كلِّ هذا للخالق: (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) [سبأ: 13].

 فيصبح التفكير أغلى وأثمن ما يَملِكه الإنسان، فهو عبادة من العبادات التي يتقرب بها العبد إلى ربه؛ قال تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) آل عمران: 190، 191ّ.

 ومن هنا كانت الغاية من التفكير أن يصلَ العبد في تفكيره إلى تعظيم الله وإجلاله: (وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) الجاثية: 37ّ.

 ومن هنا شرع الله ذكر كلمة "الله أكبر" في عباداتٍ عديدةٍ وطاعاتٍ متنوعةٍ؛ مثل: الصلاة، فالتكبيرُ يترددُ على لسانِ المسلم، ويتكرَّر معه في أيامه ولياليه تَكرُّرًّا كثيرًا؛ مما يدلُّ على مكانةِ التكبيرِ العُظْمى، ومنزلته العليا في حياةِ المسلم.

 إن كلمةَ "الله أكبر" ليست كلمةً لا معنى لها، أو لفظًا لا مدلول له، بل إنها كلمةٌ تعني تكبيرَ الله وتعظيمه جل وعلا، واعتقاد أنه لا أكبر منه عز وجل، وأنه سبحانه الكبيرُ المتعال الذي عنَتْ له الوجوه، وذلَّتْ له الجِباه، وخضَعت له الرِّقاب، وتصاغرَ عند كبريائِه كلُّ كبيرٍ وعظيمٍ.

> ولكي تكون هذه الكلمة عبادة حقيقية، فإنها لا تُذكَر باللسان فقط، بل تتولَّد في قلب المؤمن بعد تفكير عميقٍ في آيات الله الكونية: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) آل عمران: 190-191، وآياته القرآنية: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) محمد: 24ّ.

 "فالله أكبر" هي منهج تفكير للمؤمن في حياته، وهي اعتقادٌ جازمٌ وإيمانٌ راسخٌ بأن الله جل وعلا هو الكبيرُ المتَعَالُ.

 أخي المسلم، لن تذوق حلاوة الإيمان إلا بعد أن تُمعن التفكير، وتصل بتفكيرك إلى "الله أكبر"؛ فهي كلمة جامعة لمعاني العبودية، ودالة على أصول عبادة الله تعالى وفروعها.

 "الله أكبر" أصدق كلام وأعذبه وأحلاه، "الله أكبر" أبلغ لفظٍ يدل على تعظيم الله تعالى وتمجيده وتقديسه، "الله أكبر" كلمة ينخلع لها قلبُ المؤمن هيبةً من تكبيره لعِظَم ما قام في قلبه من تعظيم الله تعالى.

 أخي المسلم، "الله أكبر" كلمة تقدَح في قلبك الضياءَ بتعظيم ربِّ العالمين، كيف لا وليس شيء أعظمَ من الله تعالى؟

 عندما كنا نقول ونعمل "بالله أكبر"، سُدنا العالم وقُدناه إلى الحق في عصور الإسلام الزاهية.

 "الله أكبر" كلمةٌ صنعَت في تاريخ المُسلمين العجائبَ، وبثَّت في أهلها من القوة ما استعلَوا فيه على كل كبيرٍ سوى الله -عزَّ شأنُه، وجلَّ جلالُه- تنطلِقُ من الأفواه قويةً مُدويَّة، يتضاءَلُ أمامَها كبرياءُ كل مُتكبِّر، وعظمةُ كل مُتعاظِم، تعلُو كلَّ مظاهر الفساد.

 وعندما تركنا "الله أكبر"، وأكْبَرنا هوى الأنفس، كان الذُّلُّ والصَّغارُ، وتكالَبت علينا كلُّ أمم العالم.

 كيف تذهل القلوب عن عظمة ربٍّ قال جل وعلا: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) الزمر: 67]!

إن الله سبحانه وبحمده أخبر في هذه الآية عن قوم -وهو حال أكثر الناس الآن- قصَّروا في تعظيمه، فقال سبحانه وتعالى: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) أي: لم يعظِّموه حقَّ تعظيمه، لم يعظموه التعظيمَ الواجب له سبحانه وبحمده، فماذا كان من هذا القصور في التعظيم؟ كان الضلال، وأنواع من الشرك، فعَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا شِبْرًا وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ) قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: (فَمَنْ)؛ متفق عليه.

 فقد عظَّمنا عمل أهل الكفر، وقُمنا بأعمالهم، وتركنا تعظيم منهج الله، ولم نُعطه قدرَه، فكانت الهاوية التي نحن فيها الآن، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: (يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا)، فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: (بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ)، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: (حُبُّ الدُّنْيَا، وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ)؛ (أبو داود).

 أخي المسلم، هل من عودة إلى "الله أكبر" قولًا وإيمانًا وتصديقًا، وفعلًا وسلوكًا في الحياة؛ تجديدًا لعهد الإيمان وتقويةً لميثاقه العظيم، وثقةً في ربنا الكبير العظيم جل وعلا: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) الأعراف: 96!

 إن كلمة "الله أكبر" ترتعد لها قلوب أعداء الله عز وجل، "الله أكبر" كلمة تنخلع لها قلوبُ الجبابرة في بقاع الأرض، فهل من عودةٍ إلى "الله أكبر"؛ ليعود للإسلام مجدُه، ونكون في كنَفِ الله ومعيَّته، ونشعُر بالأمن والأمان مع ربنا وخالقنا، ما أحلاها من كلمةٍ نعيشها بفكرنا وأرواحنا وألسنتنا، وتكون منهج تفكير لنا في الحياة.

الزيارات: 93