(الحراك والخطاب الثقافي في مواقع التواصل الاجتماعي)

المجموعة: الفكر و الثقافة نشر بتاريخ: الأربعاء، 02 أيار 2018 كتب بواسطة: محرر 1

 

(الحراك والخطاب الثقافي في مواقع التواصل الاجتماعي)

 

كتبته: د. أميرة بنت علي الصاعدي

 

حتى نعرف حجم الأثر الذي يتركه الحراك الثقافي في مواقع التواصل الاجتماعي ، لنلقي الضوء على الاحصائيات الصادرة مؤخرا عن عدد مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي ، فحسب ما أصدره مركز البحوث والدراسات بأكاديمية شرطة دبي : فقد تعاظم استخدام مواقع التواصل الاجتماعي في العالم العربي حتى تجاوز عدد المستخدمين للفيسبوك والتويتر واليوتيوب أكثر من ٢١،٣ مليون مستخدم في عام ٢٠١٢م .

كذلك ما أصدره مركز الدراسات الاستراتيجية الأمريكي بأن مواقع التواصل في السعودية تأتي في المركز الرابع بين شعوب القرية الكونية ، وإن استخدام الواتس آب جاء في مقدمة تلك الرسائل .

ومؤخرا قيل أن عدد مشتركي تويتر في العالم وصل إلى نصف مليار مشترك ، الفاعلين منهم ٥٠ مليون فقط .

بناء على ما سبق من إحصائيات يتضح لنا حجم الأثر الذي يتركه الحراك الثقافي من خلال هذه المواقع فمتى كان هذا الحراك هادفاً إيجابياً وصادقاً موضوعياً ومسئولاً ، يقوده الأمناء المخلصين والوطنيين الشرفاء والإعلاميين الصادقين ، فإنه سيكون حراك بناء وتجديد للوعي ونشر لثقافة سليمة راقية ، ويفترض في مثل هذه الحراكات أن تحافظ على عقول أبنائها من التسمم الفكري والتلوث الثقافي المبني على الحريات المنفلتة والتشكيك الفلسفي الإلحادي ، بناء على نظريات ملحدة أو مدارس عقلية مفلسة أو استصدار ثقافات خارجية مغرضة .

والخطاب الثقافي غالبا يتكون من شكل (قالب) يتمثل في الأسلوب والمفردات والألفاظ ، ومحتوى (مضمون) وهو ما يحمله الخطاب من مضامين ومعاني وقيم ومبادئ .

والأساليب والألفاظ في الشريعة الإسلامية لها قيمتها ووزنها ، ولا أدل على ذلك من حديث معاذ بن جبل قال : يا نبيَّ اللهِ ! وإنا لَمُؤاخذونَ بما نتكلَّم به ؟ قال : "ثَكِلَتْك أُمُّك يا معاذُ ! وهل يَكبُّ الناسَ في النَّارِ على وجوهِهم إلا حصائدُ ألسنتِهم" .

فحصائد الألسن وعثرات اللسان ، وتجاوز حدود مسئولية الكلمة بدعوى الحرية والانفتاح على الآخر سبب للكب في النار وللمسائلة الشرعية .

ولذا جاء التذكير من الله عز وجل بأهمية الكلمة وآثارها حيث قال تعالى " ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد " ، فمتى ما استشعر المتكلم أو الكاتب هذه المتابعة والمراقبة ممن يحصى قوله ويكتب كلمه فإن ذلك يدفعه إلى الانتقاء والارتقاء بخطابه إلى ما يرضى الله عز وجل ، مستحضرا قول النبي صلى الله عليه وسلم " إنَّ الرجُلَ لَيتكلَّمُ بِالكلِمَةِ من رِضوانِ اللهِ تَعالى ما يَظُنَّ أنْ تَبلُغَ ما بَلَغَتْ ؛ فيَكتبُ اللهُ له بِها رِضوانَهُ إلى يَومِ القِيامةِ ، وإنَّ الرجُلَ لَيتكلمُ بِالكلمةِ من سَخَطِ اللهِ تَعالى ما يَظنُّ أنْ تبلُغَ ما بَلَغَتْ ؛ فيُكتُبُ اللهُ عليه بِها سَخَطَهُ إلى يَومِ القِيامَةِ "

وهذه النصوص وغيرها تعد وثيقة منهجية ومرجعية أصيلة ، لكل من يتصدى لتوجيه فكر الأمة وبناء خطابها الثقافي .

ولا مانع من تطور الخطاب الثقافي من ناحية الألفاظ والأساليب وطرق العرض والاستفادة من الاستراتيجيات المدروسة والنماذج المجربة من هنا وهناك ، أما المحتوى والمعاني والتي تتمثل في القيم والمبادئ والعقائد والأخلاق ، فلا تستصدر ولا تستقطع من ثقافات غيرنا ، لارتباطها بأسسنا الشرعية وهويتنا الإسلامية ولغتنا الأصلية .

وأخطر ما يهدد خطابنا الثقافي أن يكون جسرا لمرور أطروحات تغير نهج المجتمع وثوابته، أو أجندات فكرية مشبوهة، عبر أوعية الخطاب المختلفة كالمقال أو القصيدة أو القصة والرواية.

لذا يشترط أن يكون الخطاب الثقافي نابعا من ثقافة المجتمع ، وبالأسلوب المناسب الذي يدركه أفراد المجتمع .

لابد أن يكون خطابنا الثقافي له خصوصية، راقيا هادئا معبرا عن آمال المجتمع وتطلعاته، يحترم القيم والدين والأخلاق، وأي خطاب يفتقد هذه الركائز هو خطاب يهدد الوطنية والهوية.

وأن يكون الخطاب الذي يحافظ على حقوق الإنسان كما أقرها الإسلام وليس القوانين الوضعية أو الاتفاقيات الدولية، الخطاب الذي يحقق للإنسان عزته وللأمة وحدتها لا الخطاب الذي يخدم الأجندات الخارجية.

الخطاب المتألق بالكلمة الطيبة لأنها متأصلة في قلب صاحبها ثابتة كثبوت الشجرة الطيبة في الأرض ، مثمرة ومؤثرة على الجوارح والتعامل والسلوك ، ويرفض الكلمة الخبيثة المغرضة المشككة في الثوابت والمخللة للأخلاق والهادمة للقيم والمبادئ .

وأخيرا ينبغي أن يكون المصدر الأساسي لخطابنا الثقافي منبعه ومعينه صافيا حقا مرتكزا على وصية المصطفى صلى الله عليه وسلم " ترَكْتُ فيكم أَمرينِ ، لَن تضلُّوا ما تمسَّكتُمْ بِهِما: كتابَ اللَّهِ وسنَّةَ رسولِهِ " فأي فكر أو ثقافة أو رأي من غير مشكاة الوحيين فهي ضلال وانتكاس ، ولا شك أن المنهج الرباني في الخطاب هو الأكمل والأفضل والأصلح لكل زمان ومكان .

الزيارات: 114