[ الدعوة إلى الله في السلوك اليومي ]

المجموعة: الفكر و الثقافة نشر بتاريخ: الإثنين، 20 تشرين2/نوفمبر 2017 كتب بواسطة: dawah33
[ الدعوة إلى الله في السلوك اليومي ]
الكاتب:
 

 

 

 

كتبه : د. يوسف بن عبد الله التركي.

 

 

 

إن الدعوة إلى الله جزء من حياة المسلم اليومية في بيته ومع أسرته وفي عمله وطريقه ومع زملائه وفي جميع أحواله.

 

وإن من أعظم وسائل الدعوة إلى الله السلوك العملي للداعية وثبات المسلم على مبادئه وأخلاقه التي هذبه بها دينه الإسلامي الحنيف، فالطبيب المسلم يدعو إلى الله بسلوكه قبل قوله لأن تأثير الأفعال أبلغ من الأقوال، والإيمان كما هو معلوم ما وقر في القلب وصدقه العمل، لذا فإن التزام الطبيب المسلم وإتقانه لعمله وحرصه الشديد على مرضاه وأدائه لما أوكل إليه من مهمات على أكمل وجه ومراقبة الله في ذلك، وحسن تعامله مع مرضاه وزملائه ورؤسائه ومرؤوسيه من أعظم الوسائل التي تأسر القلوب وتعطي صورة مشرقة للطبيب المسلم، أما عندما يكون الطبيب المسلم مهملاً في عمله كسولاً لا يتقن ما أوكل إليه من مهمات فإن ذلك ينفر القلوب من حوله ولا يكون لدعوته تأثير على الآخرين.

 

 

 

وإن العودة لما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضوان الله عليهم أجمعين والتأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في دعوته وأخلاقه فهو القدوة لهذه البشرية، وهكذا يرى المسلم كيف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان خلقه القرآن  سلوكًا عمليًا في حياته اليومية في بيته ومع أزواجه رضوان الله عليهن أجمعين، ومع أصحابه رضوان الله عليهم، بل وحتى مع أعدائه من الكفار والمنافقين، يتأدب بآدابه التي شرعها الله قال تعالى: { وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ }.

 

 

إن الدعوة إلى الله تحتاج إلى إخلاص العمل لله عز وجل وإصلاح النفس وتهذيبها وتزكيتها وأن يكون لدى الداعية فقه في الدعوة إلى الله وفق منهج الله الذي شرعه لعباده، وهذا الجانب يحتاج من الطبيب إلى التفقه في الدين في الأمور التي تواجهه في ممارساته اليومية، وسؤال أهل العلم قال تعالى: { فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} ومجالسة العلماء وحضور بعض حلقات الذكر وطلب العلم  في مجال التخصص.

 

 

ولكي نحاول أن نترجم أقوالنا إلى سلوكيات يومية في حياتنا فدعونا نبدأ هذا اليوم الجديد في حياة طبيب مسلم في بداية مشواره العملي، وهو يذهب في الصباح  الباكر إلى عمله في المستشفى أو المركز الصحي وهو يستشعر النية فينوي بعمله التقرب إلى الله وإعانة إخوانه المرضى ونفعهم، فإنه بهذه النية الخالصة لله  ينال بها أجرَي الدنيا والآخرة، فإذا دخل المستشفى وشارك في اللقاء الصباحي لمناقشة الحالات المرضية لإخوانه المرضى فإنه ينوي بذلك طلب العلم لإتقان  هذه الأمانة ورفع كفاءته العلمية، ومن ثم يكون هناك المرور على المرضى  المنومين، يستشعر بذلك نية زيارة المرضى فينال بذلك أجر عظيمًا لزيارة المريض، ومن ثم ينهمك الطبيب المسلم في عمله بكل جد وإخلاص وإتقان، فيستمع  إلى مرضاه ويتواضع معهم ويعطف عليهم، ويغض بصره عما حرم الله، ويبذل قصارى  جهده في علاجهم وفق المنهج العلمي الصحيح مع التوكل على الله ودعاء الله لهم  بالشفاء.

 

 

والطبيب المسلم يتفقد أحوال مرضاه مع الطهارة وأداء الصلاة، فإن بعض المرضى قد يجهل ذلك فيؤخر الصلاة عن وقتها أو يتكاسل عنها جهلاً منه بأحكام الطهارة والصلاة للمريض، ولذا فإنه ينبغي توجيه المرضى لذلك برفق ولين وحسن أدب،  وهناك ولله الحمد والمنة الكثير من النشرات والكتيبات لعلمائنا الأفاضل وفقهم الله وغفر لهم عن أحكام طهارة وصلاة المريض والتي يمكن إهدائها للمرضى.

 

 

وعندما يرى الطبيب المسلم منكرًا من المنكرات في المستشفى أو في محيط عمله أو في طريقه فإنه يتذكر واجبًا شرعيًا وركنًا أساسيًا وهو الأمر بالمعروف والنهي  عن المنكر، فيسعى في إنكار المنكر بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه بشرط أن يكون ذلك بالحكمة والموعظة الحسنة والتزام الرفق واللين  والبعد عن الغلظة ورفع الأصوات وإثارة الآخرين، وألا يترتب على ذلك مفسدة،  فالمسلم مأمور بالتوجيه والإرشاد وليس عليه تحقيق النتائج فإن التوفيق  والهداية بيد الله عز وجل.

 

 

 

وهذا الجانب يحتاج إلى فقه الداعية في أساليب الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وألا تترك هذه إلى اجتهادات شخصية بل يجب أن يكون ذلك وفق أدب وأخلاق المسلم المتفقه في دينه الذي يدعو إلى الله على بصيرة، ولعل مما يساعد على ذلك ما أنشأته وزارة الصحة حديثًا من مكاتب دينية في المستشفيات للقيام ببعض هذه المهمات وفق أسس وأنظمة المستشفى حتى لا يترتب على ذلك مفاسد.

 

 

وعندما يحين موعد الأذان تجد الطبيب المسلم يقف وقفة قصيرة بدون أن يؤثر ذلك على عمله، مع كلمات الأذان فيرددها ويستشعر معانيها فتزكوا بذلك النفس وتزداد  قوة وعزيمة لأداء الصلاة تلك الشعيرة العظيمة والمحطة الإيمانية التي ينبغي المحافظة عليها في أوقاتها مع جماعة المسلمين، والحرص على الصف الأول لما في  ذلك من الأجر العظيم كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضل النداء والصف الأول.

 

 

والطبيبة المسلمة ينطبق عليها ما ذكر ، مع أهمية أدائها لعملها بسكينة ووقار وحشمة بعيدة عن الاختلاط بالرجال، متأدبة بكلامها، وتصرفاتها ومتحجبة بالحجاب الشرعي الذي تتعبد الله به، صابرة محتسبة الأجر من الله في تخفيف الآلام عن بنات جنسها، فالطبيبة المسلمة داعية إلى الله بسلوكها وحسن أدبها مع بنات جنسها من المريضات والعاملات والممرضات تحب الخير للآخرين، ذات  روح ونفس زكية في تعاملاتها، ومع ذلك فهي تحرص على التوازن في حياتها، فلا يطغى جانب على آخر، فتهتم بأسرتها وزوجها وأولادها مع إتقانها لعملها الطبي  الهام.

 

 

وأؤكد أن الطبيبة المسلمة يجب أن تكون قدوة حسنة في التزامها بالحجاب الشرعي في محيط العمل لتكون بذلك داعية بسلوكها، وعليها أن توجه أخواتها ممن تساهلن  بالحجاب بالرفق واللين والموعظة الحسنة وأن تبين لهن أن الحجاب عبادة لله عز وجل وليست قيدًا أو عادة تضيق المرأة منها مع تذكيرهن بقوله تبارك وتعالى: { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا }.

 

 

وهكذا تجد أن الطبيب المسلم والطبيبة المسلمة يدعو إلى الله من خلال سلوكها اليومي، فالدعوة جزء هام من حياتهما يحتسبان الأجر فيهما من الله عز وجل قال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿162﴾ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ}.

 

 

والله أسأل أن يوفق إخوتي وأخواتي من العاملين في المجال الصحي لما فيه الخير في الدنيا والآخرة وأن يعيننا على إصلاح أنفسنا، والدعوة إلى الله بالقول  والعمل إنه ولي ذلك والقادر عليه

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

الزيارات: 166