[ منهج الأنبياء في الدعوة ]

المجموعة: الفكر و الثقافة نشر بتاريخ: الإثنين، 20 تشرين2/نوفمبر 2017 كتب بواسطة: dawah33
[ منهج الأنبياء في الدعوة ]
الكاتب:
 

 

كتبه : أ. محمد الدويش .

 

الحمد لله الكريم الوهاب، الرحيم التواب، غافر الذنب، وقابل التوب، شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير، والصلاة  والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين. أما بعد: فهذا الموضوع حول منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله،

ولا أظنِ أن مثلي وفي هذه العجالة يمكن أن يأتي بمنهج الأنبياء في  الدعوة إلى الله عز وجل، فنتحدث عن هذا المنهج بفروعه ومعالمه  لكنها ومضات وخواطر أملاها الواقع الذي نعيشه.

 

 

ثمت ثوابت اتفق عليها أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم، وهي  قضايا ليست بجديدة وكيف تكون جديدة! وهي قضايا المنهج التي يجب أن تكون معالمه واضحة لا يجهلها أحد، معالم لا يزيغ عنها إلا من ضل  وانحرف، وكيف تكون جديدة! وهي حديث عن منهج الأنبياء الذي نقرأه  في كتاب الله جل وعلا، فكلنا يقرأ القرآن صباح مساء ويردد آيات  الله -عز وجل- التي فيها الحديث عن قصص الأنبياء وعن منهج  الأنبياء وعن دعوتهم، ومن ثم فالحديث مع أمثالكم عن منهج الأنبياء لن يكون حديثًا جديدًا، إنما هو تذكير بحقائق نعرفها وندركها جميعًا، وهو إعادة  لإفراز المسائل والمواقف التي نقفها في الدعوة إلى الله عز وجل  إلى أصولها وجذورها.

 

 

لماذا الحديث عن منهج الأنبياء؟

يدعونا للحديث عن هذا الموضوع أمور عديدة:

 

 

أولها: أن الحديث كثير عن المنهج، فيتحدث الكثير اليوم عن  التغيير ومناهجه، وتتنوع الأطروحات الإسلامية ونتنافس في طرح برامج التغيير وبرامج الإصلاح، وتنوع الاجتهادات واختلاف المواقف  أمر لا غبار عليه بل لا يمكن سواه، لكن المرفوض أن تتحول الجزئيات والاجتهادات إلى ثوابت، وأن تتحول الاقتناعات الشخصية إلى قضايا منهجية عند البعض يُوالى ويُعادى من أجلها، وينطلق من اقتناعات شخصية أو اجتهادات ليرسم من خلالها منهجًا يرفض الدعوة إلا من خلاله، ويسفه الآراء التي تنطلق من سواه، ويوالي ويعادي عليه، ويستنبط من خلال ذلك معايير لتقويم الناس والبرامج  الدعوية.

 

 

إن قضية المنهج تهتم بالثوابت والإطار العام، ومع تأكيدنا لضرورة انضباط المسائل الاجتهادية بضوابط الشرع، ورفضنا الشديد للقسمة الضيزى لشرع الله عز وجل إلى لب وقشور -مع رفضنا لذلك كله- فإن الحكم الشرعي قضية لا تقبل النقاش، والنص الشرعي لا يجوز  المساومة عليه، لكن مع كل ذلك لا يسوغ أن تتحول المسائل الاجتهادية إلى قضايا يؤثم فيها الناس ويخطئون ويضللون، أو أن تدعى الأمة أن تجتمع على رأي فلان أو اجتهاد علان، ولا يجوز أن تتحول هذه القضايا إلى معيار للولاء والبراء وتقويم الناس ووزنهم.

 

 

إن بعض الناس يرسم ثوابت ومنطلقات يمليها عليه اجتهاده، وربما تقليده لفلان من الناس، أو هي انعكاس لوضع عاشه فيرسم هذه  الثوابت ثم يسعى بعد ذلك لتحويلها إلى منهج من خلال البحث عن نصوص شرعية تؤيد ذلك، ولو أدى إلى أن يلوي أعناقها ليًا، أو من خلال اجتهادات لبعض آحاد السلف تتحول هذه الاقتناعات عند صاحبنا إلى منهج من خالفه فهو منحرف ضال أفاك أثيم.

 

 

ثانيًا: العصمة: فمن مزايا منهج الأنبياء أن الله سبحانه وتعالى قد عصمهم من الانحراف والخطأ والخلل، وعصمهم سبحانه وتعالى من الأهواء والأغراض، ومن ثم فاتباع سبيلهم ضمان بإذن الله  للاستقامة على الطريق القويم ، لذا فمن رحمة الله سبحانه وتعالى  بعباده أنه جل جلاله لم يتركهم لاجتهادات البشر أو يعبدهم لآراء مثلهم، واقرأ في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهل أنت واجد دليلاً واحدًا يأمر الناس بالتقليد ويحثهم  عليه؟ إنك لن تجد الحديث عن التقليد في كتاب الله وسنة نبيه محمد  صلى الله عليه وسلم إلا في مقام الذم والعيب لأولئك الذين عطلوا عقولهم وعطلوا منطق البرهان والحجة ليسيروا وراء رأي فلان أو فلان من الناس؛ فتكون آراؤه حجة ملزمة للناس ودينًا لا يسعهم الخروج عليه.

 

 

قد يكون البشر أمة، وقد يكونون دعاة، وموجهون وأعلامًا للأمة  تستفتيهم وتصدر عن رأيهم وتنتظر آراءهم وتستضيء بقولهم، لكن ذلك  أبدًا لا يمكن أن يحوِّلهم إلى معصومين، وإلى حجة بين الله عز  وجل وخلقه، ينبغي عليهم أن يتبعوهم؛ فمن خالف قولهم واجتهادهم ضار ضالاً منحرفًا زائغًا .

 

 

ومن هنا كانت الحاجة ماسة وملحة للحديث عن منهج الأنبياء؛ لأن  البديل عن منهج الأنبياء هو أن يتعبد الناس بآراء البشر أمثالهم،  والبشر أيًا كانوا لا يمكن أن يكونوا محجة بيضاء ليلها كنهارها  لا يزيغ عنها إلا هالك، إنها طريق واحدة وسبيل واحدة هي سبيل  المعصوم محمد صلى الله عليه وسلم وما عداه فهو عرضة للخلل والخطأ  والزيغ والانحراف إلا من عصم الله عز وجل.

 

 

 

ثالثاً : يأمر الله سبحانه وتعالى نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يقتدي بمنهج الأنبياء وأن يقتفي أثرهم وأن يسير على سنتهم، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم خطاب لأمته من بعده إلى قيام الساعة ونتساءل معشر الإخوة الكرام لماذا يُبدئ القرآن ويعيد في الحديث عن منهج الأنبياء والحديث عن قصص الأنبياء  وتتكرر الآيات والسور عن هذا المنهج إشارة أو إيماء أو تفصيلاً،  فلا يكاد يخلو جزء من القرآن الكريم من قصة دعوة نبي من  الأنبياء، أو إشارة إليه وإلى ما جرى بينه وبين قومه، وفي هذا  دعوة إلى أولئك الذين يقرؤون ذلك الكتاب ويتعبدون الله بتلاوته إلى أن يسيروا وفق هذا المنهج وأن يرتسموا معالمه ويسلكوا خطاه.

 

 

رابعًا: الأنبياء هم قمة النجاح والإنجاز البشري، وقد اعتاد الناس أيًا كانت اتجاهاتهم ومذاهبهم وطرقهم أن يثنوا على أولئك الذين ينجحون وينجزون ويبدعون، ولا يزال الناس يتحدثون كثيرًا عن  عوامل نجاح فلان وعن سر إبداع فلان، فأنت ترى الأدباء يعتنون  كثيرًا بالحديث عن سيرة فلان وفلان من الأدباء الذين قد تحولوا إلى رفات، ويتحدث المؤرخون والساسة أيضًا عن أولئك الناجحين  ويقرؤون سيرهم لينهلون منها معالم يقتفونها ويسيرون في إثرها، ولا يزال المصلحون والمجددون والدعاة يحظون بعناية أهل العلم وأهل الفكر والتوجيه دراسة لأسباب النجاح، وتحليلاً لعوامل النبوغ والارتقاء، وهم يستحقون ذلك بلا شك لكن قمة النجاح وغاية الإبداع هو ما حققه أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم.

 

 

هذه عوامل وأسباب تؤكد لنا ضرورة العناية بدراسة منهج الأنبياء،  ونحن حينما ندرس منهج الأنبياء فإننا ينبغي أن نأخذه جملة بكل تفاصيله وبكل معالمه، ولا يسوغ أبدًا أن نقتطع أجزاء مما دعا إليه الأنبياء فنحتج بها ونتحدث عنها ونخاصم من أجلها وندع ما سواها، ولا يسوغ أن نرسم منهجًا ونقرر ثوابت ثم نبحث بعد ذلك عما  يؤيده من منهج الأنبياء، فينبغي أن نتجرد من الأهواء والتبعية  والتقليد إلا لكتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم،  وحينها نستطيع أن نرسم معالم هذا المنهج واضحًا جليًا مشرقًا  بعيدًا عن الزلل والانحراف، ولهذا فليس كل من تحدث عن منهج الأنبياء يكون حديثه حديثًا كاملاً كافيًا مبرءًا من الهوى والمقررات السابقة التي يأتي إليها فيبحث عما يؤيدها.

 

 

وأنا حين أقول ذلك لست أدعي العصمة فيما أقول؛ فأنا بشر لا أعدو أن أكون قد دونت بعض ما ظهر لي من خلال تلاوة آيات الله عز وجل  فيما قصه سبحانه عن أنبيائه، فسعيت إلى أن أشير إلى بعض المعالم التي اتفق عليها الأنبياء جميعهم أو معظمهم وأرى أنها ينبغي أن تكون معالم وثوابت لمنهج الدعوة إلى الله عز وجل، وقد يكون في بعض ما أراه خطأ أو شطط وهذا دليل على سلامة منهج الأنبياء؛ لأن  البشر أيًا كانوا لا يمكن أن يتجردوا عن الأهواء والأخطاء.

 

 

الزيارات: 14