[ لا دعوة بدون إخلاص، ولا داعية بدون علم وبصيرة ]

المجموعة: الفكر و الثقافة نشر بتاريخ: الإثنين، 20 تشرين2/نوفمبر 2017 كتب بواسطة: dawah33
[ لا دعوة بدون إخلاص، ولا داعية بدون علم وبصيرة ]
الكاتب:
 

 

كتبه أ. سليمان الصالح.

 

ربما يكون موضوع هذه المحاضرة قد تم تناوله أو جوانب منه من قبل، لكن الدعاة في حاجة دائمًا إلى مَن يذكرهم بأهمية الرسالة التي يقومون بها، وأنهم في هذه الوظيفة إنما هم متبعون لرسل الله ولرسولهم محمد صلى الله عليه وسلم، وهناك الكثير مما ينبغي أن يذكر به الدعاة إلى الله من الاقتداء بالنبي --صلى الله عليه وسلم-- والتسلح بعدة الداعية التي يحدثنا عنها هنا فضيلة الشيخ محمد مختار الشنقيطي.

 

- أمانة في أعناقنا:

 

يؤكد فضيلة الشيخ الشنقيطي أن الله جل وعلا اصطفى أنبياءه ورسله وحمّلهم الأمانة، وقلّدهم المسؤولية، فجعلهم أمناء على وحيه ودينه: {رُسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ}،( النساء: 165ّ).

 

 

لقد حمل رسل الله أمانة الله إلى عباده، على نورٍ من الله، يرجون رحمته، فأدوا رسالته، وبلّغوا أمانته، وقرّت عيونهم برضوان الله عليهم، ثم اصطفى الله جل جلاله لختم هذه الصفوة - خير خلقه وأفضل رسله وأكرمهم عنده سبحانه- نبينا صلى الله عليه وسلم.

 

 

اختاره الله جل جلاله خاتمًا للأنبياء والمرسلين، وهدى لعباده المتقين، ما ترك باب خيرٍ إلا دلّنا عليه، ولا سبيل رشدٍ إلا هدانا إليه، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف بإذن الله عن العباد الغمة، وحمل هذه الأمانة من بعده الصحابة الكرام، الأئمة الأعلام، الذين هم القدوة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، حملوا هموم الدعوة إلى الله، وتبليغ رسالة الله جل جلاله، وأحس كل صحابي أنه مسؤولٌ أمام الله عما سمعته أذنه، وأبصرته عيناه، ووعاه قلبه، فنشر أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم- السنن والآثار، وحدثوا بالسيرة والأخبار، ففتح الله بها قلوبًا غلفًا، وآذانًا صمًا وأعينًا عميًا، وقادوهم إلى صراطٍ مستقيم. حمل الصحابة - رضوان الله عليهم- سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم للأمة، وبلغوا الرسالة، فكانوا خير قدوةٍ بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - في الدعوة إلى الله، وما زالت الأمة تحمل هذه الأمانة وهذه المسؤولية جيلاً بعد جيل، ورعيلاً بعد رعيل.

 

الإخلاص في الدعوة:

 

تحدث الشيخ الشنقيطي عن مقومات نجاح الدعوة وأهمية تمتع الداعية بصفات تؤدي إلى النجاح المطلوب، وبيَّن أن الإخلاص في الدعوة إلى الله يأتي في مقدمة صفات الداعية، وعدة نجاحه؛ فالإخلاص هو أول ما يجب أن يحرص الداعية عليه، أن يخلص لله جل جلاله، وما من داعية إلى الله يخلص في قلبه إلا أظهر الله له التوفيق والسداد في جوارحه وأعماله، وفتح الله أبواب الخير أمام دعوته وكلماته ومواعظه؛ لأن الله سبحانه يحب ما كان خالصًا لوجهه، ولا يرضى من الأقوال والأعمال إلا ما أريد به وجهه، ومن وطئت قدماه سبيل الدعوة إلى الله، مفرغ القلب من كل شيءٍ سواه، ملأ الله قلبه بالحكمة والنور والتوفيق والسداد، إن الله سبحانه مطلعٌ على القلوب والضمائر، مطّلع على من يريد وجهه ومن يريد حظوظ الدنيا، من أراد أن يدعو إلى الله، فليعلم أن هذا الدين لله وليس لأحدٍ سواه، لا يدعو للدنيا ولا يدعو رياءً، لا يدعو ليمدح أو يثنى عليه، ولكن لله جل جلاله.

 

 

- الدعوة على بصيرة:

 

يبيّن الشيخ الشنقيطي أن الدعوة إلى الله لا بد أن تكون على بصيرة وحكمة، والعلم هو الذي به يستنير قلب الداعية، وينال به البصيرة قال تعالى: {قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِن ربي}،( الأنعام: 57ّ).

 

فمن كان على بينةٍ من الله اتضح له الحق، فأحبه، والتزمه، ودعا إليه، ومن كان جاهلاً بالله وبشرعه ضل وأضل، ومن علامات الساعة:

 

وأمارتها: (أن يتخذ الناس رؤوسًا جهالاً، سئلوا فأفتوا بغير علمٍ فضلوا وأضلوا). فأول ما ينبغي على الداعية: العلم؛ فإن على كل داعية أن يبتدئ دعوته بمجالس العلم، ورياض الجنة ويسير في طريق ،

لطلب العلم، ويحب العلماء ويتزود منهم، وينتفع بهم، ويلتمس رحمة الله جل جلاله، فالعالمُ الرباني إمامٌ للداعية يهتدي به بعد كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.

 

 

إذًا لا بد للداعية من وقفة مع طلب العلم، ينتهل فيها من المعين الصافي من كتاب الله وسنة النبي - صلى الله عليه وسلم- فإذا تعلم وعلم واستنار قلبه، أمكنه أن يهتدي في نفسه وأن يهدي غيره، لا دعوة بالجهل، والداعية إذا كان جاهلاً ضل وأضل وراءه؛ فيهلك وتهلك به أمم، فيحاسبه الله جل وعلا عليها.

 

فحريٌ بطالب العلم والداعية إلى الله، أن يجد ويجتهد في طلب العلم، وليعلم أن سبيل الدعوة والتذكير بالله والهداية إليه تحتاج إلى سلاح ونورٍ وبصيرة، لا يمكن أخذ ذلك كله إلا عن طريق العلماء الأمناء الثقات الأثبات. إذا جلس الداعية في مجالس العلم وأحب العلماء والتزم بسبيلهم وحرص على الاستفادة منهم، وتأدب ورأى حرمتهم؛ فإن الله يوفي له كما وفى لعلمائه الذين ائتمنهم على دينه.

 

ما من داعيةٍ إلى الله يحب أهل العلم ويلتزم بخلقهم وينتفع بعلومهم؛ إلا وجدت آثار ذلك كله في دعوته؛ فيقيض الله له من يأخذ من علمه، وينتفع به ويتأدب معه كما كان حاله مع العلماء.

 

العلم لابد منه، وقد قال بعض العلماء في قوله تعالى: {قُلْ إِنِي على بَيِّنَةٍ مِن ربي }( الأنعام: 57).

 

قالوا: "لا يجوز لأحدٍ أن يدعو الناس، ويدلهم على الدين إلا بعد البصيرة والبينة من رب العالمين" وقال بعض العلماء: "قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ، أي: حجةٌ ومحجة؛ حجة: يعرف بها الحق من الباطل والهدى من الضلال، ومحجة يسير عليها حتى تنتهي به إلى الجنة".

 

 

- العلم والعمل مقترنان عند الداعية:

 

كذلك لا بد للداعية إلى الله أن يوطن نفسه من بداية دعوته على العمل، فالدعوة إذا كانت نابعة من إنسان ذاق حلاوة العمل بالعلم، وذاق لذة المعاملة مع الله، أمكنه إذا ذكّر الناس ووعظهم أن يذكرهم بشيءٍ ذاق حلاوته ولذته، أما فاقد الشيء لا يعطيه.

 

الداعية إلى الله الذي قرن علمه بالعمل يضع الله له البركة في قوله وعمله، فإن الناس تنظر إلى قول كل قائل وعمله، فإذا وافق القول العمل أحبه الناس وتأثروا بكلامه.

 

إذا وقف أمام الناس يحدثهم ويعظهم وضع الله عز وجل لمواعظه أثرًا نافعًا في قلوب الخلق فوق ما يرجو ويأمل، إذا تحدث عن الإخلاص لله كان أخلصهم لله، وإذا تحدث عن الطاعات والقربات كان أسبقهم إليها، وأحبهم لها، وأكثرهم مداومةً عليها، وقد عاتب الله من قبلنا، أنهم حُمِّلوا التوراة ثم لم يحملوها فكانوا كمثل الحمار يحمل أسفارًا، فمقتهم الله جل جلاله حينما قالوا بما لم يعملوا قال بعض السلف: "كونوا دعاةً وأنتم صامتون"، قالوا: "وكيف ندعو ونحن صامتون" قال: "ادعوا الناس بأخلاقكم وأقوالكم وأعمالكم قبل أن تدعوهم بتذكيركم" فالذي يدعو الناس بأخلاقه وأقواله وآدابه وشمائله؛ تتأثر الناس بدعوته، ولن يكون ذلك إلا بالعمل، لن يكون ذلك إلا إذا رأى الناس آثار السنة وأخلاق الإسلام في الداعية إلى الله، سواءً كان خطيبًا أو واعظًا أو مُذكِّرًا ومعلما، ونسأل الله العظيم أن يوفقنا إلى القول والعمل، فإنها من أعظم نعم الله عز وجل على عبده، حتى قال بعض العلماء: "لن يكون العبد هاديًا مهديًا إلا إذا قرن العلم بالعمل".

 

 

- طلاقة الوجه وسلامة الصدر:

 

هذه واحدة من أهم صفات وعدد الداعية كما يؤكد الشيخ الشنقيطي وهو طلاقة الوجه وسلامة الصدر، مشيرًا فضيلته إلى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وهو قدوتنا خرج داعية إلى الناس طليق الوجه، دائم البشر والسرور صلى الله عليه وسلم، ما كان يلقى الناس مكفهر الوجه أو عابسًا أو محتقرًا لهم، بل كان يلقاهم صلوات الله وسلامه عليه بالوجه الطليق والقول الرقيق، قال جرير بن عبد الله رضي الله عنه وأرضاه: "ما لقيت النبي صلى الله عليه وسلم إلا تبسمَ في وجهي".

 

فالداعية إلى الله، يتحلى بمثل هذا الأدب النبوي الكريم، كان يخرج --صلى الله عليه وسلم-- لأصحابه نقي السريرة والقلب، ليس في قلبه غل، ولا حسد، ولا بغضاء على المسلمين، إنما كان يخرج لهم بالمحبة، والصفاء، والمودة، والإخاء، صلوات الله وسلامه عليه. لن نستطيع أن نهدي الناس إلا إذا سلمت صدورنا من آفات القلوب، لن نستطيع أن نأخذ بمجامع قلوب الناس إلا إذا سلمت سرائرنا وضمائرنا من الحقد على عباد الله، وسوء الظن بهم، ولن يكون الداعية كما ينبغي أن يكون عليه الداعية إلا بمجاهدة القلب، فإذا خرج إلى المسلمين أحب لهم ما يحب لنفسه، وكره لهم ما يكره لنفسه؛ لعلمه أن الله يحب منه ذلك، إذا لم يسلم صدرك ولم يكن نقيًا لإخوانك المسلمين، أظهر الله ما في قلبك في فلتات لسانك، وزلات جوارحك وأركانك، وقد قال بعض العلماء: "ما أسر عبدٌ في قلبه سريرة إلا أظهرها الله في فلتات لسانه، أو في جوارحه وأركانه فالذي يريد أن يدعو إلى الله ينبغي له أن يجعل في صدره السريرة النقية للناس التي تتمنى لهم الخير، فإذا قوي هذا الباعث في القلب دعاه إلى أن يبذل كل ما يستطيع لهدايتهم ودلالتهم على الخير، وتحبيبهم في طاعة الله جل جلاله .

 

 

- التواضع خلق الداعية خاصة:

 

ويتعلق بما سبق من الأمور التي كان يتحلى بها النبي عليه الصلاة والسلام: التواضع، فلا يرى الداعية نفسه أنه فوق الناس، وإنما يتواضع لهم، يتواضع للصغير والكبير، والجليل والحقير، والناس عنده في كفةٍ واحدة، من حيث التواضع، وتوطئة الكنف.

 

ما أجمل الدعوة إذا جمّل الله الداعية بالأخلاق، والتواضع، والحلم، وتوطئة الكنف! إن كريم الأصل كالغصن؛ كلما ازداد من خيرٍ تواضع وانحنى.

 

كان - صلى الله عليه وسلم - يقف لصغار المسلمين وكبارهم وشبابهم، لن يستطيع الداعية أن يكون موفقًا في دعوته إلا إذا حرص على أخلاق الإسلام، وآداب النبي صلى الله عليه وسلم التي كانت مع الصحب الكرام، وإذا وفق الله الداعية لهذه الأخلاق، والآداب أحبه الناس، فإذا كانت أخلاق الداعية وآدابه وشمائله وتصرفاته تدل على حبه للناس وتوطئته للكنف أحبه الناس، إنما يتواضع الداعية ويكون قريبًا من الناس؛ لأن حوائجهم عنده، فالضالُ ينتظر منه الهداية بإذن الله عز وجلَ والمهموم والمغموم ينتظر منه الكلمة التي تبدد بإذن الله الهم، والغم، والحائر والتائه ينتظر منه التوجيه، والإرشاد حتى تذهب الحيرة ويذهب التيه، فإذا به يلتزم بدين الله عز وجل.

 

 

- الصبر والحلم وسعة الصدر:

 

كذلك من الأمور التي ينبغي للداعية أن يحرص عليها وأن يكون محافظًا عليها: سعة الصدر، فالداعية تواجهه مواقف حرجة، يأتيه السفيه بسفهه، والطائش بطيشه، والغاوي بغوايته، فيتسع صدره للناس حتى يستطيع أن يسع الناس بهذا الحلم.

 

 

- رفق الداعية إلى الله بالمدعوين:

 

وأخيرًا وليس بآخر على الداعية إلى الله أن يلتزم بالقول الحسن والأسلوب الذي فيه رفقٌ بالناس، فإن الله بعث رسوله صلى الله عليه وسلم رحمةً للعالمين، ما بعثه صخّابًا ولا لعّانًا ولا سبّابًا، إنما بعثه لكي يكون رحمةً للأمة ولكل من اتبعه، فما خُيّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما، وكان صلى الله عليه وسلم رفيقًا بالأمة، فكل ما كان من تشريع أو أمر فيه ضيقٌ على الأمة إلا سأل ربه أن يخفف وأن يلطف بعباده، فينبغي على الداعية إلى الله أن يلتزم هذا النهج في تحبيب الناس للخير، وهذا يحتاج منه إلى القول الطيب، وأن يكون في دعوة الناس حليمًا رحيمًا رفيقًا.

 

وإذا أراد الله أن يحرم الداعية التوفيق، سلّط عليه الشيطان فأزلّه بلسانه، فاتجه إلى الناس سابًا أو شاتمًا أو كاشفًا لعوراتهم أو مبددًا لأعمالهم، حتى ينفر الناس من دعوته، فليتق الله الداعية، ولا يكن حجرة عثرة في قبول الخير، ينبغي أن يأخذ الناس باللطف واللين، وعليه أن يعرف كيف يخاطب الناس، وكيف يقرع القلوب، وكيف يوجه، وكيف يدل على الخير.

الزيارات: 14