محتسبات في الهيئة

المجموعة: الأسرة والمجتمع نشر بتاريخ: الثلاثاء، 14 تشرين2/نوفمبر 2017 كتب بواسطة: wdawah
 
 

 

محتسبات في الهيئة

بقلم د.قذلة القحطاني

في الوقت الذي كنت بصدد كتابة مقال عن الحسبة في الحرمين وأهمية ذلك، وضرورة أن يكون هناك عنصر نسائي قائم بهذا الأمر ـ لما نرى في هذه الأماكن الشريفة من منكرات وبدع وشركيات وتبرج وسفور ـ طالعتنا مجلة "الدعوة" الغراء (في عددها 1865 بتاريخ 18 شعبان 1423هـ) عن تحقيق بعنوان "العلماء والدعاة يناقشون تعيين محتسبات في الهيئات"، شارك فيه عدد من العلماء الأفاضل وشمل التحقيق جميع الجوانب الشرعية والاجتماعية. مما كان كافياً وشافياً، لذا أحببت المشاركة في هذا الموضوع مؤيدة لهذا الرأي، حيث إن المطلع على أوساط النساء في هذا الزمن يلمس أهمية ذلك؛ لما شاع بينهن من منكرات وتقليد أعمى وتبرج وسفور وانحراف في السلوك والأخلاق، مما يحتم قيام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

 قال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَر..ِ} (التوبة: 71). قال النحاس - رحمه الله -: "في ذكره تعالى المؤمنات هنا دليل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على النساء كوجوبه على الرجال حيث وجدت الاستطاعة" (تنبيه الغافلين ص196)، ولوجود كثير من الأماكن النسائية، كالأسواق والمشاغل والحدائق والملاهي والنوادي والمراكز، وغيرها، مما أدى بالصالحات المستقيمات إلى أن انقسمن إلى قسمين:

فمنهن من قاطعت هذه الأماكن كلياً واحتجت بعموم المنكرات فيها، وهناك من ذهبت - وهم قلة - بقصد النصح والإنكار، مع ما تجد في ذلك من إعراض ،بل ومنع لها من إقامة هذه الشعيرة، وقد يطلب منها الخروج إن أرادت الاستمرار ـ للأسف -؛ لذا أهيب بأصحاب القرار والمسئولين المبادرة في تنفيذ هذا المشروع،

وأطرح بين أيدهم هذه المقترحات:

أولاً: ضرورة إيجاد إدارة نسائية خاصة بالحسبة في الحرمين؛ لصد المنكرات التي تبدر من النساء في هذه الأماكن الطاهرة الشريفة، حيث نرى ـ خصوصاً في المواسم ـ من إظهار البدع والشركيات وتبرج النساء وإظهارهن للزينة وكشف الوجوه ،ولبس عباءات الزينة والفتنة ما لا يخفي على أحد ذهب إلى هذه الأماكن، مما يندى له الجبين وتحزن له قلوب الصالحين، ومما كان سبباً في فتنة الرجال، فيكون من مهام هذه الإدارة:

نصح هؤلاء النساء وتوجيههن بالحكمة والموعظة الحسنة إلى الالتزام بأوامر الله وتذكيرهن بشرف المكان والزمان.

- إلزام جميع النساء ـ عدا القواعد منهن ـ بتغطية وجوههن حتى ولو كن من غير هذه البلاد، أسوة بنساء هذه البلاد، ولما في كشف الوجه من الفتنة والإغراء، وأخذاً بالراجح من الأقوال وما دلت عليه النصوص.

التحذير من الشركيات ودعاء غير الله وطلب المدد، ونحو ذلك مما نسمعه كثيراً في الطواف والسعي وفي المسجد النبوي، فيوجه الجاهل وينبه الغافل.

- عمل توعية للنساء ـ وخصوصاً في الحرم النبوي ـ لانفصال النساء عن الرجال مما يمكن من إقامة دروس ومحاضرات تستضاف فيها الداعيات وطالبات العلم وتكون مستمرة طوال العام، ويركز فيها على تجريد التوحيد، والارتباط بالله تعالى ودوام مراقبته.

ثانياً: حسن الاختيار لمن يقمن بهذا العمل، والحرص على أن تتم فيهن الشروط المطلوبة من كونها خريجة لكلية شرعية، مع حسن سيرتها، وتحضر تزكيتين من عالمين معروفين، ولتكن من أهل الرفق وحسن الخلق. قال سفيان الثوري - رحمه الله -: "لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر إلا من كان فيه خصال ثلاث: رفيق بما يأمر، رفيق بما ينهى، عدل بما يأمر، عدل بما ينهى، عالم بما يأمر، عالم بما ينهى" (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، للخلال، ص46). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: "والرفق سبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولهذا قيل: ليكن أمرك بالمعروف بالمعروف، ونهيك عن المنكر غير منكر..." (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لابن تيمية، ص17)، وليعلم هؤلاء الأخوات أنهن بهذا العمل أصبحن من صفوة المجتمع ومن الغرباء فيه، فلا ضير عليهن كما قال ابن القيم - رحمه الله -: "فأهل الإسلام في الناس غرباء، والمؤمنون في أهل الإسلام غرباء، وأهل العلم في المؤمنين غرباء، وأهل السنة الذين يميزونها من الأهواء والبدع غرباء، والداعون إليها الصابرون على أذى المخالفين: هم أشد هؤلاء غربة، ولكن هؤلاء هم أهل الله حقاً فلا غربة عليهم، وإنما غربتهم بين الأكثرين الذين قال الله عز وجل عنهم: {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ..} (الأنعام:116)، فأولئك هم الغرباء من الله ورسوله ودينه، وغربتهم هي الغربة الموحشة، وإن كانوا هم المعروفين المشار إليهم" (مدارج السالكين 3/ 196). وكذلك من حسن الاختيار: اختيار الهيئة الإدارية الواعية ذات الرأي الصائب والعلم والبصيرة وبعد النظر، وأنقل في هذا المقام كلاما رائعا للعلامة الشيخ الإمام -محمد بن إبراهيم آل الشيخ ـ رحمه الله - في الاحتساب، حيث اشترط أربع قوى لإقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقال: "والمقام يفتقر إلى قوة علمية، وقوة إرادية، وقوة تنظيمية، وقوة تنفيذية؛ فبالقوة العلمية يعرف الطريق ليسلك، وبالقوة الإرادية يسلك الطريق ويستمر في السير، وبالقوة التنظيمية تحصل قوة السير وكماله، وبالقوة التنفيذية تحصل الثمرة والنتيجة..." (مجموع فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ).

ثالثاً: إقامة دورات شرعية، لإعدادهن وتزويدهن بما يلزم للقيام بهذه العمل، ويكون اجتيازها شرطاً للقبول، وتكون مكثفة ومركزة، ويقوم عليها مجموعة من العلماء وطلبة العلم المعروفين.

رابعاً: أن يطبق كتجربة أولاً في مدينة الرياض، فإن تم نجاحه - ونؤمل ذلك - فليعمم على كل منطقة ومحافظة وتوابعها بلا استثناء.

وختاماً: أسأل الله تعالى أن يوفق الجميع لما يحب ويرضى، ويجزي القائمين على هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خير الجزاء ويثبتهم على الحق ويعينهم عليه، وعلى رأسهم معالي الرئيس العام لهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فضيلة الشيخ "إبراهيم الغيث".

...................................................

تاريخ المادة: 19/11/1429.
الزيارات: 19