** الأدب النبوي في واقع حياتنا **

المجموعة: الأسرة والمجتمع نشر بتاريخ: الثلاثاء، 14 تشرين2/نوفمبر 2017 كتب بواسطة: wdawah
 
 

 

بقلم : د. قذلة آل مفلح.

...........................

 

في جو أخوي فريد كان اللقاء التربوي في ( ورشة الأدب النبوي ) التي أقامتها إدارة التوعية الإسلامية بوزارة التربية والتعليم بمشاركة بعض الإدارات الأخرى كالتطوير والمناهج والإشراف التربوي والإعلام التربوي ....

 

ولقد تحققت - بحمد الله - أهداف هذا اللقاء بشهادة الجميع وكان له آثار ملموسة وواضحة لكل من شارك فيه , وكان شعاره ( الأدب النبوي سلوك راق ومنهاج حياة )وإنني بهذه المناسبة أتساءل عن دورنا جميعا ودور المؤسسات التربوية والاجتماعية في تفعيل الأدب النبوي في واقع حياتنا ... فيما لا شك فيه أن الدفاع عن المصطفى صلى الله عليه وسلم ونصرته آية عظيمة تدل على عمق الإيمان والمحبة والإجلال لنبي الرحمة وهادي البشرية عليه صلوات الله وسلامه , وإن من نصرته نشر دينه والدعوة إليه صلى الله عليه وسلم , والذب عنه والرد على من سبه وشتمه واستهزأ به صلى الله عليه وسلم ...

إلا أن أعظم ما تكون به نصرته هو بالتأسي به صلى الله عليه وسلم في اعتقاده وعباداته وسننه وآدابه وأخلاقه ومعاملاته وتعليمه ودعوته وامتثال أوامره كلها وجعلها سلوك عملي يسير عليه المربون وسائر أفراد المجتمع .

 فيصبح المربي ترجمان عملي لأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وآدابه , يجد فيه المتربي قدرة عملية يستقي منها من نبع أخلاقه صلى الله عليه وسلم وهذا عنوان الصدق .

قال تعالى :{لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ}(8:سورة الحشر).

وعنوان الفلاح قال تعالى :{فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}(157: سورة الأعراف).

إن كل موقف في حياة المصطفى صلى الله عليه وسلم يحوي ( مدرسة كاملة ومنهاج حياة ) جمع فيه كل ما يحتاجه المتربي من التعليم والتربية والرفق والشفقة والحب وخفض الجناح وهذا ما شهد الله تعالى به لنبيه صلى الله عليه وسلم فقال تعالى :{وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} (4: سورة القلم).

وشهد له أهل بيته وأشد الناس قرباً منه فعن صفية رضي الله عنها قالت : ( مارأيت أحسن خلقاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم ) وتقول عائشة رضي الله عنها عن خلقه :( كان خلقه القرآن ).

وهذا الأدب النبوي هو الذي جعل معاوية بن الحكم يقول في  قصته المشهورة عندما شمّت رجلآً في صلاته -  (بأبي هو وأمي ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه والله ما ضربني ولا كفرني ولا سبني ولكن قال صلى الله عليه وسلم : إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هو التسبيح والتكبير وتلاوة القرآن ).

 

ومن هنا أقف مع القارئ الكريم بعض الوقفات أمام  مسؤوليتنا تجاه تطبيق الأدب النبوي :-

 

الوقفة الأولى :-

 

غرس محبة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في نفوس الناشئة فمما لاشك فيه أن الجيل يواجه تحديات , وتتنازعه  أطراف متعددة , متباينة الأهداف والاتجاهات , ومن أبرزها :-

 

* الغزو الفكري بجميع صوره وأشكاله بما يحمله من محاربة الإسلام وتشويه صورته , ونشر الشبهات .

* الماسونية بشعاراتها البراقة التي تدعو إلى الفساد الأخلاقي والتحلل في القيم والمبادئ بوسائلها المنتشرة .

* الفراغ الذي يعانيه النشء , ورفقاء السوء ودعاة الرذيلة وعبيد الفكر الغربي وغير ذلك من التحديات المعاصرة .

لذا كان لزاماً علينا غرس هذه المحبة الإيمانية ليتشربها الجيل فتكون حصناً منيعاً له يحول بينه وبين مخالفة الحبيب ... كما تجلى ذلك في نفوس الصحابة رضوان الله تعالى عليهم فحينئذ فدوه بالنفس والمال والولد ففي غزوة أحد تقف أم عمار نسيبة بنت كعب الأنصارية تذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف وترمي عنه القوس , حتى خلصت إليها الجراح وكان على عاتقها جرحٌ أجوف له غور أصابها به ابن أبي قمئة أقمأه الله وهي تذب بنفسها عن نبيها عليه الصلاة والسلام , وكذلك أبو دجانة يقول ابن إسحاق -  رحمه الله -  " ترس أبو دجانة دون رسول الله بنفسه يقع النبل في ظهره وهو منحن عليه حتى كثر فيه النبل " أ.هـ    

كما حرصوا على تتبع أفعاله وصفاته وأقواله .. والسير من حيث سار والصلاة في المكان الذي صلى فيه اجتهاداً منهم لشدة حبهم له صلى الله عليه وسلم , حتى كان الواحد منهم يعبر عن الوصية بقوله ( أوصاني خليلي رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا ...) 

 

الوقفة الثانية :

 

دراسة سيرته صلى الله عليه وسلم وتعميقها في نفوس الجيل سواء دراسة منهجية صفية , أو لا منهجية , ووضع الحوافز المادية والمعنوية للنهل من معينها الفياض بإقامة مسابقات وأبحاث على مستوى برامج ومشاريع علمية تتبناها الدولة, وتكون على مستوى محلي أو إقليمي .

وإيجاد وسائل لتبسيط الأدب النبوي للناشئة بأسلوب مشوق وعرض مميز يدفع القارئ للتأسي والاقتداء .

 

 الوقفة الثالثة :

 

نشر الصحيح من الأحاديث وتمييزها عن الأحاديث الضعيفة والواهية وإحياء السنن المندثرة وكم هو جميل أن يسعى طلبة العلم وملاك دور النشر و رجال الأعمال لتبني مشروعات ضخمة على غرار( نضرة النعيم ) ... تهتم بهذا الشأن .

 

الوقفة الرابعة :

 

بذل الجهد في التحليل والاستنباط للمواقف التربوية في الأدب النبوي لوضع طرائق تدريس جديدة , ومناهج تعليمية تقوم على أسس هذا الهدي النبوي .

 

ومن الأمثلة لهذه المواقف :-  

 

حديث أبي رفاعة قال : ( انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب قال : فقلت ثم  يا  رسول الله رجل غريب جاء يسأل عن دينه لا يدري ما دينه قال : فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وترك خطبته حتى انتهى إلي فأتى بكرسي حسبت قوائمه حديداً قال : فقعد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل يعلمني مما علمه الله ثم أتى خطبته لأتم آخرها )... تأمل في هذه المعاني العظيمة التي اشتمل عليها هذا الموقف من التواضع والرفق والشفقة على المتعلم , وخفض بالجناح , واللطف في التعامل , والصبر على تعليم جاهل .

وهذا أدب نبوي عظيم كم نحن بحاجة إلى تفعيله في برامجنا وفي المحاضن التربوية عموماً.

 

ومن المواقف أيضاً:-

 

حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيح : ( أن أعرابياً بال في المسجد فثار إليه الناس ليقعوا به فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : دعوه و أريقوا على بوله ذنوباً من ماء أو سجلاً من ماء فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين )... فتأمل هذا الموقف وما اشتمل عليه من الرفق ومراعاة الحال, وحل المشكلات والرحمة وقاعدة التيسير وطريقة التعليم والتوجيه ,كما جاء في روايات أخرى للحديث أنه دعا الأعرابي فأجلسه إلى جواره , وقال :( إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر إنما هي لذكر الله عز وجل والصلاة وقراءة القرآن ) , فكان أثر ذلك أن أطلقها الأعرابي رافعاً بها صوته ( اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً ).

ومن المواقف قوله صلى الله عليه وسلم لأبي كعب : ( يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم قال : قلت الله ورسوله أعلم قال : قلت : الله لا إله إلا هو الحي القيوم قال : فضرب على صدري وقال : والله ليهنك العلم أبا المنذر) رواه مسلم رقم 44(1/556) .

وهذا نوع فريد من التعزيز والثناء على المميز , تجعلها ذكرى في أعماق القلب لا ينساها المتعلم طيلة حياته .

إن كثيراً من المواهب تموت لأنها لم تجد من يرعاها ويقوم على ريها وتعهدها لتؤتي ثمارها.

إننا في الميدان التربوي نواجه الكثير من المواقف المشابهة , وهذا يدعونا لتعميق القيم الإسلامية في نفوس الجيل من خلال غرس الآداب النبوية , بحيث تكون قواعد نسير عليها لتتمثل فيها القدوة الحية , وبهذا يتم تعزيز الأدب النبوي في الوظائف الاجتماعية للبيئة المدرسية , فتصبح ميداناً للراحة والانسجام والسعادة التي تجعله يود ألا يخرج منها .

  

الوقفة الخامسة :

 

التواصل والترابط بين المؤسسات التعليمية لتفعيل هذا الأدب النبوي , ومعنى ذلك التواصل بين المعلمين والمشرفين وإدارات التعليم لتفعيل الخطط وتنفيذها ومتابعتها , والتواصل بين التربويين في جميع مراحل التعليم العام والتعليم العالي والتواصل مع أولياء الأمور , بل تواصل المجتمع بكافة مؤسساته التعليمية لجعل هذا الهدي والأدب النبوي منهاج نسيرعليه في حياتنا كلها .

 

الوقفة السادسة :

 

التفاؤل وعدم اليأس والقنوط ليعلم أعداء الإسلام أن كيدهم واستهزاءهم بنبينا لا يضعفنا بل يقوينا , ولا يكسر عزيمتنا بل يشدها , ولا يحط هممنا بل يرفعها ويعليها , فكلما اشتد البلاء واحتشدت الجموع .. كان القلب متعلقاً بالله عازماً على الاستمرار ومؤملا للنصر .

 

وختاماً: 

 

أسأل الله تعالى أن يجعلنا جميعاً ممن نصر نبيه صلى الله عليه وسلم , واقتدى بسيرته واتبع منهاجه, ونسأله تعالى أن يوردنا حوضه ويسعدنا بشفاعته.. آمين

            وصلى الله عليه وسلم .

...................................................

   

 

 

تاريخ المادة: 19/11/1429.
الزيارات: 6