** عندما تكون الداعية قدوة في إحياء الأمة **

المجموعة: الأسرة والمجتمع نشر بتاريخ: الثلاثاء، 14 تشرين2/نوفمبر 2017 كتب بواسطة: wdawah
 

                         

بقلم : أ. نادية الهداب.

.........................

 

في ظل الأحداث المؤلمة والأوضاع المفجعة للأمة نحتاج إلى بناء النفوس وتربيتها على الإيمان وإعداد جيل يعيد الحياة ويرسم الأمل من جديد جيل من الدعاة المصلحين والأبطال العاملين ..

وإن هذا البناء لهو من أصعب الصناعات التربوية وفي الوقت نفسه هو من أهمها بل هو من أولى الأولويات .

وسوف نعرض للقدوة وهي أهم وسائل التربية التي من خلالها يمكن أن نبني جيلاً من الدعاة والمصلحين .

فمهما كان للقول من تأثير فإن الأفعال أعلى صوتاً من الأقوال وأمضى سلاحاً , والرسول صلى الله عليه وسلم هو القدوة الأولى والمربي الأول .

فامتلاء قلوبنا وقلوب المتلقين بمحبته يدفعنا إلى التأسي به والسيرعلى هديه وأخلاقه .

 

 لا تقل كيف ولا أين الوصول   وأتبع خير الملا ذاك الرسول

 

 ونشيرهنا إلى بعض الركائز لتفعيل القدوة التي هي أساس بناء الفرد في المجتمع الدعوي مع ضرب أمثلة من حياة المصطفى عليه الصلاة والسلام وأصحابه ومن سارعلى هديه واتبع سنته .

 

1- تحرير القلوب :

 

الخطوة الأولى : في زرع قوة التغلب على هوى النفس هو تحرير القلب من العبودية لغير الله ثم الانطلاق نحو الحياة الحقيقية في مصاف الصادقين المخلصين , وشعارهم :{وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى}(84) سورة طـه .

روى ابن إسحاق عن معاذ بن عمرو بن الجموح قال : سمعت القوم وهم يقولون : أبا جهل لا يخلص إليه فجعلته من شأني فصمدت نحوه فلما أمكنني حملت عليه فضربته ضربه قطعت قدمه بنصف ساقه وضربني ابنه على عاتقي فطرح يدي فتعلقت بجلده من جنبي , وأجهضني " أي غلبني واشتد علي"  القتال عنه فلقد قاتلت عامة يومي وإني لأسحبها خلفي , فوضعت عليها قدمي ثم تمطيت عليه حتى طرحتها !!!

انظري كيف فعلت تلك الروح السامية ! ألم ودماء ولكن :

           

  مادام عرقي نابضاً    لن تعرف النفس ارتياح

 

2- الصبر والثبات على المبدأ :-

 

إن الألم والابتلاء هو سمة بارزة في حياة الدعاة .

{أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} ( 3,2 : سورة العنكبوت ).

فالصبر ضروري لكل من أراد أن يسلك هذا الطريق ,{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (200: سورة آل عمران).

بل لقد جعل الله الإمامة في الدين قائمة على أصلين هما الصبر واليقين ,{وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} (24: سورة السجدة ).

 

فكم من الدعاة أشعلوا في قلوب الأجيال حب العمل والجهاد وبصبرهم وثباتهم .. 

* فهذا الإمام أحمد رحمه الله يحمل للمأمون في أيام الفتنة ويدخل عليه المروزي وهو أحد أصحابه فيقول : يا أستاذ قال الله تعالى : {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ } (29: سورة النساء ) فقال الإمام أحمد : يا مروزي أخرج انظر أي شيء ترى , قال : فخرجت إلى رحبة دار الخليفة فرأيت خلقا من الناس لا يحصى عددهم إلا الله والصحف في أيدهم والأقلام والمحابر في أذرعهم فقال لهم المروزي : أي شيء تعملون ؟ فقالوا ننظر ما يقول أحمد فنكتبه , قال المروزي : مكانكم : فدخل إلى الإمام فقال له : رأيت قوماً بأيدهم الصحف والأقلام ينظرون ما تقول فيكتبونه فقال الإمام أحمد : يا مروزي أضل هؤلاء كلهم ! أقتل نفسي ولا أضل هؤلاء .

 

* وهذا الشيخ أحمد ياسين رجل شلت أطرافه الأربع يربي أمة كاملة ويضرب لها مثلاً حياً في الإباء ويرسم لها منهجاً في التضحية تتوارثه الأجيال المؤمنة .

 

3- العبادة وتوثيق الصلة بالله :-

 

ما أحوج الأمة إلى ذلك الداعية الذي يبذل قصارى جهده في التربية والتعليم فإذا جن عليه الليل ونامت العيون نصب قدميه للحي القيوم .

بهذه القلوب العامرة بالإيمان والمتعلقة بالله انطلق الصحابة رضي الله عنهم ومن سار على نهجهم دعاة فاتحين ففتحت لهم البلاد وأقبلت عليهم قلوب العباد , قال الإمام الذهبي :-

ثبت عن الإمام أحمد أنه كان يصلي غير الفرائض في اليوم والليلة ثلاثمائة ركعة فلما سجن وضرب في سبيل الله ما استطاع أن يصلي إلا مائة وخمسين ركعة من غير الفرائض !!

 

4- طلب العلم :

 

إذا كان العلم ضرورياً لكل مسلم فالداعية القدوة هو أكثر الناس حاجة لتعلم العلم ...

قال عمر رضي الله عنه :  " تعلموا العلم قبل أن تسودوا ".

مع مراعاة الأدب في الطلب والتواضع لأهله وحفظ الجميل لأساتذته ومعلميه قال الإمام الشافعي : الحر من حفظ ود لحظة وتعليم لفظه ..

 

- أما الصبر على الأذى من أجلّه ؛ فمن صوره :

قال أبي نصر القرطبي كنا ندرس عند أبي علي الغالي في جامع الزهراء في قرطبة بالأندلس في فصل الربيع فبينما أنا ذات يوم في طريقي إلى المجلس إذ أخذتني سحابة فما وصلت إلى مجلس الشيخ إلا وقد ابتلت ثيابي كلها وحول الشيخ أعلام قرطبة فلما رآني مقبلاً بالماء على ثيابي أدناني منه وقال : مهلا يا أبا نصر لا تأسف ولا تحزن على ما عرض لك  فهذا يضمحل عنك بسرعة بثياب تبدلها بغير ثيابك ولكن أسمع ما عرض لي وترك أثراً وندوباً وجروحاً تدخل معي القبر" يريد أن يعلمه درساً في الصبر" قال : كنت أدرس عند أبي مجاهد فذهبت إليه في آخر الليل قبل طلوع الفجر لأتقرب منه وأستفيد ؛ فلما وصلت وجدت الباب مغلقاً وعسر علي فتحه فقلت سبحان الله أبكر هذا البكور ثم أغلب على القرب منه فوجدت سرب في جانب الدار ضيق فاقتحمته فلما توسطته ضاق  بي ذلك السرب وذلك النفق فلم أستطع الخروج منه قال : فاقتحمته بشدة حتى خرجت فتمزقت ثيابي وأثر السرب في لحمي حتى إنكشف العظم فوافيت مجلس الشيخ وأنا على هذه الحال فأين أنت مما أصابني !

         

 وأنشد :-

وثبت للمجد والساعون قد بلغوا   جهد النفوس والقوا دونه الأوزرا

وكابدوا المجد حتى مل أكثرهم    وعانق المجد من أوفى ومن صبرا

لا تحسب المجد تمراً أنت آكله    لن تبلغ المجد حتى تلعق  الصبـرا

 

هم أسلافنا وندعي الصلة بهم فهل هممنا مثل هممهم !!

ثم إن الغاية العظمى من العلم هي التطبيق العملي ؛ فالعمل هو الثمرة التي يجنيها الفرد والمجتمع.

 يقول ابن القيم رحمه الله : لو نفع العلم بلا عمل لما ذم الله سبحانه أحبار أهل الكتاب ولو نفع العمل بلا إخلاص لما ذم الله المنافقين .

 

5- علو النفس :-

 

يقول الإمام البخاري : رأيت في منامي الرسول صلى الله عليه وسلم كأنه يرفع خطوة وأنا أضع قدمي مكان قدمه فسألت أهل العلم عن تفسيره قالوا : أن تحفظ سنة الرسول صلى الله عليه وسلم قال : فما اغتبت مسلما منذ احتلمت .

فكيف نضع صاحب الغيبة والنميمة مع الإمام البخاري !!

وهذا الإمام الشافعي يقول : ما كذبت منذ علمت أن الكذب يضر بأهله لا جادا ًولا مازحاً , وما حلفت بالله لا صادقاً ولا كاذباً .

فأصحاب النفوس العلية العامرة بنور القرآن سليمة صدورهم نقية سرائرهم غالية أوقاتهم الناس في قيل وقال وهم في خدمة الدين ...

 

 قد رشحوك لأمر لو فطنت له    فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل

 

وهذه الصفة العظيمة هي التي رفعت أقدار الصحابة رضي الله عنهم .

فها هو ذا سفيان بن دينار يقول : قلت لأبي بشر وكان من أصحاب علي بن أبي طالب رضي الله عنه : أخبرني عن أعمال من كان قبلنا ؟ قال: كانوا يعملون يسيراً ويؤجرون كثيراً,فقال سفيان : ولم ذلك ؟ قال : لسلامة صدورهم .

والأمة الإسلامية تمر بمرحلة عصيبة وأمامها عقبات فلا وقت هنا لسفاسف الأمور التي أقل ما فيها تشتيت الفكر وتبدد الجهود وتولد الشحناء في الصدور والانشغال عن معالي الأمور .

 

6- الورع :-

 

إنها الصيانة لتلك النفوس الذكية من النظر لتلك الزينة التي تعيق الداعية عن الارتقاء والصعود ..

يحيى بن يحيى أهداه الإمام مالك لقب "عاقل أهل الأندلس" لماذا ؟؟ كان يحيى صغيراً رحل إلى الإمام  مالك يسمع منه ويتفقه , وكان الإمام مالك يعجبه سمته وعقله روى أنه كان يوماً عند مالك في جملة أصحابه إذ قال قائل : قد حضر الفيل فخرج أصحاب مالك لينظروا إليه وبقي يحيى مكانه فقال له مالك : لم تخرج فترى الفيل وهو ليس في بلاد الأندلس , فقال له يحيى : إنما جئت من بلدي لأنظر إليك وأتعلم من هديك وعلمك ولم أجئ لأنظر إلى الفيل . فأعجب به الإمام مالك وسماه "عاقل أهل الأندلس" .

إنه من المباح مشاهدة حيوان غريب ولكن وقت الداعية القدوة أضيق من أن يشغل شيئاً منه في مباح لا يجني من ورائه شيئاً لقضيته التي تشغله ليل نهار ...

 

7- الأخلاق الفاضلة :-

 

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم خير الناس في علاقته بالناس فقد كان طيب النفس لين العريكة هاشاً باشاً مقبلاً على الناس ساعياً في حاجاتهم (خير الناس أنفعهم للناس) حديث حسن (حسنه الألباني ).

والدعاة والمربون أحوج الناس للتحلي بالأخلاق الحميدة التي تأسر القلوب وتستميل النفوس .

قال عليه الصلاة والسلام : ( إن الرجل ليدرك بحسن خلقه درجات قائم الليل وصائم النهار) رواه أبو داود بإسناد صحيح , وقال عليه الصلاة والسلام : ( إن من أحبكم إلي ,وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة؛ أحسنكم أخلاقاً) رواه جابر ابن عبد الله بإسناد صحيح .

 

8- مخاطبة القلوب :-

 

يصعب على المرء أن يتعلم ويقتدي من غير أن يحب ذلك المربي وينفتح له قلبه وتطمئن عنده نفسه , فالداعية الموفق يجعل الناس يحبونه أولاً ثم بعد ذلك يأمرهم فيعملوا .

أمسك الرسول صلى الله عليه وسلم بيد معاذ بن جبل وقال له : إني لأحبك فلا تدع أن تقول دبر كل صلاة : ( اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) , وقال تعالى :{ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ }(159: سورة آل عمران).

 

9- العطاء :-

الدعاة إلى الله يبذلون للناس الخلق الحسن والجاه والوقت والطاقة ....

                                                         

 يبذلون للناس الدنيا    ويترفعون هم عن الدنيا

 

وهذا هو نهج محمد صلى الله عليه وسلم فقد كان الأعرابي يرجع إلى قومه ويقول : يا قوم أسلموا فإن محمد صلى الله عليه وسلم يعطي عطاء من لا يخشى الفقر .

وكان قدوة صلى الله عليه وسلم لأصحابه بل للأمة بأسرها فهذا أبو بكر رضي الله عنه يتصرف بماله كله ويجهز عثمان جيش العسرة ويموت مصعب ولم يجدوا له شيئاً يكفنونه به !!! فأي عطاء منحه هؤلاء وأي بذل قدموه ؟

 

ختاما ً: كوني وقفاً لله :-

 

إن العمل وبذل الجهد من أجل الأغراض الدنيوية والمغانم الفانية هو هدف طلاب الدنيا ومحبوها , وقد تسلل هذا المرض إلى نفوس بعض طلاب الآخرة فأصبح هم البعض أن يسود ويؤمر !!

مع أن الرئاسة أمانة وليس تشريف بل تكليف !!

قال الفضيل بن عياض : ما من أحد أحب الرياسة إلا حسد وبغى وتتبع عيوب الناس وكره أن يذكر أحد بخير .

إن حب الظهور: هو بداية السقوط في الهاوية وهو بوابة الفشل , وإن نصر الله وتأييده وتوفيقه لا يكون إلا للمخلصين .

{تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}(83) سورة القصص .

كان عليه الصلاة والسلام ينام على الحصير ويمر الشهر ولا يوقد في بيته نار وعاش ومات في حجرات,عرضت عليه كنوز الدنيا فردها ليعلم  الأمة درساً في العمل الخالص لله ولله فقط .

{قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}(162) سورة الأنعام .

وقد بايع عليه الصلاة والسلام الأنصار في بيعة العقبة الثانية على أن يؤوه ويمنعوه قالوا : نعم ومالنا ؟؟ قال عليه الصلاة والسلام : الجنة , وقد صدقوا ما عاهدوا الله عليه .

لم تكن مشاعر عابرة تزول مع الأيام ؛ بل كانت نابعة من إيمان خالص ويقين صادق, وبهذا الإيمان سجلوا على صفحات التاريخ أعمالاً وتركوا آثاراً فهذا الأثر فأين السالكون !!

......................................................

                                                                                                

 

تاريخ المادة: 19/11/1429.

 

الزيارات: 112