المرأة الداعية والصبر

المجموعة: الأسرة والمجتمع نشر بتاريخ: الثلاثاء، 14 تشرين2/نوفمبر 2017 كتب بواسطة: wdawah
 
 

 

بقلم : أ.عفاف العنزي.

.........................         

 

 

إن من أهم الصفات التي ينبغي أن يتحلى بها الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر الصبر،ذلك لأنه لابد له أن يتعرض إلى أنواع من الإيذاء والابتلاء بالنفس والمال والعرض وخاصة إذا سعى جادا لتحقيق إقامة شرع الله بين الناس ،فهو بحاجه إلى سلاح الصبر وهو الكفيل بتوفيق الله لأن يجعل ولاية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قائمة في مجتمعه  ، ومن الأدلة على فضل الصبر, قال تعالى :{وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا}(10) سورة المزمل,وقال تعالى حكاية عن لقمان في أمره لابنه بإقامة الصلاة , والصبرعلى ما يصيبه بسبب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ}(17) سورة لقمان.

 

يقول تعالى حكاية عن موسى عليه السلام في أمره بالاستعانة في بالله والصبرعلى الأذى :{قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}(128) سورة الأعراف.

 

 فإذا تأمل الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر الآيات السابقة وجد أنها تأمر بالصبر وتحمّل المشاق, وإن كرهتها نفسه ؛ لكن نهايتها حميدة بإذن الله تعالى ، فعليه أن يرتدي رداء الصبر, ومن ثم يُعان على أمره ونهيه بإذن الله تعالى.

 

 وفي مواضع أخرى من كتاب الله يبين سبحانه وتعالى أن الصبر سبب للنصر وأنه من عزم الأمور، يقول سبحانه مثنيا على أيوب عليه السلام :{إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ}(44) سورة ص ,وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: (قلت يا رسول الله :أي الناس أشد بلاء ؟ قال : الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل ،يُبتلى الرجل على حسب دينه ،فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه وإن كان في دينه رقه خفف عنه  وما يزال البلاء بالمؤمن حتى يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة )، والصابرون يحضون بتسليم الملائكة عليهم في الجنة بسبب صبرهم  يقول تعالى :{وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ (23) سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ }(24,23) سورة الرعد.

 

والنصوص التي تبين فضل الصبر والحث عليه كثيرة جدا وما ذكرناه هو عبارة عن إشارات تفتح الطريق أمام الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر ليتخذ من الصبر درعا يستعين به في دعوته ,وليقتدي بالرسول صلى الله عيه وسلم ، وقد كان الأنبياء قبل الرسول صلى الله عليه وسلم يواجهون في دعوتهم أذى كثيرا ومع ذلك يتحملون ويصبرون ،بل يقابلون الأذى بالدعوة لقومهم بالغفران .

 

روى مسلم في الجامع الصحيح :(حدثنا يحيى بن يحيى التميمي حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه أنه سمع سهل بن سعد يسأل عن جرح رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد فقال :جرح رسول الله صلى الله عليه وسلم وكسرت رباعيته وهشمت البيضة على رأسه ،فكانت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تغسل الدم ،وكان علي بن أبي طالب يسكب عليها بالمجن ،فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا  كثرة أخذت قطعة من حصير فأحرقته حتى صارت رمادا ثم ألصقته بالجرح فاستمسك الدم) .

 

وروي أن عتبة بن أبي وقاص رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ فكسر رباعيته اليمنى السفلى ,وجرح شفته السفلى ،وأن عبد الله بن شهاب الزهري شجه في جبهته ،وأن ابن قمئة جرح وجنته فدخلت حلقتان من حلق المغفر في وجنته ،ووقع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حفرة من الحفر التي قام على حفرها أبو عامر ليقع فيها المسلمون وهم لا يعلمون ، ،فأخذ علي بن أبي طالب بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم ورفعه طلحه بن عبيد حتى استوى قائما ،ومص مالك ابن سنان أبو أبي سعيد الخدري الدم عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ازدرده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :(من مس دمه  دمي لم تصبه النار ).

 

 وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال:( بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي عند البيت وأبو جهل وأصحاب له جلوس وقد نحرت جزور بالأمس .فقال أبو جهل :أيكم يقوم إلى سلا جزور بني فلان فيأخذه فيضعه في كتفي محمد إذا سجد ،فانبعث أشقى القوم فأخذه فلما سجد النبي صلى الله عليه وسلم وضعه بين كتفيه  قال :فاستضحكوا وجعل بعضهم يميل على بعض وأنا قائم أنظر لو كانت لي منعه طرحته عن ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم ،والنبي صلى الله عليه وسلم ساجد ما يرفع رأسه  حتى انطلق إنسان فأخبر فاطمة فجاءت وهي جويرية فطرحته عنه ثم أقبلت عليهم تشتمهم ، فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم صلاته رفع صوته ثم دعا عليهم ،وكان إذا دعا دعا ثلاثا ،وإذا سأل سأل ثلاثا،ثم قال :اللهم عليك بقريش ثلاث مرات ،فلما سمعوا صوته ذهب عنهم الضحك وخافوا دعوته ،ثم قال :اللهم عليك بأبي جهل بن هشام وعتبه بن ربيعه وشيبة بن ربيعه والوليد بن عقبة وأمية بن خلف وعقبة بن أبي معيط وذكر السابع ولم أحفظه،فو الذي بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق لقد رأيت الذين سمى صرعى يوم بدر ثم سحبوا إلى القليب قليب بدر) , هذا بالنسبة للأذى الحسي .

 

وأما الأذى المعنوي فقد ورد عن أسامة بن زيد رضي الله عنه:(أن النبي صلى الله عليه وسلم ركب حمارا عليه إكاف تحته قطيفة فدكيه وأردف وراءه أسامة وهو يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج وذاك قبل وقعة بدر ،حتى مر بمجلس فيه أخلاط من المسلمين  والمشركين عبدة الأوثان واليهود فيهم عبد الله بن أُبيّ وفي المجلس عبد الله بن رواحة فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة ،خمر عبد الله بن أُبيّ أنفه بردائه ثم قال :لا تغبروا علينا فسلم عليهم النبي صلى الله عليه وسلم ثم وقف ونزل فدعاهم إلى الله وقرأ عليهم القرآن ،قال :عبد الله بن أُبيّ :أيها المرء لا أحسن من هذا إن كان ما تقول حقا فلا تؤذنا في مجلسنا ،وارجع إلى رحلك فمن جاءك منا فاقصص عليه ،فقال عبدالله بن رواحة: اغشنا في مجالسنا فإنا نحب ذلك ، قال: فاستب المسلمون والمشركون واليهود حتى هموا أن يتواثبوا فلم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يخفضهم ثم ركب دابته حتى دخل على سعد بن عبادة فقال :أي سعد :ألم تسمع إلى ما قال أبو حباب (يريد عبد الله بن أُبيّ ) قال: كذا وكذا ، قال :اعف عنه يا رسول الله واصفح ،فو الله لقد أعطاك الله الذي أعطاك ،ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة أن يتوجوه فيعصبوه بالعصابة فلما رد الله ذلك بالحق الذي أعطاكه شرق بذلك فاعمل به ما رأيت فعفا عنه النبي صلى الله عليه وسلم) .

 

فهذا النموذج الثابت عن الرسول صلى الله عليه وسلم تبين لدعاة مدى صبر الرسول صلى الله عليه وسلم وتحمله صنوف الأذى ،الأذى الحسي والمعنوي ومع ذلك لم يثنه شيء من هذه الأمورعن تبليغ دعوة ربه وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر صلوات الله وسلامه عليه.فليتأمل الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر تلك الصور العظيمة وليقتدي بالرسول صلى الله عليه وسلم ، ولقد حكى الله عن إبراهيم عليه السلام ما قابله من قومه وما لقيه منهم ، قال تعالى {قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (97) فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ}(98,97 ) سورة الصافات

 

لم تكن نساء الصحابة رضي الله عنهم جميعا منزويات في جهة ما ينشرن العلم ويجبن على أسئلة المستفتيات فقط ،بل كان لهن شأن عظيم في الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولا يخشين في الله لومة لائم .

 

أم المؤمنين ميمونة تنكرعلى شارب الخمر، ففي سير أعلام النبلاء ( للذهبي ) في ترجمة ميمونة بنت الحارث زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن ذا قرابة لها دخل عليها فوجدت منه ريح شراب فقالت : لئن لم تخرج إلى المسلمين فيجلدوك لا تدخل علي أبدا، إنها رضي الله عنها تقرر أنه إن لم يبادر بالإقلاع عن المعصية والتوجه إلى المسلمين لإقامة الحد عليه ،فلا مكانة له عندها أبدا وهذا نابع من غيرتها على دين الله تعالى وإنكارها للمنكر فور وقوعه دون مجاملة .

 

وفي  موقف أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها مع الحجاج ما يبين الصلابة والقوة في الدين عند هذه المؤمنة وكيف واجهت الحجاج بذلك الكلام العجيب  الذي أظهر شجاعتها في الحق وأنها لا تخاف في الله لومة لائم كما كان لنساء الصحابة دور كبير في الدعوة إلى الله تعالى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع عامة الناس فقد كان لهن دور كذلك في توجيه أزواجهن وأولادهن إلى كل خير ،وتحذيرهم من كل شر.

 

 أخرج أحمد في المسند عن عائشة رضي الله عنها قالت :(امرأة أبي رافع مولى النبي صلى الله عليه وسلم تستأذنه على أبي رافع وقالت : إنه يضربني فقال: مالك ولها ؟ قال :إنها تؤذيني يا رسول الله .قال : بم آذيته يا سلمى ؟ قالت ما آذيته بشيء ،ولكنه أحدث وهو يصلي ،فقلت :يا أبا رافع ،إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر المسلمين إذا خرج من أحدهم ريح أن يتوضأ،فقام يضربني ،فجعل صلى الله عليه وسلم يضحك ،ويقول : يا أبا رافع ،لم تأمرك إلا بخير) .

 

وروي عن عائشة أن رجلا كان في دار لها ، وكان يلعب بالنرد ،فقالت له إن أخرجت النرد من منزلك ،وإلا أخرجتك من داري .

 

وكذلك أم الدرداء الصغرى عن عثمان بن حيان ،قال :أكلنا مع أم الدرداء طعاما ،فأغفلنا الحمد لله ،فقالت لا تدعوا أن تأدموا طعامكم بذكر الله عز وجل أكل وحمد خير من أكل وصمت .

 

وكذلك فاطمة بنت عباس قال السيوطي : سيدة نساء زمانها ،كانت وافرة العلم ،حريصة على النفع والتذكير ،ذات إخلاص وحشمة ،وأمر بالمعروف ،انصلح بها نساء دمشق ،ثم نساء مصر ،وكان لها قبول زائد ،ووقع في النفوس.

 

فهاهي أم سليم رضي الله عنها تكون سببا في إسلام أبي طلحة رضي الله عنه فعن أنس رضي الله عنه قال :خطب أبو طلحة أم سليم فقالت : والله ما مثلك يا أبا طلحة يرد ،ولكنك رجل كافر وأنا امرأة مسلمة ولا يحل لي أن أتزوجك ،فإن تسلم فذاك مهري وما أسألك غيره ، فأسلم فكان ذلك مهرها ، قال ثابت : فما سمعت بامرأة قط كانت أكرم مهرا من أم سليم ،فدخل بها فولدت له.

 

وكان لنساء المسلمين عبر التاريخ جهد في تعليم العلم ,وتدريس كتاب الله تبارك وتعالى فهذه فاطمة بنت زعبل  قال عنها أبوسعد السمعاني ,امرأة صالحة عالمة تعلم الجواري القرآن ،سمعت من عبد الغافر جميع صحيح مسلم ،وغريب الحديث للخطابي وغير ذلك وقال عنها الذهبي :الشيخة العالمة المقرئة الصالحة المعمرة .

 

وتتساءل الفتاة المسلمة اليوم حين ترى هذه النماذج , وماذا عساها أن تصنع ؟ وما الدورالذي يمكن أن تقوم به في نصرة الدين ؟

 

1- المرأة الداعية حين تكون لزوج أخذ على عاتقه القيام بأعباء الدعوة إلى الله ونصرة الدين فتكون خير معين وسند له في القيام بعبء الدعوة فتهيء له البيت المريح, وتعتني  بأولاده وترعاهم , وتقف خلفه ناصرة ومؤيدة كما كانت خديجة رضي الله عنها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قائله له (والله لا يخزيك الله أبدا ).

 

2- حين تكون معلمة تدرس فتيات المسلمين وتقابلهم صباح مساء فلها حينذاك دور أيما دور.

 

3- في محيطها وعالمها الخاص وهي تلميذة أو جارة أو قريبة حين تحمل النصيحة والكلمة الطيبة والدعوة الصادقة فهي تقدم جهدا لا ينكر في نصرة دينها .

 

4- حين تكون أم تحسن رعاية أبنائها وتغرس في نفوسهم المعاني الجميلة .

 

5- الصبر صفه تحلى بها أعظم الدعاة وهم الأنبياء فصبروا في تبليغ الدعوة وتحملوا الأذى في  ذلك .

 

6- كما أن الأنبياء ابتلوا وصبروا فعلى الداعية أن تعلم أن طريقها ليس مفروشا بالورود.

 

7- أن الداعية في بداية طريقها للدعوة ستجد من يوافقها في الرأي ,ومن يخالفها فعليها أن تتحلى بالصبر وتتقبل نقد الآخرين لها بصدر رحب .

........................................................................

 

 

 

تاريخ المادة: 19/11/1429.

 

الزيارات: 5