(التربية الصالحة للأبناء)

المجموعة: التربية والتعليم نشر بتاريخ: الأربعاء، 23 أيار 2018 كتب بواسطة: محرر 1

 

 

 

(التربية الصالحة للأبناء)

 

للشيخ: صالح الفوزان.

 

 

   الحمد لله رب العالمين، جعل الأولاد الصالحين قرة لأعين الوالدَين المصلحين، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، الصادق الأمين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرا، أما بعد:

  أيُّها الناس، اتقوا الله تعالى، واعلموا أن الأولاد مثل الأموال: (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ)، فكما يُمتحن الإنسان بالأموال يُمتحن بالأولاد: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ)، فالأولاد يبتلي الله بهما الوالدَين، هل يقومان بإصلاحهم وتربيتهم على الخير أو يضيعانهم، ويتساهلان في شأنهم؟ ولكل من الحالتين عواقب إما صالحة، وإما فاسدة، فالولد مسؤولية على الأب يُبتلى به، هل يعتني به أو يضيعه؟ فإن اعتنى به صار قرة عين له في الدنيا والآخرة، وإن ضيعه فإنه يكون حسرة عليه: (وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ)، وإن الصلاح والفساد لهما أسباب، هما مقدران من الله جلَّ وعلا؛ ولكن هذا القدر له أسباب من قبل العبد، فإن قام الوالد بتربية أولاده على الخير من الصغر صاروا صالحين بإذن الله لأن والدهم بذل السبب، والله يعينه على ذلك، وأما إن أهملهم ولم يسأل عنهم نشئوا على الضياع وحينئذ يصعب عليه إرجاعهم إلى الإصلاح:

إن الغصون إذا عدلتها اعتدلت **** ولا تلين إذا كانت من الخشب.

فبادروا أولادكم وفقكم الله في التربية الصالحة، وحذروا من تضيعهم فإنكم في زمان تلاطمت فيه الفتن، والشهوات، والشبهات، وكثر دعاة الضلال ودعاة الشر بأشخاصهم وبالوسائل التي ينشرونها، فاتقوا الله في أولادكم، النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ)، أصل المولود أنه على الفطرة وهي الدين، دين الإسلام: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)، فإذا حافظ الوالد على فطرة ولده ونماها بالخير شب عليها، وكبر عليها واستمر عليها بإذن الله، وإذا أفسد فطرته فسدت هذه الفطرة، مثل التربة الطيبة التي تنبت الخير والإنتاج، إذا أفسدت التربة فإنها لا تنتج، الفطرة كذلك، الفطرة مهيأ للخير، قابلة للإصلاح والصلاح؛ لكن إذا اعتراها ما يفسدها فإنها تفسد، والسبب في ذلك هو الوالد، فحافظوا على فطرة أولادكم، ونموها في الخير، قال صلى الله عليه وسلم: (مُرُوا أَوْلاَدَكُمْ بِالصَّلاَةِ لسَبْعِ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لعَشْرِ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ)، تدرج مع الطفل من حين يميز، إذا بلغ السابع من عمره فإنَّه يؤمر بالصلاة، ويلزم من ذلك أن يُعَوّد على الوضوء والطهارة، ويعلم الصلاة وما يجب فيها وما يسن، حتى يتعود عليها، وينشأ عليها، فإذا بلغ العاشرة إما أن يكون بلغ الاحتلام، وإما أن يكون قد راهق البلوغ فحينئذ يُنتقل إلى مرحلة ثانية في التربية: (وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لعَشْر)، فإذ تساهل في الصلاة فإنه يُضرب عليها حتى يذوق الألم والعقوبة، فيحافظ على الصلاة ويستمر عليها هكذا أرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم مع الأولاد نتدرج بهم في أسنانهم، وأمَّا ما يشاع الآن من أن تربية الولد أو ضربه  وتأديبه أن هذا من العنف الأسري فهذا جاءنا من أعداءنا من الغربيين المفسدين الذين يريدون أن يفسدوا علينا زوجاتنا وأولادنا، ويسمون هذا بالعنف الأسري، وهذه هي التربية الإسلامية التي تنشأ الأجيال على الصلاح والإصلاح، والعنف الأسري هو التضييع هو تضييع الأولاد والنساء، هذا هو العنف الأسري، وأما استصلاحهم فهذا هو الصلاح والإصلاح الذي جاء به ديننا.

  عباد الله، إن حق الولد على والده سابق لحق الوالد على ولده، بعض الناس يقول أنا لي حق على الولد، نعم لك حق؛ لكن هو أيضًا له حق عليك قبل حقك، وذلك بتربيته، ولذلك إذا بلغ وهو رجل صالح بالتربية الصالحة وكبر والده واحتاج إلى البر، الله --جل وعلا-- أمر الولد أن يقول: (وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا)، كيف إذا لم يربيه وهو صغير؟ هل يرجو منه البر؟ لا، كلا وألف كلا، إن الولد الصالح قرة عين أبيه حيًا وميتا، ففي الحياة يبر به، ويخدمه، ويقوم بمصالحه خصوصًا إذا كبر، وبعد الموت يدعو له، وينفذ وصاياه، وأوقافه، ويتولى شؤونه بعد موته خليفة لوالده، قال صلى الله عليه وسلم: (إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلاَّ مِنْ ثَلاَثَةٍ إِلا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ)، أمَّا إذا كان الولد فاسدًا فإنه يدعو عليه، ولا يدعو له، والسبب في ذلك هو الوالد الذي ضيع ولده صغيرًا فعقه كبيرًا حيًا وميتا، فاتقوا الله في أولادكم، لا تضيعوهم، بعض الناس يظن أن تربية الولد أن يُعطى المال، تُشترى له السيارة، تُوفر له الشهوات، ويقول أنا والله ما قصرت مع ابني، بل قصرت هذا هو التقصير والضياع، هذا المال الذي تعطيه إياه، وهذه السيارة التي تشتريها له هذا ضياع له.

إن الشباب والفَراغَ والجدة  **** مَفسَدَةٌ لِلمَرءِ أَيُّ مَفسَدَة

فأنت أعطيته وسائل الفساد، ملأت جيبه بالمال، وأعطيته السيارة التي يذهب بها إلى حيث يشاء فأنت عرضته للفساد، نعم نقول أعطي ولدك، أنفِق عليه، اشتري له سيارة؛ لكن لاحظه، وراقب تصرفاته، ولا تهمله، لا تهمل ولدك حتى يكبر ويصير رجلًا، يتصرف لنفسه ما دام أنه دون البلوغ فهو في عهدتك، وأنت مسؤول عنه أمام ربك، وفساده بسببك، وبسبب إهمالك، فاتقوا الله في أولادكم: (يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ)، فالأولاد حملٌ حمّل الله به الوالد، فعليه أن يتقي الله، أمانة أأتمنه الله فعليه أن يتقي الله في أمانته، الولد لا شك يحتاج إلى تعب، يحتاج إلى صبر؛ فالذي ليس عنده صبر ولا يصبر التعب مع ولده فإنه يضيعه، بعض الناس يقول: أنا ما بيدي حيلة، الهداية بيد الله، أنت لم تبذل شيء حتى تقول أنا ما بيدي حيلة، الهداية بيد الله إذا تسببت في طلب الهداية، فالله قريب مجيب؛ لكن إذا ضيعت أسباب الهداية فلن تحصل لك الهداية بل يحصل لك العكس.

  فاتقوا الله عباد الله، وليكن الوالد قدوة صالحة لولده قبل كل شيء، قدوة هو في نفسه يكون قدوة لولده، فكيف إذا كان الوالد فاسدًا يمارس الفساد، يضيع الصلاة، ينام عن الصلاة، لا يأتي إلى البيت إلا للأكل والشرب، وإلا فإنه في الاستراحات، وقصور الأفراح، والرحلات، وغير ذلك، ولا يسأل عن أولاده، هل هذا والد؟! ليس والدًا يتحمل المسؤولية أمام الله سبحانه وتعالى، كن قدوة صالحة لأولادك قبل كل شيء، أيضًا الدعاء للأولاد، إبراهيم عليه السلام قال: (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ)، أشرك نبيه معه في الدعوة: (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ)، أدعو لأولادك مع فعل السبب في تربيتهم، أدعو الله أن يعينك وأن يصلحهم، أخلي بيتك من وسائل الفساد، وسائل الاتصالات الفاسدة من الأغاني والمزامير، والصور الخليعة، وإلا سيكون بيتك وكرًا للفساد، اجعل بيتك طاهرًا محل عبادة وذكر لله، لا يسمع فيه إلا الذكر، وتلاوة القرآن، والكلام الطيب، الكلام البريء النزيه، علِّم ولدك القرآن، واختر له المدرسة الصالحة بمديرها وبمدرسيها، وبطلابها، اختر له المدرسة الصالحة وتابعه في دراسته، واسأل عنه، وساعده على الدراسة، وشجِّعه عليها، إذا أعطيت أحد أولادك عطية فأعطي الآخرين مثله، قال صلى الله عليه وسلم: (اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بين أَوْلاَدِكُمْ)، وهبَ رجل من الصحابة هبةً لولده فقالت أمه حتى تشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذهب ليشهد الرسول على عطية ولده قال صلى الله عليه وسلم: (أَكُلَّ وَلَدِكَ أَعْطَيْتَهُم مثل هَذَا)، قال: لا، قال: (أشهد على هذا غيري، فَإِنِّي لا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٌ)، وقال صلى الله عليه وسلم: (أَيَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا لكَ فِي الْبِرِّ سَوَاءً)، قال: نعم، قال: (فَلاَ إِذًا)، يعني: لا تعطي بعضهم وتترك الآخرين، حتى الكلام إذا كانوا حاضرين لا تخص واحدًا منهم بالكلام، والضحك معه، والثناء عليه؛ بل لاحظ الآخرين تكلم مع الجميع، شجع الجميع، أدعو للجميع، ولو كانوا دون مستوى هذا الذي يعجبك، فهم أبناؤك كلهم، وكلهم حقهم عليك.

  فاتقوا الله عباد الله، لاحظوا أولادكمَ لكن ماذا نقول الآن والوالد لا يعرف أولاده، إمَّا بمتابعة المال، وطلب المال والتجارة، وإمَّا في أماكن اللهو والغفلة والسهر في الاستراحات، في قصور الأفراح، في النزهات في غير ذلك، ولا يسأل عن أولاده، وكذلك الأم، الأم أيضًا صارت مثل الرجل لا تستقر في البيت، تخرج لوظيفتها، تخرج لدراستها، تخرج لزميلاتها، وترك أولادها، فيكون الأولاد أين يذهبون؟ إلى دور الرعاية، دور الحضانة تربيهم من لا يرحمهم ولا يعطف عليهم، يربيهم من لا يسأل عنهم، أجير إنما مثل الذي عنده قطيع من الغنم يحفظها أن يخرج منها شيء، أما أنه يراعي أخلاقهم ودينهم هذا شأن الوالدين، أما الأجنبي فلن يهمه صلاحهم أو فسادهم، إنما هو أجير كراعي الغنم يحفظها من الضياع فقط.

  فاتقوا الله عباد الله، ولاحظوا أولادكم فإنكم في زمان أشد ما يكون فتنة، اتقوا الله عباد الله، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً).

  أيها الناس، اتقوا الله تعالى، فإن من آثار سوء التربية والتضييع ما تشاهدونه الآن من تصرفات الشباب، تصرفاتهم السيئة، كثير منهم أن يفحط الشوارع يضر نفسه ويضر الآخرين، ويزعج الناس والجيران، ويعرض الناس للخطر، كم حصل فيه من وفيات؟ كم حصل فيه من ضياع للأموال وخراب للسيارات وما هي النتيجة؟ لكن الولد عنده شيء يريد أن يفرغه لأنّه لم يشغل بشيء نافع، ولا شغل بشيء صالح، إنما أعطي وسيلة الفساد وتُرك، وتوقعوا ما يحصل من الناس من الدعاء على والده؛ بل بعضهم يلعنه، يلعن الوالد الذي ترك ابنه يؤذيهم بهذه الصفة، ويعرضهم للخطر، لاحظوا الجدران، جدران البيوت كيف يعبث الطلاب الشباب فيها بالكتابات وكتابات سيئة، إذا قرأتها إذا هي كتابات دعارة فساد تدل على أن عندهم في ضمائرهم شحنة من الفساد، يُفرغونها على الجدران، ويُكتبونها على الجدران، لا تضيعوا أولادكم فهذه جرائم واضحة من آثار التربية السيئة، وتظهر علانية للناس، والله لاحظنا الكفار في ديارهم يربون أولادهم؛ لكنهم يربونهم التربية الدنيوية، يربونهم يضبطونهم، لا تلاحظ عليهم شيء مع كثرة أولادهم، وهم كفار! فكيف بالمسلمين أن يكونوا بهذه الصورة السيئة؟

  واعلموا أنهم فتنة لكم تصلحونهم أو تفسدونهم، وأنكم مسؤولون أمام الله عنهم، فإذا صلحوا صاروا قرة عين لوالديهم حتى في الجنة، قال الله سبحانه: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ)، قال المفسرون: إن الولد إذا كان في الجنة هو وأبوه، وأبوه أعلى منزلة منه فإن الله يرفع الولد إلى درجة أبيه من أجل أن يأنس به وتقر عينه به، فيكون قرة لعين والده في الدنيا وفي الآخرة.

  عباد الله، إن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد --صلى الله عليه وسلم-- وشر الأمور مُحدثاتها، وكل بدعة ضلالة، وعليكم بالجماعة، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار، الجماعة حين الفتن، وحين الشرور ألزموا جماعة المسلمين، وإمام المسلمين، قال الحذيفة بين اليمان --رضي الله عنه-- لما ذكر النبي --صلى الله عليه وسلم-- الفتن التي تحدث، قال: (ما تأمرني عند ذلك يا رسول الله قال: (أن تَلْزَم جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ)، فقال: فإن لم يكن لهم إمام ولا جماعة، قال: (اعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ عَلَى أَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ)، وكذلك الجماعة في الصلاة والمساجد إن يد الله مع الجماعة، احرصوا على صلاة الجماعة وصلاة الجمعة في المساجد، لتنالكم الرحمة من الله سبحانه وتعالى، إن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار، من شذ عن جماعة المسلمين وإمام المسلمين شذ في النار، وخلع ربقة الإسلام من عنقه كما في الحديث.

الزيارات: 57