(إلى طالبات العلم قبل فوات الأوان)

المجموعة: الأسرة والمجتمع نشر بتاريخ: الأربعاء، 23 كانون2/يناير 2019 كتب بواسطة: محرر 1

(إلى طالبات العلم قبل فوات الأوان)

 

هيا الرشيد.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

في الفترة الأخيرة ظهرت بوادر مفرحة لكثير من بنات مجتمعنا المسلم، ألا وهي الحرص الزائد على طلب العلم، سواء عن طريق الدراسة في الجامعات، أو البحث والتلقي بشكل خاص على يد الثقات، وكلا الطريقتين نجدها صائبة -إن شاء الله- فكم نشعر بالسعادة عندما نتحلَّق حول إحداهن، ونغرف من ينابيع علمها فوائد قيِّمة كالماء الزلال، وكم نشعر بالفخر عندما تداهمنا علامات استفهام حول موضوع ما، ولا نجد ضرورة للبحث عن عالم أو طالب علم كالسابق، إذ نجد بغيتنا في بنات مجتمعنا بأسهل السبل وأيسرها في كثير من المسائل، وهذه منَّة عظيمة من المولى عز وجل، وما أحرى البقية الباقية من فتياتنا أن يحذين حذوهن، ويحرصن كل الحرص على تحصيل هذه الكنوز قبل أن تأخذهن دوَّامة الحياة في أعمال لها أول وليس لها آخر، فما أروع من أن تقضي الفتاة المسلمة جُلَّ وقتها في تحصيل ميراث النبوة، وتستزيد منه ومن ثم تنشر دقائقه في مجتمعها؛ لتنفع به أفراد المجتمع على اختلاف فئاتهم.

ولكننا بطبيعة البشر سنفتقر إلى الكمال في كل شيء، ومن خلال الرحلة الجميلة لطالبة العلم تنسى شيئًا مهمًا في حياتها، وركيزة أساسية من ركائز المجتمع المسلم، وهي بناء بيت مسلم، وإنجاب ذرية صالحة تذود عن الدين والحمى، ففي البداية تجد نفسها صغيرة، وفي منتصف الرحلة تجد ظروفها صعبة، ولا تستطيع من خلالها التوفيق بين طلب العلم والبيت، وفي المرحلة الأخيرة تكون قد قاربت سن الثلاثين وشارفت على نهاية مسيرتها العلمية، ولكنها في نفس الوقت قد افتقدت العمر الذهبي الذي يرغب الرجال من خلاله فيها لتكوين بيت وأسرة، فألف نعم للعلم والشهادة العالية، وألف لا للمماطلة في الزواج من أجل العلم، فكم امرأة مسلمة متعلمة ذات بيت وأولاد لم تكمل تعليمها إلا بينهم، تعاني صراخهم، ويؤلمها عبثهم بأوراقها، وتمزيقهم لكتبها، ومع ذلك سارت دفَّة الحياة، وكبر الأولاد، وانتهت معاناتها معهم وكأنها لم تكن، وحصَّلت في نفس الوقت علمًا واسعًا يضاهي علم زميلاتها اللاتي قبعن أسيرات له مجردًا ونسين من فرط الحماس دورهن الأساسي في هذه الحياة.

قد يكون التصريح بمثل هذه المواضيع مؤلمًا، ولكن التذكير مهم، خاصة أنه قد يتبادر إلى ذهن بعضهم بأن سن الثلاثين وما حولها مناسب للزواج ولا يوجد مانع لذلك، ولكني أُذَكرُ فقط بأن لسن الثلاثين دوّامة أخرى أشد قسوة، فلن يمنع هذا السن من الزواج أو الإنجاب، ولكن نوعية الزواج في هذه السن المتأخرة ستكون غالبًا على عكس ما تتمنى طالبة العلم، إذ إنها قد تقترن بمعدد، فإن كانت ترفض فكرة التعدد في بداية حياتها الزوجية سيكون لها المطلق أو الأرمل بالمرصاد، وإلا ستكون النتيجة هي البقاء دون زواج، وقد يكون هناك حالات شاذة لهذا الموضوع، ولكن النادر لا حكم له وكلامنا عن الوضع على وجه العموم لا الخصوص.

أختي طالبة العلم..

إن خطوتك نحو تحصيل العلم هي خطوة مباركة وصائبة، وعملك على نقله لنساء مجتمعك سواء من خلال عملك الرسمي، أو اجتهاداتك التطوعية يعتبر أيضًا عملاً رائعًا ستجدين نتيجته -إن شاء الله تعالى- ولكن الخطأ كل الخطأ أن تجعلي العلم يأخذك بعيدًا عن وظيفتك الحقيقية، ويفقدك دورك الرئيس في مجتمعك، فأنت أحرى والله أن تكوني أمًا في بداية حياتك العلمية، وأن تكوني مربية فاضلة يستنير المجتمع بتجاربك مع زوجك، وأطفالك، وأن تكوني منبرًا مضيئًا لنساء المجتمع من خلال حياتك الأسرية، وأن تكوني مثلاً أعلى في مسيرة كفاح طويلة تجمعين فيها بين البيت والعلم.

الزيارات: 97