(اغتنموا أبويكم قبل الرحيل)

المجموعة: الأسرة والمجتمع نشر بتاريخ: الثلاثاء، 06 آذار/مارس 2018 كتب بواسطة: محرر 1

 

(اغتنموا أبويكم قبل الرحيل)

 

كتبته: أميمة الجابر

 

نشعر كثيرًا بنعمة البصر ونحن مبصرون، ولن نشعر بنعمة السمع طالما آذاننا سليمة مصغية، ولن نشعر بنعمة الحركة والحيوية أثناء السير والتنزه؛ لكننا عندما نفتقد أحد حواسنا حينئذ ندرك قيمة النعم التي نمتلكها، ونحن غير شاعرين بها.

النعم أمامنا، وبين أيدينا، ومن خلفنا، ولا نستبق اغتنامها، أو الاهتمام بها، أو الشكر عليها كما ينبغي.

أحدثكم عن نعمة غالية من أهم النعم وأعظمها بين أيدينا "آباؤنا وأمهاتنا" لكننا نشعر بهم، وكأنهم كغيرهم ممن حولنا من الناس، ولا نساوي علاقتنا بهم كعلاقتنا بالآخرين من حولنا، نغضبهم، ونغفل عنهم، ونباعدهم، وربما ننساهم! فالأبناء بعد زواجهم أكثر ما يفعلونه هو تخصيص يوم كل فترة لزيارة أبويهم بينما أيام متتالية ينشغلون عن الأحبة، ينشغلون عن أقرب القلوب إليهم، عن أكثر من يحن إليهم ويحبهم على وجه الأرض! هؤلاء المعتبرون بين الناس بارين واصلين!.

انتبهوا أيها الغافلون إن أبويكم معكم اليوم فهل هم معكم غدًا! الفرصة ما زالت بين أيديكم يقول صلى الله عليه وسلم: (خاب وخسر من أدرك أبويه أو أحدهما في كبره ولم يدخل الجنة) البخاري. فالجنة جائزة البار لوالديه، غنيمة كل مجتهد لرضاهما، كل من يدخل السرور والسعادة في قلبيهما، كل من يسقي أمه وأباه شربة ماء باردة في يوم حار أو يتذكرهما بهدية يقدمها إليهما بحب، الجنة هدية السهر عليهما في كبرهما، وفي مرضهما، هدية لكل من يحن عليهما مسارعًا لقضاء حوائجهما، هدية الابتسامة عند لقائهما، والصبر عند بلائهما.

أما من يسوّف السؤال عنهما، ويساوي علاقته بهما بعلاقته بالناس من غيرهما، أو يدخر أمواله عنهما، أو يقلل من زيارتهما، أو من يقطع الوصال بينه وبينهما، أو يفضل أهله وأولاده عليهما، أو يكتنز مشاعره وحنانه عنهما، سيشعر بما بخل وادخر بعد رحيلهما.

رد الجميل حق علينا، وكما اهتما بنا بينما نحن لم نكن نستطيع لأنفسنا حراكًا؛ فلنرعهما كبارًا عندما يكونون في أمس الحاجة إلى أيدينا، ولنصاحبهما في الدنيا معروفًا وبرًا وعطاءً كما صاحبونا من قبل عطاء بلا حدود.

إن الحصاد دائمًا يكون لِما بُثَّ في جوف الأرض، فمن بث شوكًا فسيحصده، ومن زرع نباتًا حسنًا ورعاه فلينتظر، أما مَن فقد أغلى الناس، واستشعر الأزمة، واحتواه الألم بعد والديه أو أحدهما بعد تقصيره معهما فليستغفر الله آناء الليل وأطراف النهار على كبير جرمه، وثقيل همه، وليسع ليكون ولدًا صالحًا فيكتب لهما من فعله الصالح بعد رحيلهما عنه.

فيا أمي أنتِ حملتني تسعة أشهر وكنتِ سعيدةً بحملي رغم وهنك وضعفك، وسهرتِ الليالي لراحتي، وبذلتِ لسعادتي، قدمتِ شبابك كله هدية لي، وصحتكِ رعاية لي حتى هرمتِ، وعطاؤك دائم مستمر بلا انقطاع.

وأنت يا أبتِ قدمتَ عطاءك حتى آخر لحظة في حياتك، قدمتَ الحنان والرعاية والكرم والفضل حتى آخر اللحظات.

فيا أبوَيَّ لكما من قلبي الدعاء الخالص، ومن عملي ما أستطيع ردًا لجميل صنيعكما، ونقي قلوبكما، أوصانا الله القدير بكما في كتابه العزيز فقال: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانًا، إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أفٍ ولا تنهرهما، وقل لهما قولاً كريمًا، واخفض لهما جناح الذل من الرحمة، وقُلْ ربِ ارحمهما كما ربياني صغيرًا)، فحذرنا من التأفف في وجهيكما، أو الإساءة لكما بالقول أو الفعل، وأمرنا بالسمع والطاعة لكما، فاعذرونا إن كنا غفلنا أو أهملنا، وسامحونا إن كنا تعدينا أو تطاولنا، فربما غرتنا منكما المسامحة، وربما اعتمدنا على قلبيكما النقية، وثقتنا أنكما لن تحملا منا حزنًا أو ألمًا، وأنتما وبلا شك أهل لتلك الثقة.

الزيارات: 179