سوء تفاهم عابر

المجموعة: الأسرة والمجتمع نشر بتاريخ: الأربعاء، 15 تشرين2/نوفمبر 2017 كتب بواسطة: wdawah
سوء تفاهم عابر
عدد التعليقات : 0
الكاتب:
 

بقلم/ أ.عادل بن سعد الخوفي.

 

 

الخلافات في العش الزوجي؛ كالملح للطعام,لا يخلو بيت منها،وكل من ظن أن بيته مليء بالخلاف دون غيره فقد وهم ! ولكن " للبيوت أسرار " .

فكما أن الطعام لا يُستَساغ إن خلا من الملح ؛ فالحياة الزوجية كذلك ! قليل من الخلافات فيها تُعطي الزوجين رونقاً وجمالاً ، وتُؤكد مكانة أحدهما لدى الآخر ، وتُبعد عن حياتهما الرتابة والسآمة .

 

يقول أحد علماء الاجتماع : " لقد دلتني التجربة على أن أفضل شعار يمكن أن يتخذه الأزواج لتفادي الشقاق ، هو أنه لا يوجد حريق يتعذر إطفاؤه عند بدء اشتعاله بفنجان من ماء ، ذلك؛ لأن أكثر الخلافات الزوجية التي تنتهي بالطلاق ترجع إلى أشياء تافهة ،وتتطور تدريجياً حتى يتعذر إصلاحها " .

 

بعد يوم مليء بالعمل الجاد ، عاد " سعيد " عصراً إلى منزله ، وقد أنهكه التعب, والجوع ، طالباً من زوجته " سعاد " طعام الغداء .

-       سعاد : أبشر حبيبي سعيد .

-       سعيد : شكراً .

-       سعاد : تفضَّل ، أكلة ستأكل أصابعك من لذَّتها .

بدأ سعيد يأكل لقمته الأولى ، وما أن وضعها في فَمِه حتى أعادها سريعاً !

-       سعيد : لم يتبقَّ ملح إلا وقد وُضِعَ في الطعام ، طعام لا يُحتمل !!

اتجه سعيد إلى غرفة نومه ، تاركاً سعاد تتذوق الطعام ، لتتأكد أن نسبة الملح كانت أكثر من المطلوب فعلاً ، ثم حملت ابتسامتها الهادئة ، ودخلت على سعيد قائلة :أنا آسفة جداً يا زوجي الغالي سعيد ، والله لا أذوق راحة حتى ترضى ، ارتح قليلاً ، وسأعد لكَ من الطعام ما يَسرُّ خاطرك بإذن الله ، فو الله ليس عندي في دنياي أغلى منك .

-       سعيد : شكراً زوجتي الحبيبة، سأرتاح قليلاً فيما أنتِ تُعدِّين الطعام .

 

هذا ,وذاك سوء تفاهم عابر ، والأجمل أن نبقيه بهذه الصفة " عابراً " يحصل نتيجة مجريات الحياة التي نعيشها مع شريك حياتنا ، فنتقبل من الخلافات ما يُقَرِّبنا إليه ، فإن الملح إن كان قليلاً سببٌ لكمال اللذة في الطعام .

 

أما إذا تجاوز هذا القدر ، وجعلنا من اختلاف وجهات نظرنا ، أو من تصرفات أحدنا فاصلاً بيننا وبينه ، فالنتيجة : أمراض عدَّة ، قد لا نستطيع السيطرة عليها؛ كزيادة في ضغط الدم ، وزيادة في نسبة جلطات الدماغ ، وجلطات القلب ، والفشل الكلوي ، وهشاشة العظام ، وحصوات الكلية ، وهذا معناه حكم بالإعدام على حياتنا الزوجية ، بدلاً من أن نصنع من هذا الخلاف أو ذاك " مضاداً حيوياً " يقينا ما بقينا ، ويحفظ لنا شَراكتنا بحول الله .

 

لنَلِج إلى بيت الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم  ، وننظر كيف كان يتعامل مع الخلافات العابرة ؟ كيف كان يُديرها بنظرة القائد الحكيم ؟

عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه  قَالَ : ( كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم  عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ ، فَأَرْسَلَتْ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِصَحْفَةٍ فِيهَا طَعَامٌ ، فَضَرَبَتْ الَّتِي النَّبِيُّ  صلى الله عليه وسلم فِي بَيْتِهَا يَدَ الْخَادِمِ ، فَسَقَطَتْ الصَّحْفَةُ ، فَانْفَلَقَتْ ، فَجَمَعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم  فِلَقَ الصَّحْفَةِ ، ثُمَّ جَعَلَ يَجْمَعُ فِيهَا الطَّعَامَ الَّذِي كَانَ فِي الصَّحْفَةِ ، وَيَقُولُ : غَارَتْ أُمُّكُمْ ، ثُمَّ حَبَسَ الْخَادِمَ ، حَتَّى أُتِيَ بِصَحْفَةٍ مِنْ عِنْدِ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا ، فَدَفَعَ الصَّحْفَةَ الصَّحِيحَةَ إِلَى الَّتِي كُسِرَتْ صَحْفَتُهَا ، وَأَمْسَكَ الْمَكْسُورَةَ فِي بَيْتِ الَّتِي كَسَرَتْ ). [1]

وفي رواية : [2] ( عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا يَعْنِي أَتَتْ بِطَعَامٍ فِي صَحْفَةٍ لَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابِهِ فَجَاءَتْ عَائِشَةُ مُتَّزِرَةً بِكِسَاءٍ وَمَعَهَا فِهْرٌ ( أي حجر ) فَفَلَقَتْ بِهِ الصَّحْفَةَ فَجَمَعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم  بَيْنَ فِلْقَتَيِ الصَّحْفَةِ وَيَقُولُ كُلُوا غَارَتْ أُمُّكُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ أَخَذَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم صَحْفَةَ عَائِشَةَ فَبَعَثَ بِهَا إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ وَأَعْطَى صَحْفَةَ أُمِّ سَلَمَةَ عَائِشَةَ).[3]

صورة من صور الخلاف التي وقعت في بيت نبي الأمة صلى الله عليه وسلم ، وقد تقع في بيت أحدنا ، الفارق هو كيفية تعامله صلى الله عليه وسلم مع المشكلة ، مع أنها حصلت بمرأى من أصحابه ، وهو نبيهم ، وقائدهم ، ومرشدهم صلى الله عليه وسلم   .

 

ثلاث خطوات فقط أنهت الموضوع برمته :-

 

الأولى : عَذَرَها لغيرتها ، وهو أمرٌ قد جُبلت عليه النساء ، وأبدى احترامه لها ، واحتفاظها بمكانتها ، بل وقد اعتذر لها ، فقال :( غارت أمكم ، غارت أمكم ).

قَالَ الطِّيبِيُّ [4]: " الْخِطَاب عَامّ لِكُلِّ مَنْ يَسْمَع بِهَذِهِ الْقِصَّة مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اِعْتِذَارًا مِنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِئَلَّا يَحْمِلُوا صَنِيعهَا عَلَى مَا يُذَمّ ؛ بَلْ يَجْرِي عَلَى عَادَة الضَّرَائِر مِنْ الْغَرِيزَة فَإِنَّهَا مُرَكَّبَة فِي نَفْس الْبَشَر بِحَيْثُ لَا تَقْدِر أَنْ تَدْفَعهَا عَنْ نَفْسهَا ، وَقِيلَ خِطَاب لِمَنْ حَضَرَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ".

 

الثانية : لم يجعل الأجواء متوتِّرة ، وجمع الطعام بيده الشريفة مباشرة ، وطلب من أصحابه أن يبادروا بالأكل ، فتمضي الجلسة على ما كانت عليه ، وكأن شيئاً لم يكن .

 

الثالثة : ضَمَنَ لزوجته الأخرى مُرسِلة الطعام بديلاً عن صحفتها على مبدأ " أن من أتلف شيئًا فعليه ضمانه " ؛ أَخَذَ صَحْفَةَ عَائِشَةَ إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ وَأَعْطَى صَحْفَةَ أُمِّ سَلَمَةَ عَائِشَةَ رضي الله عنهما.

 

أرأيتم كيف يمكن أن تُقاد المشكلة ؟ فتستجيب طواعية لقائدها ، إننا إذا تعاملنا مع المشكلات بحكمية ورويّة ، أدرناها ، ووجهناها الوجهة السليمة ، وحفظنا لنا ولأسِرِنا استقرارها,وسعادتها, ولُحمتها .

 

إما إذا دخلنا في المشكلة ، فأسلمنا لها القياد ، وكُنا تبعاً لطيشها وعبثها وتخبطاتها ، فقل على الحياة الزوجية السلام ، فإنها ستبقى تحت نفث الشيطان الرجيم ، ولن تهدأ حتى تقتلع جذور هذه الشراكة المباركة ، ولن تقف إلا عند بوابة " الانفصال " .

قال صلى الله عليه وسلم  : ( إن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة يجيء أحدهم فيقول : فعلت كذا و كذا فيقول : ما صنعت شيئا و يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه و بين أهله فيدنيه منه و يقول : نعم أنت ).[5]

 __________________________________________

 

[1] : رواه البخاري رحمه الله .

[2] : رواه النسائي رحمه الله .

[3] : في رواية الدارمي رحمه الله : (  قَصْعَةً فِيهَا ثَرِيدٌ  ) .

[4] : عون المعبود شرح سنن أبي داود : 9 / 422.

[5] : رواه مسلم رحمه الله .

 _________________________

 

تاريخ المادة: 4/8/1431.
الزيارات: 128