أم عظيمة .. وثلاث كفيفات

المجموعة: فقه الاحتساب نشر بتاريخ: الثلاثاء، 01 أيار 2018 كتب بواسطة: محرر 1

 

حكاية وآية : أم عظيمة .. وثلاث كفيفات

كتبته: هند عامر

 

بدأت الحكاية في  آخر عام 1428هـ حيث التحقت بمعهد شرعي لعدة أشهر.

وفي أحد المرات استأذنت من الأستاذة بالخروج من المحاضرة لمراجعة الورد المحدد.

ذهبت وجلست في استراحة داخلية مفروشة بالسجاد، وكان هناك فتاة تملك وجها بشوشا وترتدي نظارة جميلة.. لم تكن تفعل شيئا سوى الجلوس !!

سألتها: كم الساعة الآن؟ نظرت إلي بنفس الابتسامة وقالت: لا أدري؟

فقط أجابت بـ (لا أدري) وعادت إلى صمتها.

تعجبت من ردها المختصر .. وابتسامتها !!

 وبدأت أبحث عن ساعة الحائط, كانت الساعة تقارب التاسعة والنصف صباحا.

انشغلت بالمراجعة ثم رن الجرس معلنا انتهاء المحاضرة, خرج بعض الفتيات وبدأ الضجيج يحيط بالمكان.

فجأة.. قامت تلك الفتاة بهدوء وسارت قليلا حتى وصلت إلى أطراف السجاد, ارتدت حذائها واتجهت لباب القاعة المجاورة للاستراحة.

كنت أشيعها بنظري وأنا في غاية التعجب!

في اليوم التالي رأيت تلك الفتاة تستند على إحدى زميلاتي وهي تركب الحافلة, ظننتها متعبة, لكن كانت المفاجأة حينما سألت زميلتي .. قالت لي زميلتي:

أنا أسندها لأن (فلانة كفيفة)

- دعونا نسمي الفتاة باسم بيان ليسهل سرد الحكاية-

ظننت أن زميلتي تلك تمازحني .. لكنها الحقيقة بيان كفيفة وهي تحفظ مكان القاعة التي تدرس فيها لهذا ذهبت بهدوء وكأنها مبصرة!

بعد عدة أيام سألت زميلة اخرى عن حفظ (بيان) للقرآن ؟

أخبرتني أن بيان في المستوى الثالث وهي خاتمة للقرآن بل وحفظها متقن, وأتت هنا للمراجعة وتصحيح التلاوة فقط !!

 

 

 

في بداية عام 1429 هـ كان هناك حفل تكريم الخاتمات.. وكلفت حينها من قبل مشرفة النشاط

بتصميم العرض المرئي الخاص بالحفل.

بعد الحفل توجهت للمقاعد الأخيرة كان هناك وجه تعلوه البشاشة .. مشابه تماما لوجه بيان.. حتى أني ظننت أنها هي.

اقتربت منها وسلمت عليها وباركت لها وسط تعجب منها !! حينما خرجت من القاعة تفاجأت بوجود بيان أمامي ضمن مسيرة الخاتمات.

تساءلت: ومن تكون تلك في آخر القاعة؟ أخبروني أنها شقيقة بيان، وأخبرتني زميلة أخرى

أن بيان هي إحدى ثلاث شقيقات كفيفات وكلهن خاتمات للقرآن !!

شعرت بصدمة.. قلت في نفسي: يستحيل أن يحدث ذلك, كيف استطعن ختم القرآن في ظل هذه الظروف؟

سألت زميلتي: من الذي تعاهدهن بالقرآن حتى حفظنه؟ قالت: والدتهن, كلما رزقت بمولودة وأخبروها الأطباء أنها كفيفة, عاهدت نفسها على أن تجعل ابنتها من حفظة القرآن. تكرر ذلك ثلاثة مرات .. وكأنها في كل مرة تشكر الله على هذا الابتلاء!! قلت: دلوني على تلك الأم العظيمة.

وحينما ذهبت إليها، وجدت امرأة ذات روح مرحة ووجه مبتسم.. ولا يصدق الناظر لها أن لديها 3بنات في العشرين من العمر.

سلمت عليها وهنأتها ثم قلت: سأطلب منك طلبا ..فلا ترديني خائبة؟

قالت: أحاول .. ان استطعت ؟

قلت: اسمحي لي أن أقبل رأسك, والله أن امرأة مثلك تستحق أن نقبل رأسها .. ليس أنا فحسب بل كل الحاضرات لهذا الحفل.

قالت: لا والله .. هو بتوفيق الله.

وأصرت أن لا أقبل رأسها .. حتى رضخت أنا لرغبتها.

لم تنته الحكاية..

بعد مدة من نفس العام اضطررت لعدم متابعة دراستي في المعهد, والتحقت بالعمل في إحدى المؤسسات.

مرت عدة شهر فشعرت بالجفاف الروحي الذي يخلفه العمل الإداري البحت, العمل الإداري مضني للروح مهما كان المكان الذي تعمل فيه.. إلا إذا تعاهدت نفسك ببرنامج قرآني تحيي به روحك.

قررت أن ألتحق بدار تحفيظ قريبة, وفي الدار كانت معلمتي كفيفة أيضا!! أذهلتني قدرتها المدهشة على الحفظ! إذ كنا نقرأ عليها و تصحح لنا وكأن المصحف امامها لشدة اتقانها - بارك الله لها -

وفي أحد الأيام وبالمصادفة قرأت اسمها على الباب فتفاجأت.. لقد كانت تحمل نفس اسم عائلة بيان!

عدت لأتأمل ملامح معلمتي فإذا هي شقيقة بيان !!

وفي عام 1432 هـ في العشر الأواخر من رمضان، ذهبت إلى جامع الدخيل في الرياض لتأدية صلاة القيام, فتصادف وجودي في أحد الممرات مع فتاة تشبه بيان وكانت أمها تمسك بيدها.

مددت يدي للأم، قلت: أنا هند عامر زميلة بيان, هل أنت والدتها؟

قالت: نعم – وتهلل وجهها –

صافحتها وسألتها عن أحوالها، ثم قلت: أي بناتك هذه؟

قالت: فلانة

فإذا هي الشقيقة الثالثة .. أتت لتصلي قيام الليل مع القارئ ياسر الدوسري الذي عرف بطول صلاته!!

يالله .. يالله .. يالله

أي سمو هذا.. وأي همة عالية رأيتها في هؤلاء الأخوات الكفيفات ؟!

لم يمنعهن حرمان البصر من أن يصلن لهدفهن رغم العوائق..

لم يمنعهن من أن يحرصن على مرضاة الله بأكثر ما يفعل المبصرون!! من أن يمتلكن ثقة عالية بالنفس  مستمدة من ثقتهن بربهن ..

كن مثابرات ومحتسبات .. ورائعات  - بارك الله لهن حفظهن وهمتهن -

أسأل الله لهن جميعا الثبات والسداد

وأخص والدتهن بدعوة.. أن يديم الله عليها الاحتساب ويكتب لها أجر صبرها الجميل.

 

كانت هذه الحكاية أما الآية.. (هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ) (الرحمن : 60 )

يقول ابن كثير : (ما لمن أحسن في الدنيا العمل إلا الإحسان إليه في الدار الآخرة)

 

ولو لم يكن لأم بيان من جزاء إلا صلاح بنياتها وحفظهن للقرآن لكفاها.

 

هذا ما قدمته والدة بيان ومازالت تقدم.. فماذا قدمت أنت ؟ وهل أخلصت فيه؟ هل أتقنته؟

هل تستحق به الإحسان في الآخرة؟

كل الأمور يمكن تأجيلها إلا جلسة مع نفسك تكرر عليها هذا السؤال

ماذا قدمت؟

 

الزيارات: 48