(يخافون البشر ولا يخشون الله)

المجموعة: فقه الاحتساب نشر بتاريخ: الإثنين، 12 آذار/مارس 2018 كتب بواسطة: محرر 1

 

(يخافون البشر ولا يخشون الله)

الكاتب: نيفين عباس

 

الخوف شعور لا إرادي يصدر من الإنسان عند إحساسه بخطرٍ ما أو تهديد يحيط به، هناك بعض البشر الذين يتبعون سياسة محنكة يشيدون حولها قلاع من السرية لا يقدر على اجتياز أسوارها أي إنسان، ولكنهم أغفلوا تماماً أن هناك من لا يغفل ولا ينام، إنه الله الذى يرىَ ولا يُرى، فأين أنت يا من اعتقدت أنك بلغت الأمن من الخوف، يا من اشتد حياؤه أمام البشر ووقاحته أمام الله، اجتهدت حتى تخبئ خلف قناع حيائك وجهٍ انتزع منه الرحمة والإيمان ونسيت أن الله يراك.

هناك الكثيرين حولنا يرتدون أقنعة الشرف والمبادئ والقيم في الوقت الذى يسعَون فيه خلف الكواليس فساداً وطغياناً، خلف تلك الأقنعة نجدهم أشد قبحاً من إنسان جاهر بالمعصية عله يجد يد الرحمة ممدودة له من الله قبل أن يباغته العذاب ، فيقبل أن يصبح في نظر الجميع مهان، ضعيف، بائس وشاقي بدلاً من أن يشيد أسوار من الكتمان والغموض والسرية حوله فقط حتى لا يختلس النظر إليه إنسان متربصٍ أو حاقد أو باحث عن سكينٍ بارد ليذبحه بها.

فهو إخثار التوبة في الحياة قبل أن يمضى للرحلة الأخيرة، عرف نفسه جيداً وسعى حتى يبرئها من الذنوب والخطايا لأنه أدرك عظمة وجلال الخالق وقدرته عليه فخر له ساجداً سائلاً محروماً من الإجابة يلازمه الخوف ولا يفارقه حتى ينجوا بدموع التوبة الحقيقية.

على الجانب الأخر نجد البعض يخافون من البشر ويسعون جاهدين لإصلاح صورتهم أمام المجتمع ولا يفكرون في أن الله يراهم، هؤلاء أشقى أهل الأرض، فقلوبهم أصبحت عامرة بحب الدنيا وملذاتها، هؤلاء الأشخاص نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ فجحدوا بنعم الخالق وستره وأصبحوا فاسقين، عابثين في الأعراض والحرمات، غير مكترثين لمشاعر الغير ولا يأبهون إلا لتحقيق مصالحهم الشخصية أياً كان الثمن.

على سبيل المثال قد نجد شخص عالي المقام ذو هيبة ووقار ولكن بالتفتيش في حياته نجد أن لديه من الذنوب ما يجعله كالأقزام وفى الدرك الأسفل من النار، أيضاً هناك بعض الأزواج الذين يخونون زوجاتهم ويأخذون كل الاحتياطات حتى لا تدرك الزوجة عن الأمر شيء وكأنه قد اجتاز العقاب ونجح في التخلص من عقدة الذنب تجاه خيانة زوجته ونسى تماماً أنه دُون في كتاب أعماله ما ارتكبه.

أيضاً السارق أو المرتشي أو الفاسد الذى يختبئ خلف المناصب أو الحصانة التي وهبها له منصبه المميز يسعى فساداً في الأرض، يأكل الحقوق ويحلل لنفسه أموال الأخرين ويظلم بغير حق، يتوعد ويهدد دون حسيب أو رقيب فقط لأنه يحتمى خلف منصبه المرموق الذى يجعل الكل يخشى بطشه الشديد، يعلم جيداً بقبحه ومع ذلك يستمر طالما لم يقدر أحد من البشر فضح أمره ناسياً تماماً أنه يغلق عيناه لينام ويسهر يشكوه للذي لا ينام هؤلاء الضعفاء والمساكين.

 

أيضاً المغتابين وقاذفين أعراض الغير الذين يسعون فتنة وفساداً في الأرض، هؤلاء لا يتعظون ولا يتوقفون عن إشعال الفتن أو رمي الناس بالباطل بغير حق وبما ليس فيهم فقط لإشباع رغبة مكبوتة في الانتقام منهم أو إطفاءً لنار الحقد والغيرة في قلوبهم، فما أقبحهم عندما يواجهون بما فعلوا فيتنكرون ويسعون جاهدين لتبرئه أنفسهم أمام الجميع وينسوا تماماً أن باب التوبة مفتوح عند الله وكسب قلوب الأخرين بالاعتراف بالذنب والخطأ في حقهم هو الطريق الأسلم للنجاة.

تاريخ البشر مع الخوف طويل وممتد منذ قديم الأزل فعندما نعود للأنبياء والمرسلين سنجد أيضاً البعض كان يخاف البشر ولا يخشى الله وأقرب الأمثلة أبناء يعقوب النبي عليه السلام، عندما تبدلت ملامحهم وأقوالهم خشيةٍ وتجنب لسوء العقاب ودرءً من صب نيران غضب وحزن أبيهم يعقوب النبي عليه السلام بعدما ظنوا أنهم قتلوا أخيهم يوسف النبي عليه السلام، تبدلت الأقوال والأفعال وذرفت الدموع بحزنٍ مزيف فقط لتجنب عقاب أبيهم ونسوا تماماً أن الله فوقهم يشاهد ويعلم ما لا يعلمون.

إلى كل شخص يقرأ تلك الكلمات وداخله جدران شيدها ليخبئ بها الذنوب والمعاصي، سارع بالتوبة فإن خوفك من نظرات من حولك لن يجعلك قوياً فأنت بخوفك من أن يراك أو يدرك أمرك الأخرين وصلت إلى أعلى مراتب الرعب، جاهد نفسك كثيراً ولا تسلم قلبك إلا لمن خلقك فهو أقرب إليك من حبل الوريد ويعلم جيداً ما توسوس به نفسك (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) فلا تظن أن بقوتك أمام الأخرين أنت وصلت إلى أعلى درجات الأمان بل أنت مشتت القلب والعقل يلزمك أن تراجع نفسك جيداً فلا خوف إلا من الله.

الزيارات: 155