(دور الأم في تربية الأبناء على الترابط الأسري)

المجموعة: إنتاجها نشر بتاريخ: الخميس، 01 آذار/مارس 2018 كتب بواسطة: محرر 1

 

(دور الأم في تربية الأبناء على الترابط الأسري)

 

الكاتب: أ. فاطمة الشهراني.

 

   إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله, وحده لا شريك له, وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله, صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين, أما بعد:

 فإن الأسرة هي اللبنة الأولى والنواة الأم في بناء المجتمع, فإن صلحت صلح بها المجتمع، وإن انهارت تحللت أواصره وتفتت أوصاله, وعمت الفوضى، واستشرت الفتن, والعياذ بالله.

 وإن من أهم الأمور التي تسهم في صلاح المجتمعات هي صلاح الأسر, ومن عوامل صلاح الأسر ترابط أفرادها وانسجامهم، وحسن ارتباط بعضهم ببعض.

 ولا شك أن الأم لها مكانة رئيسة في أي أسرة, ولها دور مهم جدًا في إدارة دفة العلاقات الأسرية، وتقوية الروابط في الأسرة الواحدة, لذا سوف يكون الكلام في هذا المقام عن "دور الأم في تربية الأبناء على الترابط الأسري".

وسوف يكون التطرق لهذا الموضوع عبر المحاور التالية:

أولاً: مفهوم الترابط الأسري.

ثانيًا: أهمية الترابط الأسري.

ثالثًا: أهمية دور الأم في التربية عمومًا.

رابعًا: الدور المناط بالأم في تربية الأبناء على الترابط الأسري.

 

  أولاً: مفهوم الترابط الأسري:

الترابط الأسري هو التفاعل الإيجابي بين أفراد الأسرة جميعًا, والتعاون فيما بينهم وتضافر الجهود لسعادة الأسرة.

وهو بهذا يراد به: أن تقوم العلاقات الحسنة بين الأبوَين في الأسرة ابتداءً وبينهما وبين الأولاد بعد ذلك, ثم بين هذه الأسرة والأسر التي تربطها بها روابط القربى ووشائج الرحم, بحيث تقوم هذه الرابطة على أسس سليمة من المودة والرحمة التي أخبر الله عنها بقوله سبحانه: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) الروم: 21ّ.

وأن تكون المعاملة في حالات الاختلاف البسيط مبنية على المسامحة والصفح, وفي حالات المشاحنة مبنية على العدل والإنصاف.

وقوام ذلك كله: أن يعرف كل واحد من أفراد الأسرة ما له من حقوق وما عليه من واجبات, فيؤدي كل واحدٍ منهم ما عليه على أساس الشراكة في بناء تلك الأسرة, والمسؤولية في نجاحها وترابطها وتكاتفها بحيث يعيش الجميع في جوٍ من الهدوء والتفاهم بعيدًا عن المشكلات التي لا حلَّ لها, والتي تفضي إلى تخلخل الأسرة وتفككها.

وباختصار فالترابط الأسري هو الرباط العاطفي الذي يشد أفراد الأسرة نحو بعضهم بعضًا, بحيث يكوِّنون رابطة لا تتزعزع ووحدة لا تتصدع.

 

   ثانيًا: أهمية الترابط الأسري:

إن الترابط الأسري له دور أساسي في ترابط المجتمع, وهو عنصر ضروري من عناصر صلاح المجتمع, فكلما قوي ترابط الأسرة ازداد بلا شك تماسك المجتمع, وقلَّت همومه ومشاكله, وتحسنت أحواله, وعمَّ الحب والخير والتواصل جميع طبقاته.

والترابط الأسري ليس مسألة كمالية تقع في أقصى دائرة الاهتمام, كلا, بل هي ضرورة من ضرورات الحياة التي نعيشها, فإنه إن لم يكن ثمَّ أسرة فلا مجتمع, وإن لم يكن ثمَّ أسرة فلا أمة, بل إن لم يكن ثمَّ أسرة مستقرة فلا حياة هانئة ولا أمن ولا سعادة, ويصير المجتمع فوضى؛ لأن الأسرة واهية البناء متحللة الأركان, أوهى من بيت العنكبوت، يقول الله تعالى: (مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتًا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون) العنكبوت: 41ّ.

نقل الطبري في تفسيره عن الفراء قوله في معنى هذه الآية: "هو مثل ضربه الله سبحانه لمن اتخذ من دونه آلهة لا تنفعه ولا تضره, كما أن بيت العنكبوت لا يقيها حرًا ولا بردًا", وقال الضحاك: "ضرب مثلاً لضعف آلهتهم ووهنها فشبَّهها ببيت العنكبوت".

وقد ذكر بعض أهل العلم أن هذا الوهن والضعف ينطبق أيضًا على طبيعة البيت العنكبوتي من الداخل, فهو بيت ضعيف لا ترابط فيه بين أفراده, فالأنثى تقوم بافتراس الذكر وتتغذى على لحمه طيلة فترة حضانتها للبيض, وبعد أن يفقس البيض تتغذى اليرقات على أضعفها قوة, ثم بعد أن يقوى ويشتد عود ما تبقى من الصغار تقوم بأكل أمها؛ لأنها أصبحت أضعف الموجود, ثم هكذا دواليك, فأي ضعف أوهى من هذا الضعف, وأي ترابط بين أفراد أسرة العنكبوت, نعم: (وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون).

إنه ضعف من الخارج بضعف ذلك النسيج العنكبوتي, فلا هو يقي من حرٍ ولا من برد, وضعف من الداخل, بضعف العلاقة الأسرية في أسرة العنكبوت.

فعلى الأم المسلمة الإفادة مما ضربه الله لنا من أمثال؛ لنسعى لتحقيق الترابط الأسري على مستوى أسرنا الصغيرة، وهذا ما يؤدي إلى مزيد من الترابط والمحبة بين الأسر الكبيرة، ومن ثم إلى مجتمع متماسك متآلف.

ويعتبر الترابط الأسري -ولله الحمد والمنة- سمة بارزة من سمات هذا البلد المبارك -المملكة العربية السعودية- وصفة اتصف بها أهله, وذلك لتمسكهم بالقيم الإسلامية التي تأمر بالصلة والترابط وتنهى عن الفرقة والقطيعة.

وفي دراسة ميدانية أعدها بعض الباحثين حول الأسرة السعودية, كان من نتائج هذه الدراسة أن واقع الأسرة السعودية ما زال أكثر ترابطًا وتماسكًا, وإن كانت بعض الأسر قد أصابها آفة التغيير إلا أنه في المجمل يسير إذا ما قورن بما لدى مجتمعات أخرى في الشرق أو في الغرب.

 

  ثالثًا: أهمية دور الأم في التربية عمومًا:

يعتبر دور الأم في تربية الأبناء دورًا أساسيًا ومؤثرًا لا يمكن الاستغناء عنه, ومسؤولياتها تجاه أبنائها مسؤولية كبيرة, لكن الأم قادرة عليها بما وهبها الله من عزيمة وصبر وحنان على أبنائها, وتضحية بالغالي والنفيس من أجلهم.

هذا إلى جانب ما تحتسبه الأم عند الله من عظيم الأجر على ما تبذله في سبيل تنشئة الأجيال التنشئة الصالحة.

ومن الأمور التي تؤكد أهمية الدور التي تقوم به الأم في تربية الأبناء ما يلي:

1- أن الأم تمارس التربية لجنينها, وهو في بطنها قبل أن يخرج إلى هذه الحياة, فهي تنفرد بمرحلة, لا يمكن أن يشاركها فيها غيرها, وهي مرحلة مهمة, ولها دور ليس بالهيِّن، في تربية الطفل وغرس كثير من العادات فيه.

وهذا الأمر قد يستغربه كثيرٌ من الناس, ولتوضيحه قبل أن نبين كيفية وقوعه, يقال: أليس من الثابت طبيًا أن الطفل في بطن أمه يتأثر بنوع الغذاء الذي تتناوله الأم, ويتأثر بالأمراض التي تصيبها أثناء الحمل, ويتأثر بما تتناوله من أدوية.

هذا من الأمور التي لا يشك فيها أحد, وعلى ذلك فلا يُستغرب أن يتأثر الطفل بما يتلقاه من أمه من ممارسات تربوية, فعلماء التربية كما الطب يقرون تأثر الطفل بحالة أمه الانفعالية أثناء الحمل, وحين تزيد هذه الحالة الانفعالية وتتكرر, فإن هذا يؤثر  في الهرمونات التي تفرزها الأم, وتنتقل إلى جنينها, فإذا طالت هذه الحالة فإنها لا بد وأن تؤثر على نفسية الجنين وانفعالاته وصحته, كما أن الأم إذا كانت مسرورة وسعيدة وحالتها النفسية مرتفعة, فإن هذا سينعكس على صحة الطفل الجسدية والنفسية انعكاسًا إيجابيًا.

لذا كان من المهم أن تنتبه الأم لأهمية هذه المرحلة وأهمية أن تحافظ على اتزانها النفسي, وأن تحاول تجاوز المشكلات التي تثير انفعالها؛ حفاظًا على صحتها وصحة جنينها.

2- اختصاص الأم بالدور الأكبر في مرحلة الطفولة المبكرة, فإن هذه المراحل يحتاج فيها الطفل أمه أشد الحاجة, ولحكمة عظيمة -يريدها الله سبحانه- يكون طعام الطفل في هذه المرحلة من ثدي أمه, وأثر هذا على الطفل لا ينحصر في تأثيراته الصحية النافعة فحسب, بل يتعدى إلى تأثيراته العظيمة على سلوك الطفل وصحته النفسية, ففي الرضاعة تغذية له بأصح وأنقى غذاء وفيها أيضًا إشعار الطفل بالحنان والدفء والقرب الذي هو في أمس الحاجة إليه.

لذا نرى الأطباء كثيراً ما ينبهون الأمهات على ضرورة أن يحرصن على إرضاع أطفالهن, وأن في إهمال ذلك ضرر كبير على صحة الطفل البدنية والنفسية.

والمقصود من ذلك كله: أن الأم تتعامل مع الطفل في هذه المرحلة أكثر مما يتعامل معه الأب أو أي شخص آخر, لذا فهو يكتسب منها الكثير من العادات والسلوكيات والأخلاق, شعرت بذلك أم لم تشعر.

3- اطلاع الأم على التفاصيل الخاصة بأولادها بسبب ملازمتها لهم في جميع مراحلهم العمرية, وتفاعلها مع أحوالهم الخاصة, فتدرك من قضايا الأولاد أكثر مما يدركه الأب, فتتعامل مثلاً مع ملابسهم وأدواتهم ومقتنياتهم الخاصة, وهي الأقرب أيضاً لبناتها, فتعايش مراحلهم العمرية المختلفة, وتطَّلع على ما يعرض لهن من تغيرات طبيعية, وتدرك احتياجاتهن, ولذا فيمكن أن تصارحها البنت بما يعرض لها من أمور أكثر مما يمكن أن تصارح به والدها, وهذا ما يستوجب مسؤولية الأم الكبرى في تفهم حالات أطفالها, وخاصة البنات, وأن تقترب منهن, وتملأ الفراغ العاطفي لديهن.

ومن خلال هذه الأمور وغيرها يتبين لنا أهمية دور الأم في تربية الأبناء, وأنها المسؤولة الأولى عن تربيتهم التربية القويمة وتوجيههم الوجهة السليمة.

وهذا لا يغفل دور الأب, فدوره أساسي أيضاً لا يمكن تجاهله ولا ينبغي إهماله, لكننا بصدد بيان دور الأم في التربية, لذا سيكون كلامنا مركزاً على هذا الجانب.

وحيث توصلنا إلى أن الأم هي حجر الزاوية في التربية الأسرية عموماً, فليكن الكلام فيما سيأتي عن دورها الذي ينبغي أن تقوم به فيما يتعلق بترابط أسرتها.

 

  رابعًا: الدور المناط بالأم في تربية الأبناء على الترابط الأسري:

إن الأم كما سبق هي العنصر الرئيسي في تربية الأبناء في شتى مجالات التربية, وفي مجال الترابط الأسري تضطلع الأم بدور كبير في زيادة أواصر هذا الترابط, وزيادة تماسك الأسرة, وذلك من خلال التربية الجادة على هذه القيمة السامية, والحرص على تكوين التعاطف والتعاون بين جميع أفراد الأسرة, ولا يكون ذلك إلا باستشعار مسؤولياتها في هذا الجانب, وقد حمَّلها الشرع المطهّر هذه المسؤولية وعهد إليها بهذه الأمانة, كما قال صلى الله عليه وسلم: "كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته , فالإمام راعٍ وهو مسؤول عن رعيته, والرجل راعٍ في بيته وهو مسؤول عن رعيته, والمرأة راعية في بيت زوجها, وهي مسؤولة عن رعيتها.." الحديث, متفق عليه.

ومعنى مسؤولة أي أن الله سيسألها عن هذه الرعية وهؤلاء الأبناء ماذا قدمت لهم؟ وعلى ماذا ربَّتهم؟ وهل عملت بكل الأسباب الممكنة لتنشئتهم التنشئة الصالحة أولا؟

ومن خلال هذه المسؤولية فإن دور الأم في تربية الأبناء على الترابط الأسري يتجلى من خلال الأمور التالية:

1- تنشئة الأبناء على العقيدة الصحيحة والاستجابة لأوامر الشرع الحنيف واجتناب نواهيه, وذلك لأن في ذلك الحصن الحصين والسياج المنيع الذي يحفظ الأفراد والأسر والمجتمع بأسره, ويكفل لهم السعادة والطمأنينة والأمن والاستقرار.

وقد أمر الله بذلك في كتابه الكريم فقال سبحانه: (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا)

قال ابن جرير الطبري : "يريد بذلك تعالى ذكره- وتمسكوا بدين الله الذي أمركم به, وعهده الذي عهده إليكم في كتابه إليكم, من الألفة والاجتماع على كلمة الحق, والتسليم لأمر الله".

والتنشئة على هذا الأمر العظيم بها تجتمع القلوب وتتوحد النفوس وتُبنى أواصر الألفة والمحبة, وتكون سياجاً منيعاً ضد الاختلاف والفرقة؛ لأن الاعتصام بالدين من لوازمه اجتماع الكلمة, ولا يمكن أن يجمع الناس جامع أقوى ولا أمتن من رابطة العقيدة الصحيحة والدين القويم.

فتربية الأم أبناءها على هذا المعتقد العظيم له أهميته الكبرى ودوره الكبير في قوة ترابط الأسرة, وتماسكها.

2- تربية الأطفال على حسن المعاشرة والخلق الحسن, فإن الخلق الحسن ممارسة عملية للأخلاق الفاضلة والقيم الحسنة, وهو من التربية الإيمانية لقوله صلى الله عليه وسلم "أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً" رواه أحمد وأبو داود وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (1230).

فإذا ربت الأم الطفل على حسن التعامل وبشاشة الوجه, واختيار أحسن الألفاظ وأهذبها عند التعامل مع أفراد أسرته وأقاربه, فإن ذلك سيسهم إسهاماً كبيراً في إضفاء السكينة والطمأنينة، ويزيد أواصر القربى، ويقوي المودة والمحبة بين أفراد الأسرة الواحدة.

لذا حث الشرع الحنيف على مثل هذه المعاني, فجعل مجرد التبسم في وجه الأخ المسلم قربة إلى الله تعالى.

كما قال صلى الله عليه وسلم: "تبسمك في وجه أخيك صدقة" رواه البخاري, وهذا لما له من أثر في إدخال السرور على الآخرين, وزيادة الترابط بين الأفراد.

3- تعاهد البيت وحمايته من أسباب الفساد والانحراف, فإن المعصية شر, وثمارها مرة, ونتائجها سيئة في الدنيا والآخرة, وهي مظنة الفرقة والاختلاف عاجلاً أم آجلاً, فلتحرص الأم على حماية بيت الأسرة من كل ما يدخل الشيطان ويطرد الملائكة من المعاصي القولية والعملية؛ لأن في ذلك حماية للبيت من التصدع وحفظ له من الاختلاف.

4- أن تحرص الأم على حسن العلاقة مع الزوج, وهذا من شأنه أن يؤثر إيجابياً على الاستقرار الأسري ويقوي الروابط الأسرية, ويثمر أطفالاً ذوي نفسيات مطمئنة, وعكس ذلك يؤدي إلى عدم الاستقرار ويولد الخوف والقلق ويذهب السعادة والاطمئنان, فلتحرص الأم دائماً على أن تكون حسنة العلاقة مع زوجها وأن لا يطلع الأبناء على أدنى المشاكل بين الأبوين, بحيث يتم حل أي مشكلة بعيداً عن أنظار الأبناء ومسامعهم, وهذا يسهم في إيجاد الحلول الناجعة والسريعة للمشاكل التي قد لا تخلو منها أسرة, قبل أن تتفاقم, وينعكس أثرها على الأبناء.

5- العدل بين الأبناء وعدم التفرقة بينهم, وهذا من القيام بالقسط الذي أمر الله به, وامتثالاً لقوله صلى الله عليه وسلم: "اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم" متفق عليه, ومن شأن العدل بين الأبناء أن يولد بينهم المحبة ويقوي أواصر القربى, ويثمر الإيثار والمودة, وعكس ذلك -والعياذ بالله- يولد الشحناء والبغضاء ويهيج الحقد والحسد بينهم, مما يتسبب في القطيعة والتفكك الأسري.

فحذاري أيتها الأم من أن تفرقي بين أبنائك لأي معنى كان, وعليك التزام العدل والمساواة بينهم, فإن هذا سيسهم إسهاماً كبيراً في ترابط أسرتك وتماسك بنيانها.

6- تحذير الأبناء من الشجار والخلاف, وتعويدهم على حل الخلافات بالطرق الودية وإشاعة لغة الحوار بينهم.

فإن الأم ينبغي أن تحذر أبناءها مما يثير الخلاف والشجار بينهم, وأن تعودهم على العفو والصفح ما  أمكن, وبما أن الخلاف قد يقع, وقد يكون أمراً لا مناص منه مع اختلاف الطباع وتعدد وجهات النظر, فإن مما ينبغي أن تربي عليه الأم أبناءها أن تعودهم على حل الخلاف بينهم بالطرق الودية والحوار الهادئ الهادف, وأن يعالجوا مشاكلهم بأسلوب توافقي, وبحكمة, فتعودهم على لغة الحوار بدلاً من لغة السباب والشتم, وعلى أسلوب التفاوض والحلول المقنعة بدلاً من أسلوب الفرض والحسم للأعلى صوتاً.

وعندما تعوِّد الأم أبناءها على هذا الأمر فإن هذا بلا شك سيسهم في ترابط الأسرة وعدم السماح لأي مشكلة بأن تنقض بناءها الأسري المتماسك أو تكسر بنيتها المحكمة.

7- تعريف الأبناء بمكانة الرحم عند الله تعالى ووجوب صلتها والإحسان إليها, وبيان حقوقها, وأنهم ما داموا تجمعهم رحم واحدة فينبغي أن يقدروها قدرها ويراعوا حقها.

فتذكرهم بمثل قوله تعالى: (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً) [النساء: 1].

قال ابن عباس في معنى الآية: "أي اتقوا الله الذي تساءلون به, واتقوا الله في الأرحام فصلوها" وفي رواية عنه: "اتقوا الله لا تقطعوها".

وهذا يدل على مكانة الرحم والتشديد في الأمر بصلتها, لذا فقد ثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه  أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم, قامت الرحم, فقالت: هذا مقام العائذ من القطيعة, قال: نعم, أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى, قال: فذاك لك" ثم قال صلى الله عليه وسلم: "اقرأوا إن شئتم: فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمّهم وأعمى أبصارهم" رواه مسلم.

وعلى هذا, فينبغي أن تبين الأم لأبنائها حقوق الرحم من أجداد وأعمام وأخوال, وحقوق كل واحد من أفراد الأسرة على الآخر, وتنقل لهم كلام أهل العلم في ذلك.

قال السفاريني في غذاء الألباب (1/307) : "قال الألباني: واعلم أن المراد بصلة الرحم: موالاتهم ومحبتهم أكثر من غيرهم لأجل قرابتهم, وتأكيد المبادرة إلى صلحهم عند عداوتهم, والاجتهاد في إيصال كفايتهم بطيب نفس عند فقرهم, والإسراع إلى مساعدتهم ومعاونتهم عند حاجتهم, ومراعاة جبر خاطرهم, مع التعطف والتلطف بهم, وتقديمهم في إجابة دعوتهم, والتواضع معهم مع غناه وفقرهم, وقوِّته وضعفهم, ومداومة مودتهم, ونصحهم في كل شؤونهم والبداءة بهم في الدعوة والضيافة قبل غيرهم, وإيثارهم في الصدقة والإحسان والهدية على ما سواهم؛ لأن الصدقة عليهم صدقة وصلة, وفي معناه الهدية ونحوها.

ويتأكد مثل ذلك مع الرحم الكاشح المبغض, عساه أن يرجع عن بغضه إلى مودة قريبه ومحبته, وفي الحديث (الصدقة على المسكين صدقة, وعلى ذي الرحم ثنتان, صدقة وصلة)  

ومما قاله المقنع الكندي:

وإن الذي بيني وبين بني أبي *** وبين بني عمي لمختلفٌ جداً.

الزيارات: 413