المظلوم: "العلم الشّرعي يورث الخشية في قلوب المتعلّمين والعلماء".

المجموعة: حوار الافكار نشر بتاريخ: الأربعاء، 07 آذار/مارس 2018 كتب بواسطة: محرر 1

 

المظلوم: "العلم الشّرعي يورث الخشية في قلوب المتعلّمين والعلماء".

ضيف الحوار: د. جودت المظلوم.

أجرت الحوار: أمينة سعيد.

 

  خير العلوم وأكملَها وأتمَّها وأزكاها وأطيبها علوم الشريعة، علم قال الله وقال رسول صلى الله عليه وسلم فهو من أزكى العلوم على الإطلاق وأطيبه وأنفعه، وفي دارسته وتعليمه الفضل الكبير، ليس على الفرد فقط، بل على المجتمع بأكمله .

 د. جودت المظلوم رئيس قسم الفقه وعلومه لدى كلية الدعوة الإسلامية بوزارة الأوقاف لدى وزارة التربية والتعليم العالي بفلسطين أكد أن دراسة العلم الشّرعي ترفد المجتمع بالعلماء المؤهّلين في كل مجالٍ من مجالات الشريعة، كما أن العلم الشرعيّ يقوم برفد المجتمع بالأئمة والخطباء الذين يعتلون منابر المساجد ليعلّموا النّاس شؤون دينهم ويقدّموا لهم النّصيحة والموعظة الحسنة وذلك من خلال حوارنا معه حول فضل العلم الشرعي ... فإلى نص الحوار

 ما هو العلم الشرعي؟

العلم الشرعي "علم ما أنزل الله على رسوله من البينات والهدى" والعلم الشرعي العلم بما جاءت به الشريعة الإسلامية، ويمكن القول بأن العلم الشرعي معرفة الحلال والحرام والعمل بمقتضيات واقع التشريع.

 وما هي أقسام العلم الشرعي من حيث الحكم الثلاثة؟

1- فرض عين: وهو تعلم ما يتأدى به الواجب العيني مثل "أركان الصلاة وواجباتها وأحكام الصيام".

2- فرض كفاية: وهو تحصيل ما لا بد للناس منه في أمور دينهم ودنياهم.

3- مستحب: وهو التبحر في أصول الأدلة، والإمعان فيما وراء القدر الذي يحصل به فرض الكفاية.

 ما هو حكم طلب العلم الشرعي؟

طلب العلم الشرعي فرض كفاية إذا قام به من يكفي صار في حق الآخرين سنة، وقد يكون طلب العلم واجبًا على الإنسان عينًا أي فرض عين، وضابطه أن يتوقف عليه معرفة عبادة يريد فعلها أو معاملة يريد القيام بها، فإنه يجب عليه في هذه الحال أن يعرف كيف يتعبد الله بهذه العبادة، وكيف يقوم بهذه المعاملة، وما عدا ذلك من العلم ففرض كفاية وينبغي لطالب العلم أن يشعر نفسه أنه قائم بفرض كفاية حين طلبه ليحصل له ثواب فاعل الفرض مع التحصيل العلمي.

 لا بد أن طلب العلم الشرعيّ له أهمّيّة كبيرة فما هي هذه الأهمية؟

إنّ لطلب العلم الشّرعيّ أهمّية بالغة تكمن في عدّة أمور نذكر منها: فضل طلب العلم الشّرعيّ، فقد بيّن النّبي عليه الصّلاة والسّلام أنّ من خير النّاس من تعلّم القرآن وعلّمه، كما بيّن عليه الصّلاة والسّلام أن من أراد الله به خيرًا فقّهه في الدّين، كما أنّه من سلك طريقًا يبتغي به علمًا سهّل الله به طريقًا إلى الجنة.

- طلب العلم الشّرعي يورث الخشية في قلوب المتعلّمين والعلماء، فطالب العلم الشّرعي يطّلع على أسرار الآيات القرآنيّة والفيوضات الرّبانيّة ويتلمّس آيات الإعجاز في القرآن الكريم، والأحاديث النّبويّة، وكلّ ذلك يقرّبه من ربّه سبحانه فيزداد إيمانه وتزداد خشيته، قال تعالى (إنّما يخشى الله من عباده العلماء) فاطر: 28).

- دراسة العلم الشّرعيّ ترفد المجتمع بالعلماء المؤهّلين في كلّ مجالٍ من مجالات الشّريعة، كما أنّ العلم الشّرعيّ يقوم برفد المجتمع بالأئمة والخطباء الذين يعتلون منابر المساجد ليعلّموا النّاس شؤون دينهم ويقدّموا لهم النّصيحة والموعظة الحسنة.

- العلم الشّرعي هو وسيلة لإعداد الدّعاة وتأهيلهم لحمل رسالة الدّعوة إلى الله تعالى إلى جميع أنحاء المعمورة، فكثير من النّاس في العالم لم تصلهم رسالة الإسلام وهنا يكمن دور الدّعاة إلى الله في تبليغ تلك الدّعوة وتعريف النّاس بها، كما يقوم الدّعاة بدور كبير في استقبال الدّاخلين في دين الإسلام وتعليمهم أحكام الدّين الإسلامي.

- العلماء الشّرعيّون هم ورثة الأنبياء وفي علمهم صلاح الدّين وحفظ الشّريعة، وبغياب العلماء يشيع الجهل ويسود الضّلال، وإنّ من علامات السّاعة أن يقبض الله تعالى العلم بقبض العلماء حتّى إذا لم يبقى عالمًا اتّخذ النّاس رؤوسًا جهّالًا فأفتوا فضلّوا وأضلّوا.

 لنتعرف سويًا من ضيفنا د. جودت فضل العلم الشرعي

العلم الشرعيَّ له فَضل عظيم، ومقام عالٍ كريم، عند العليم الرَّحيم؛ لأنَّه لا يمكن تَحقيق الغاية من الخَلق -التي هي العبادة -إلَّا به؛ لذلك كان خير عبادة؛ قال الإمام أحمد رحمه الله: العلم لا يَعدله شيء لِمن صحَّت نيَّتُه، وقد وردَت في الكتاب والسنَّة عدَّة فضائل ومكارِم للعلم الشَّرعي؛ ترفع الهممَ، وتحسن الأخلاق والشِّيَم، وتدفع الطلبة للاجتهاد، والعلماء للبذل والكرم، أَذكر منها ما فتح به الكريمُ الجواد، معلِّمُ العباد، ناشِر العلم في شتى البلاد:

أولًا: أنَّ الله تعالى رفع مقام العلماء؛ بأن قرَن شهادتهم بشهادته وشهادةِ ملائكته على حقِّه -الذي هو إفراده بالعبادة -إذ قال: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) [آل عمران: 18].

ثانيًا: ذَكر تعالى أنَّه يَرفع علماءَ الشَّريعة العامِلين في الدنيا وفي الآخرة؛ إذ قال: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) [المجادلة: 11].

ثالثًا: وصَف سبحانه وتعالى علماءَ الشَّريعة المخلصين بالخشيَةِ منه سبحانه، وبالإيمان بكتابه؛ إذ قال: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) [فاطر: 28]، وقال: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) [آل عمران: 7].

رابعًا: قدَّم سبحانه وتعالى العلمَ على الإيمان؛ لأنَّ الإيمان الصَّحيح لا يكون إلَّا بالعلم الصَّحيح، ووصف أهلَ العلم بالثَّبات يوم القيامة وبأنَّهم كانوا على الحقِّ في الدنيا؛ إذ قال: (وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [الروم: 56].

خامسًا: أنَّه تعالى لم يأمر نبيَّه أن يَسأله الزيادةَ من شيء إلِّا من العِلم؛ إذ قال: (وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا) [طه: 114].

سادسًا: أنَّه تعالى اصطفى أهلَ العلم، ووصف ما عندهم بالفضل الكَبير، ووعدهم بجنَّات عدن؛ إذ قال: (ُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ) [فاطر: 32، 33].

سابعًا: أنَّه تعالى وصفَ العلمَ بالروح؛ لأنَّه يُحيي به القلوب، والنور الذي يضيء به الطريق؛ إذ قال: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا) [الشورى: 52].

ثامنًا: أنَّه تعالى رفع العالمَ على الجاهل؛ إذ قال: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) [الزمر: 9]. وقد ذكر بعض العلماء أنه تعالى فضَّل الكلبَ المعلَّم على الكلب الجاهِل بأن أباح أكلَ صيده واقتناءه، وبيعَه وتربيته، قال تعالى: (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ) المائدة: 4، قال صلى الله عليه وسلم: (مَن اقتنى كلبًا ليس كلب صيدٍ ولا رعي ولا حراسة، نقص من أجره في كلِّ يوم قيراطًا)؛ أو كما قال صلَّى الله عليه وسلم.

تاسعًا: قال صلى الله عليه وسلم: ((ما اجتمع قومٌ في بيتٍ من بيوت الله؛ يَتلون كتابَ الله ويتدارسونَه بينهم، إلَّا حفَّتهم الملائكةُ، وغشيَتهم الرَّحمةُ، ونزلَت عليهم السَّكينة، وذكرهم الله فيمَن عنده))؛ أي: إنَّ الله يَختصُّ مجالسَ العلم بهذه الفضائل العظيمة، وفي روايةٍ أنَّ الملائكة قالت لله تعالى: ((إنَّ منهم فلانًا، لم يأتِ للعلم، فقال تعالى: هم الجلساء لا يَشقى بهم جليسُهم))، أو كما قال عليه السلام.

عاشرا: أنَّ الملائكة تحبُّ أهلَ العلم وتَضع أجنحتَها لهم في الطُّرق والمسالك؛ إكرامًا لهم وإجلالًا، قال صلى الله عليه وسلم: ((وإنَّ الملائكة لتَضَع أجنحتَها لطالب العلم)).

حادي عشر: أنَّ الله تعالى يميز أهلَ العلم عن غيرهم يوم القيامة؛ إكرامًا لهم، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ معاذ بن جبل يتقدَّم العلماء يوم القيامة برتوة)).

ثاني عشر: أنَّ الله تعالى يَرزق أهلَ العلم أجرًا كثيرًا مضاعفًا على كثرة قراءتهم للقرآن؛ في تلاواتهم واستدلالاتهم ومطالعاتهم، وعلى كثرة صلاتهم على الرَّسول صلى الله عليه وسلم عند ذِكرهم للحديث، وعلى كثرة ترضِّيهم وترحُّمهم على الصَّحابة والعلماء والصَّالحين.

  نختم حديثنا مع فضيلتكم ونسرد معوقات في طريق طلب العلم

من العلوم المهمة التي قل من يدبر عليها: مسألة المعوقات عن طلب العلم والمفسدات لحال طلبة العلم، ليتجنبها ويبتعد عنها، وحتى تكون طريقه سليمة موصلة له للسعادة الأبدية في الدنيا والآخرة.

- المعوق الأول: فساد النية، ومراءاة الناس

إن من أعظم المعوقات في طريق طلب العلم، فساد النية، ومراءاة الناس، والنظر إلى ما يقولون، وما يسمع من كلامهم، ركوناً إلى الدنيا وغفلة عن الآخرة. يقول النبي صلى الله عليه وسلم:" من سمع سَمَّع الله به، ومن راءى راءى الله به" متفق عليه ويقول النبي صلى الله غليه وسلم: «يقول الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه» رواه مسلم في صحيحه.

فمن أراد أن تتحقق له محبة الله، فليخلص لله في عمله، وليتبع سنة النبي صلى اله عليه وسلم، ويسلك هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

- المعوق الثاني من معوقات طلب العلم: الكبر

التكبر على العباد، التكبر على الناس، التكبر عن الحق، كما قال صلى الله عليه وسلم: «الكبر بطر الحق وغمط الناس» رواه مسلم، وفي لفظ عند الترمذي وابن حبان في صحيحه: «وغمص الناس» بل ان الكبر هو الذي اخرج ابليس من الجنة

فيا طالب العلم كن متواضعاً، كن خاضعاً للحق، فمن تواضع لله رفعه الله، وكلما ازداد الإنسان علماً، ازداد معرفة بجهله وحاجته إلى طلب العلم إلى الممات.

- الأمر الثالث الذي يعوق كثيرًا من طلاب العلم عن طلب العلم

احتقار العلماء وطلبة العلم:

وهذا أمر داخل في الكبر، لكنه ينبغي التنبيه عليه، وقد يكون -ظاهراً-إنما يحتقرهم لأجل أخطائهم، فيظن انه ليس من الكبر لذلك أفردته. فاحتقار طلبة العلم لأجل خطئهم وزللهم هذا أمر عظيم يُعَوِّقُ عن طلب العلم، فكيف يكون ذلك؟!

إن طالب العلم إذا كان عنده شيء من العلم وجلس عند العلماء فربما يزل العالم ويخطئ، وأساليب العلماء في تدريسهم تختلف؛ ما بين مفصِّلٍ ومختَصِر، ما بين معلق وشارح مفصل، فيختلفون بطرائقهم، ويخطئون أحيانا في اختياراتهم، وينسون الأدلة. وهذه آفة عظيمة موجودة عند كثير من الناس في هذا الزمان لا يكاد يسلم لهم إنسان.

- الأمر الرابع من المعوقات عن طلب العلم العجلة في تحصيل العلم

والعجلة في الفهم والتحصيل دون سلوك سبيله الصحيح، قال تعالى: {خلق خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ{ [الأنبياء: 37]

و قال جل وعلا }وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً{ [الإسراء : 11] فينبغي للإنسان أن يصبر على طلب العلم وعلى الفقر وعلى الجوع، والتأني وعدم العجلة والتسرع في التحصيل وقلة الصبر على الشيوخ، وعلى المدرسين، وعلى المرافقين في الطلب، فهذا من أعظم المعوقات التي تصد الشاب أو الطالب عن العلم والاستفادة من العلماء.

فليصبر على العالم؛ على أخطائه، يصبر على أسلوبه، يصبر على شدته، حتى ولو حصل أذية منه يصبر كأنه يريد كنزاً فليأخذه ثم يذهب إلى غيره من العلماء ليستفيد.

نصائح ووصايا من كتب العلماء لطلبة العلم، أسأل الله أن ينفع بها:

§        كيف يدبر طالب العلم وقته، ولا ينفقه إلا في أهم العلوم

فينبغي لطالب العلم أن يكون جل همته مصروفًا إلى الحفظ والإعادة؛ فلو صح صرف الزمان إلى ذلك، كان الأولى، غير أن البدن مطية، وإجهاد السير مظنة الانقطاع، ولما كانت القوى تكل، فتحتاج إلى تجديد، وكان النسخ والمطالعة والتصنيف لا بد منه، مع أن المهم الحفظ، وجب تقسيم الزمان على الأمرين:

فيكون الحفظ في طرفي النهار، وطرفي الليل، ويوزع بالباقي بين عمل بالنسخ، والمطالعة، وبين راحة للبدن، وأخذ لحظة.

ولا ينبغي أن يقع الغبن بين الشركاء: فإنه متى أخذ أحدهم فوق حقه، أثر الغبن، وبان أثره. وإن النفس لتهرب إلى النسخ والمطالعة والتصنيف عن الإعادة والتكرار؛ لأن ذلك أشهى وأخف عليها.

§        حفظ القرآن قبل طلب العلوم

أَنْبَأَنِي المُسَلَّمُ بنُ عَلاَّنَ، أَخْبَرَنَا الكِنْدِيُّ، أَخْبَرَنَا الشَّيْبَانِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الخَطِيْبُ، أَخْبَرْنَا ابْنُ رِزْقٍ، وَأَبُو الفَرَجِ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدٍ، وَمُحَمَّدُ بنُ الحَسَنِ، قَالُوا:

أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بنُ كَامِلٍ القَاضِي، حَدَّثَنَا أَبُو العَيْنَاءِ، قَالَ:

أَتَيْتُ عَبْدَ اللهِ بنَ دَاوُدَ، فَقَالَ: مَا جَاءَ بِكَ؟

قُلْتُ: الحَدِيْثُ.

قَالَ: اذْهَبْ، فَتَحفظ القُرْآنَ.

قُلْتُ: قَدْ حَفِظْتُ القُرْآنَ.

قَالَ: اقْرَأَ: {وَاتْلُ عَلَيْهِم نَبَأَ نُوْحٍ...} [يُوْنُسُ: 71].

فَقَرَأْتُ العشْرَ حَتَّى أَنْفَذْتُهُ، فَقَالَ لِي: اذْهَبِ الآنَ، فَتَعَلَّمِ الفَرَائِضَ.

قُلْتُ: قَدْ تَعَلَّمتُ الصُّلْبَ وَالجدَّ وَالكبرَ.

قَالَ: فَأَيُّمَا أَقْرَبُ إِلَيْكَ: ابْنُ أَخِيْكَ، أَوْ عَمُّكَ؟

قُلْتُ: ابْنُ أَخِي.

قَالَ: وَلِمَ؟

قُلْتُ: لأَنَّ أَخِي مِنْ أَبِي، وَعَمِّي مِنْ جَدِّي.

قَالَ: اذْهَبِ الآنَ، فَتَعَلَّمِ العَرَبِيَّةَ.

قَالَ: قَدْ عَلِمْتُهَا قَبْلَ هَذَيْنِ.

قَالَ: فَلِمَ قَالَ عُمَرُ -يَعْنِي حِيْنَ طُعِنَ-: يَا لَلَّهِ، يَا لِلْمُسْلِمِيْنَ، لِمَ فَتَحَ تِلْكَ، وَكَسَرَ هَذِهِ؟

قُلْتُ: فَتَحَ تِلْكَ اللاَّمَ عَلَى الدُّعَاءِ، وَكَسَرَ هَذِهِ عَلَى الاسْتِغَاثَةِ وَالاسْتِنْصَارِ.

فَقَالَ: لَوْ حدَّثْتُ أَحَداً، لَحَدَّثْتُكَ

§        وصية علي بن أبي طالب رضي الله عنه:

يَا كُمَيْلُ بْنَ زِيَادٍ، الْقُلُوبُ أَوْعِيَةٌ خَيْرُهَا أَوْعَاهَا، احْفَظْ عَنِّي مَا أَقُولُ لَكَ، النَّاسُ ثَلَاثَةٌ:

فَعَالِمٌ رَبَّانِيٌّ ومُتَعَلِّمٌ عَلَى سَبِيلِ النَّجَاةِ وَهَمَجٌ رِعَاعٌ أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ يَمِيلُونَ مَعَ كُلِّ رِيحٍ لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِنُورِ الْعِلْمِ، وَلَمْ يَلْجَئُوا إِلَى رُكْنٍ وَثِيقٍ الْعِلْمُ خَيْرٌ مِنَ الْمَالِ، الْعِلْمُ يَحْرُسُكَ وَأَنْتَ تَحْرُسُ الْمَالَ.

الْعِلْمُ يَزْكُو عَلَى الْعَمَلِ وَالْمَالُ يَنْقُصُهُ النَّفَقَةُ، وَمَحَبَّةُ الْعَالِمِ دِينٌ يُدَانُ بِهِ، يَكْسِبُهُ الطَّاعَةَ فِي حَيَاتِهِ وَجَمِيلَ الْأُحْدُوثَةِ بَعْدَ وَفَاتِهِ

§        لا تجعل الخلاف في مسألة يسوغ فيه الاجتهاد وسليه للخلاف

ولما صَلَّى عثمانُ رضي الله عنه في مِنَى في الحَجِّ الرُّباعية أربعاً ولم يقصر بعد أنْ مَضى مِنْ خِلافته ثماني سنوات، وأنكرَ النَّاسُ عليه، وقالوا: قَصَرَ النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم وأبو بكر وعُمرُ، يعني: وأنت في أول خِلافتك، لكنه رضي الله عنه تأوَّل، فكان الصَّحابة الذين ينكرون عليه يصلُّون خلفَه أربعاً، وهم ينكرون عليه، مع أنَّ هذه زيادة متَّصلة بالصَّلاة مُنكرَة عندهم، ولكن تابعوا الإمام فيها إيثاراً للاتِّفاق.

§        كيف يداوي طالب العلم العجب

إذا أعجبت بعلمك , فاعلم أنه لا خصلة لك فيه و أنه موهبة من الله مجردة وهبك إياها ربك تعالى ,فلا تقابلها بما يسخطه فلعله ينسيك ذلك بعلة ,يمتحنك بها تولد عليك نسيان ما علمت وحفظت.

ولقد أخبر عبد الملك بن طريف وهو من أهل الْعِلْم والذكاء واعتدال الأحوال وصحة البحث أنه كان ذا حظ من الحفظ عظيم لا يكاد يمر على سمعه شيء يحتاج إلى استعادته , وأنه ركب البحر فمر به فيه هول شديد أنساه أكثر ما كان يحفظ وأخل بقوة حفظه إخلالاً شديداً لم يعاوده ذلك الذكاء بعد.

وأنا أصابتني علة فأفقت منها وقد ذهب ما كنت أحفظ إلا ما لا قدر له فما عاودته إلا بعد أعوام.

§        حاجة طالب العلم إلى كل العلوم

ينبغي للفقيه أن يطالع من كل فن طرفًا: من تاريخ، وحديث، ولغة، وغير ذلك؛ فإن الفقه يحتاج إلى جميع العلوم، فليأخذ من كل شيء منها مهما.

ولقد رأيت بعض الفقهاء يقول: اجتمع الشبلي وشريك القاضي فاستعجبت له! كيف لا يدري بُعد ما بينهما؟!

وقال آخر في مناظرة: كانت الزوجية بين فاطمة وعلي رضي الله عنهما غير منقطعة الحكم؛ فلهذا غسلها!

فقلت له: ويحك! فقد تزوج أمامة بنت زينب، وهي ابنة أختها! فانقطع

§        اشتغال طالب العلم بما ينفعه من العلم وتركه تعقيد المسائل و المغلوطات الاهتمام بكتب المتقدمين ومن سار على نهجهم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: "لا يُقَلِّدَنَّ أَحَدُكُمْ دِينَهُ رَجُلا، فَإِنَ آمَنَ آمَنَ وَإِنْ كَفَرَ كَفَرَ، وَإِنْ كُنْتُمْ لا بُدَّ مُقْتَدِينَ فَاقْتَدُوا بِالْمَيِّتِ، فَإِنَ الْحَيَّ لا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ الْفِتْنَةُ"، (مَن كانَ مُسْتَنًّا، فَلْيَسْتَنَّ بمن قد ماتَ، فإنَّ الحيَّ لا تُؤمَنُ عليه الفِتْنَةُ، أولئك أصحابُ محمد -صلى الله عليه وسلم-، كانوا أفضلَ هذه الأمة: أبرَّها قلوبًا، وأعمقَها علمًا، وأقلَّها تكلُّفًا، اختارهم الله لصحبة نبيِّه، ولإقامة دِينه، فاعرِفوا لهم فضلَهم، واتبعُوهم على أثرهم، وتمسَّكوا بما استَطَعْتُم من أخلاقِهم وسيَرِهم، فإنهم كانوا على الهُدَى المستقيم)

  وصايا في الحفظ

قال الشافعي:

شكوت إلى وكيع سوء حفظي ... فأرشدني إلى ترك المعاصي

 وقال: اعلم بأن العلم نورٌ ... ونور الله لا يؤتى لعاصي! واعلم أن المتعلم يفتقر إلى دوام الدراسة، ومن الغلط الانهماك في الإعادة ليلًا ونهار؛ فإنه لا يلبث صاحب هذه الحال إلا أيامًا، ثم يفتر أو يمرض، وقد روينا أن الطبيب دخل على أبي بكر بن الأنباري في مرض موته، فنظر إلى مائه، وقال: قد كنت تفعل شيئًا لا يفعله أحد! ثم خرج فقال: ما يجيء منه شيء، فقيل له: ما الذي كنت تفعل؟ قال: كنت أعيد كل أسبوع عشرة آلاف ورقة.

الزيارات: 205