حوار : [العزامي: تفاعل الداعية مع قضايا أمته أحد مقومات نجاح الدعوة]

المجموعة: حوار الافكار نشر بتاريخ: الخميس، 23 تشرين2/نوفمبر 2017 كتب بواسطة: dawah33
حوار : [العزامي: تفاعل الداعية مع قضايا أمته أحد مقومات نجاح الدعوة]
الكاتب:
 

 

 

ضيف الحوار/ الداعية : محمد العزامي

أجرت الحوار/ الصحفية: أمينة سعيد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

 

الداعية هو ترمومتر المجتمع المستقيم، وعنوانه الدال على بناءه ودروبه وتربته، فهو المبلغ عن الله ورسوله، والامر بأمرهما، والناهي بنهيمهما، لذا فالداعية الناجح هو من يجب ان يكون عين مجتمعه على قضاياه ومشاكله وهمومه، هو من يجب أن يكون المرآة التي تعكس حال المجتمع الذي يعيش فيه، أما الداعية الفاشل فهو الذي يكون بأطروحاته وخطبه وندواته وكلماته في واد، والامة بآلامها وأحزانها وأفراحها وقضاياها في واد اخر..

 

وللوقوف على اهمية تفاعل الداعية مع قضايا مجتمعه وخطورة الابتعاد عنها، كان هذا اللقاء مع الداعية الاسلامي محمد العزامي، والذي يرى أن موقف الدعاة من التفاعل مع قضايا الأمة المعاصرة ينقسم إلى ثلاث فئات، منهم من  اتخذ من رسول الله أسوة, واتبع منهجه في التفاعل بشكل إيجابي مع أمته ,ومنهم من كان تفاعله مع قضايا الواقع سلبيًا ,ومنهم من غفلوا أو تغافلوا واقع الأمة فلزموا الحياد, ولم يتطرقوا في حياتهم الدعوية عبر كتبهم وخطاباتهم إلى قضايا الأمة  فكانوا في السلبية مع من قبلهم، وإلى نص الحوار.

 

 

· بداية هل لكم ان تعطونا نبذة عن  دور الداعية في المجتمع؟

*نقول ابتداء للدعاة  يكفيكم شرفا أيها الدعاة إلى الله أنّ الله اختاركم للفلاح والنجاة، قال تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (آل عمران:104)

ولا يُعفى من هذه الأمة  أحد ولو بالقليل لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم [بلِّغوا عنِّي ولو آيةً] (صحيح)

أما الدعاة إلى الله, فدورهم في المجتمع أطباء ورجال أمن وموجهون. يعالجون ما تفشى في الأمة من أمراض, ويستأصلونها بالحكمة والموعظة الحسنة, وهم كذلك يسعون لنشر الخير والحب والوئام والسلامة بين الناس ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا, وينبغي أن يقوموا في الناس بالدعوة للفضيلة والتحذير من الرذيلة, وإلا خرجوا من قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}(آل عمران:110) وأصابتهم لعنة الله كما في قوله: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ﴿78﴾ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} (المائدة: 78، 79)

 

 

· كيف يتفاعل الداعية الى الله مع الاحداث التي تمر بالمجتمع ؟

*بالرغم من كون الداعية متخصص في جانبه الدعوي وهو على ثغرة من ثغور الأمة إلا أن شخصية الداعية الناجح تكون متكاملة في بنائها العلمي والثقافي والتاريخي, وينبني على هذه الشخصية الدعوية المتميزة دعوة متميزة تجمع بين تحريك معاني الإيمان في نفوس الناس وبث الإحساس بالواجب المنوط بأبناء الأمة من جانب, ومن جانب آخر التفاعل مع الأمة وقضاياها على جميع الأصعدة وفي شتى المجالات, ولا بد أن يظهر دور الدعاة كمصلحين في الأرض يوجهون نصحهم وإرشادهم للأمة جميعا, بكل طبقاتها, فعن تَمِيمٍ الدَّارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: [الدِّينُ النَّصيحةُ قلنا : لمن ؟ قال : للَّهِ ولكتابِهِ ولرسولِهِ ولأئمَّةِ المسلمينَ وعامَّتِهم] (صحيح مسلم)

 

· ماهي الآثار المترتبة على عدم تفاعل الداعية مع ما يحيط به من احداث؟

*نحن حين ندعو إلى أن تأخذ الدعوة بعدًا شموليًا في شتى مجالات الحياة, وتتجاوز الجمود في تقديم الوعظ الديني فحسب، ندعو في ذات الوقت إلى أن يكون الدعاة نعم المرآة التي تعكس الصورة النقية من خلال رسمهم  لمعالم المنهج الوقائي والعلاجي حسب الواقع الموجود, نقصد بذلك أن يصبّ الداعية جزءًا كبيرًا من اهتماماته لمتابعة شؤون المسلمين وأمورهم في داخل قطره وخارجه, وإن لم يفعل فكمال الإسلام منفي عنه فضلا عن كمال الدعوة بل أستطيع القول أنه بات من واجب الداعية الحتمي نحو أمته في هذه المرحلة الراهنة أن يدور مع قضاياها حيث دارت، وأعتقد أن موقف  المنتسبين إلى الدعوة  من التفاعل مع قضايا الأمة المعاصرة ينقسم إلى ثلاث فئات.

الأولى: اتخذت من رسول الله أسوة, واتبعت منهجه في التفاعل بشكل إيجابي مع أمتها.

الثانية: كان تفاعلها مع قضايا الواقع سلبيًا فعلى سبيل المثال تجد بعض الدعاة في أمصار المسلمين المحتلة يميلون في خطاباتهم للدعوة إلى سلمية مقاومة المحتل معللين ذلك بموقف النبي في مكة, ولعلهم أحسنوا حفظ النصوص لكنهم لم يحسنوا فهمها وأساءوا القياس على هذا الواقع.

الثالثة: غفلوا أو تغافلوا واقع الأمة فلزموا الحياد, ولم يتطرقوا في حياتهم الدعوية عبر كتبهم وخطاباتهم إلى قضايا الأمة  فكانوا في السلبية مع من قبلهم سواء إذ إن الحياد لا يُقبل في مثل هذه القضايا.

 

 

· كيف يمكن أن يوظف الداعية ما يدور حوله من احداث لخدمة دعوته؟

*يجدر بالداعية المسلم أن يكون نبيها فطنا, متيقظا لما يدور حوله من أحداث وأن يستثمر دوره وموقعه من خلال تقديم الواجب المنوط به تجاه الأفراد, وما أجمل أن يكون داعية بالقدوة الحسنة التي يستفيد منها في تعزيز القبول لدعوته عند الناس, فإذا تحدث مع الناس عن التكافل والتضامن, وتنفيس الكروب والتفاعل بإيجابية مع الناس كما في قوله صلى الله عليه وسلم [من نفَّسَ عن مسلِمٍ كُربةً من كُرَبِ الدُّنيا نفَّسَ اللَّهُ عنهُ كُربةً منكُرَبِ الآخرةِ ، ومن سترَ علَى مسلمٍ سترَهُ اللَّهُ في الدُّنيا والآخرةِ واللَّهُ في عونِ العبدِ ما كانَ العبدُ في عونِ أخيهِ(صحيح الترمذي )

 

فينبغي أن يكون الداعية مثالا حيًا لهذه الدعوة القولية بتجسيدها واقعا في الدعوة العملية, وقد يستغني عن القولية ويقتصر على العملية فهي الطريق الأقصر للتأثير, بهذا يستفيد الداعية من موقعه في المبالغة في توصيل رسالته للمجتمع. أما عن كيفية توجيه الناس لهذا الحق، فباعتقادي أن نجاح الداعية في هذه المهمة منوط بأربعة أمور:

الأول: الفهم السليم للنصوص الشرعية.

الثاني: القياس الصحيح مكتمل الأركان.

الثالث: الطرح الحكيم القريب الواضح.

الرابع: التنويع في أساليبه في دعوة الناس للحق, خاصة في عصر التكنولوجيا الحديث.

 

 

· برأيكم ماهي أسباب غياب بعض الدعاة عن واقع الأحداث؟

*من فضل الله عز وجل أن أغلب الدعاة في المجتمعات المسلمة أصبحت اليوم حاضرة في كل الأحداث, ففي المشهد الاجتماعي  تجد الداعية هم المتحدث وهو القائد وهو المقدم على غيره ,وفي المشهد السياسي, تجده منتصبا لحملة التوعية السياسية.

وإذا ألمت بالأمة نائبة, أو أصابها خطب, كما في فلسطين والشام تجد الداعية أسدًا على منبره مجاهدًا بكلمته، وقد عايشت هذا كخطيب جمعة في مساجد غزة إبان الحروب الثلاثة الأخيرة على قطاع غزة.

ويمكن أن أرجع أسباب تغيب بعض الدعاة عن واقع الأحداث في الأمة إلى إرادته للتغيب بمعنى أنه من تلقاء نفسه لا يريد أن يظهر في المشهد, ولعل بعض الدعاة يسكت عن الحديث في واقع الأمة بداعي الخوف والمنع ليتماشى مع سياسات أخرى غير تلك السياسات التي يحتاجها الناس. ويمكن القول بأن ثقافات بعضهم محصورة فلا يحسن التوجيه والدعوة إلا في أبواب معينة وألوان محددة.

ومن الجدير ذكره أن عدم خوض بعضهم في أحداث الأمة وقضايا المشتعلة في هذه الواقع مرتبط بسوء فهم ثقافات المدعوين وأعرافهم  وهذه خلل عند البعض في مرحلة التكوين, فالداعية مطالب بالتعرف على عوائد المدعوين وأحوالهم التي يستطيع بعدها أن يخاطبهم بما يصلح به واقعهم ولنا في رسول الله أسوة حسنة فقد ثبت عنه كما في البخاري أن كان يرعى الغنم على قراريط لأهل مكة, فهذا تدريب له عليه السلام على قيادة الأمة والصبر على الشدائد, ودرس عملي لتجميع الناس حوله لا لتفريقهم.

وقد يرجع ذلك أيضا إلى التقليد الكامل عند بعض دعاتنا-هداهم الله- فتجده لا يحيد ولا ينقص ولا يزيد عن قول مجتهد سابق, فهل هذا مقبول؟ الجواب لا, انظر إلى قول الصاحبين لما خالفا أبا حنيفة في بعض المسائل واعتُرض عليهما, قالا: لو كان أبو حنيفة حياً لقال بقولنا, وكذلك ما نقل عن الشافعي من تغيرٍ في فتواه لما انتقل من العراق إلى مصر, ما عرف بعد ذلك بالقديم والجديد في مذهب الإمام.

 

 

· ماذا عن ضعف ثقافة الواقع لدى الداعية ؟

*قد أشرت إلى هذا العنصر في الحديث عن أسباب عزوف بعض الدعاة عن معايشة واقع أمتهم وقضاياها الحية, وأضيف: إن واقع كل بلد من بلاد المسلمين قد يختلف عن واقع البلد الآخر فموقف الدعاة يختلف حينئذ باختلاف هذا الواقع وهذا من دين الله كما أشار العلماء في السياسة الشرعية بأن الفتاوى تختلف باختلاف الزمان والمكان والأحوال, والحديث هنا عن الفتاوى لا عن الأحكام والأدلة الثابتة.

والحاصل أن الدعاة إلى الله  يحتاجون-في مرحلة الإعداد- إلى دراسة واقع أمتهم والتعرف العميق على ثقافة الواقع والفهم الدقيق للسياسات الشرعية وهذا كله يؤهل الدعاة ليكونوا على قدر المسؤولية المكلفين بها  وتوصيل رسالتهم السامية على أكمل وجه.

 

 

· برأيكم ما هي الحلول لجعل الداعية يعي أهمية تفاعله مع الأحداث ؟

*أعتقد أن مستوى الوعي الموجود لدى أغلب الدعاة طيب لكنه عند بعض دعاتنا لاسيما التقليديين أو الجدد هو أدنى من المستوى المطلوب، ومن الحلول الذي تبصر الداعي بشرف دعوته، وتنمي لديه روح الانتماء لقضايا أمته:

أولا: يتحتم علينا كدعاة وموجهين في المجتمع المسلم أن نلزم الطريق المستقيم وفق المنهج النبوي الكريم رافعين راية {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (يوسف: 108) ومعايشة الواقع والتفاعل مع أحداث الأمة كان من سبيله عليه الصلاة والسلام في الدعوة.

ثانيا: أن يتعمق لدى الداعية الشعور بالمسؤولية تجاه أمته، ويضحي من أجلها إن تطلب الموقف, ويقدم مصلحته دينه وأمته على ما سواهما؛ فالمتأمل في تاريخ الدعوات الإلهية منذ آدم عليه السلام إلى خاتم النبيين محمد صلى الله عليه ويسلم يدرك المعاناة التي تعنّاها الأنبياء لأداء أمانة الرسالة التي تحملوها، والدعاة ورثة الأنبياء.

 

وختاما أقول: إن مهمة الدعوة إلى الله واجبة على كل منا وكل بحسب مقدرته ومكانته فإمام المسجد في مسجده، والمحاضر في جامعته، والبائع في متجره، والكاتب عبر ما تسطره أنامله، والمجاهد وهو يحمل سلاحه، والأب في أهل بيته، والأم في تربيتها لأبنائها ولا ننسى بأن كل منّا راع وكل مسؤول عن رعيته. والله الهادي والموفق إلى سواء السبيل.

 

الزيارات: 17