[ وقفات مع رحلة القلوب إلى الله ..الحج ]

المجموعة: حوار الافكار نشر بتاريخ: الأربعاء، 23 آب/أغسطس 2017 كتب بواسطة: محرر 1

ضيف الحوار: د. أحمد مشتهى.

أجرت الحوار: أمينة سعيد.

هبت نسمات الحج لتداعب قلوب المشتاقين وتحقق أماني العاشقين الطامعين في الوعد العظيم ، الواقفين أمام الله سواسية، لباسهم واحد، والنسك واحدة، والهتاف واحد: لبيك اللهم لبيك... لبيك لا شريك لك لبيك، والهدف واحد: اللهم اغفر لنا وسامحنا وتقبل منا إنك أنت الغفور الرحيم .

فما هو الحج ؟ولماذا شرع الله الحج ؟ ما هي الآداب والأخلاق التي ينبغي أن يتحلَّى بها الحاج والمعتمر؟ دعوتها حاورت فضيلة الدكتور أحمد مشتهي -المحاضر في كلية الدعوة بفلسطين-الذي بدأ حديثه: فقال" الحج النسك الجامع لنواحي أركان الإسلام المفروضة والمتنفل بها، ففيه يرقى العبد بروحه، ويسير بجسده، تاركاً الدنيا وملذاتها وشهواتها لأجل أن يقترب من خالقه سبحانه وتعالى، طمعاً في ...والتفاصيل في السياق..

س1 ما هو الحج ؟

الحج ركن الإسلام الجامع لكل الأركان، فمن الشهادتين، الموجبات لبقية الأركان، إلى الصلاة في الحرمين وأجرها المضاعف بالآلاف، إلى الصيام في أيام الحج وعلى رأسها يوم عرفة، إلى زكاة المال وبذل وفيره في سبيل الوصول إلى البيت الحرام.

فهو بالمعنى العام نسك جامع لنواحي أركان الإسلام المفروضة والمتنفل بها، ففيه يرقى العبد بروحه، ويسير بجسده، تاركاً الدنيا وملذاتها وشهواتها لأجل أن يقترب من خالقه سبحانه وتعالى، طمعاً في نيل غفرانه، ليعود كيوم ولدته أمه، مغفور الذنب.

س2  لماذا شرع الله الحج ؟

الحِكم الربانية للعبادات ليس بالضرورة أن تظهر جلية للعباد، أو أن يصرح بها في مصادر التشريع الإسلامي، وإن اجتهد بعض أهل العلم في حصرها استنباطاً من النصوص القرآنية والنبوية التي شرعت من خلالها العبادات، أو التي رافقت أداء النبي صلى الله عليه وسلم للعبادة، أو من خلال البحث العلمي والوقوف على أثر العبادة على الفرد روحاً وجسداً، أو على المجتمع الإسلامي ومكوناته المختلفة.

أما عن بعض حِكم الحج فلعل أوضحها تحقيق التربية الإيمانية لدى المسلم في نواحي حياته، فمن لحظة عقد النية والعزم للخروج إلى الحج، إلى التضحية بأيام من العمر، وبذل كم من المال، ومفارقة الأهل، والانقطاع عن الأعمال الدنيوية، وتحمل وعثاء السفر ومعاناته، إلى ضبط النفس بإلزامها حميد الأخلاق، ومنعها من سيئها؛ فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج، وليس انتهاءً بشروط صحة العبادة في الحج، وما فيها من تقييد وضبط للشهوات، ومختارات الهوى.

وحِكم كثيرة أخرى يمكن أن نقف عليها من مشروعية الحج، كتنمية معاني التربية النفسية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية،... وكتب الفقه عامرة بهذه المعاني.

س3 يعيش الحاج الذي يحج لأول مرة حالة قلق اتجاه صحة الأعمال ما توجيهكم له ؟

ما ورد في السؤال ليس على إطلاقه، خاصة في هذه الأيام التي غزت فيها التكنولوجيا كل ناحية، واستثمر المعنيون بموسم الحج – وزارة الأوقاف ووزارة الحج وغيرهما – أموالاً طائلة في سبيل التعريف بمناسك الحج وأعماله، والشرح حولها، وتصوريها بعدة تقنيات، والتزام

بثها بالتصوير الحي المباشر على القنوات الفضائية، مما لم يدع مجالاً لأحد للجهل في مناسك الحج وأعماله، هذا بالإضافة للاشتراط على بعثات الحج مرافقة الوعاظ ومرشدي الحجاج لوفودهم.

أما عن الشعور النفسي بالقلق فطبيعي جداً أن يشك الحاج لأول مرة في أعماله، ونطمئنه إن كانت أعماله وفق توجيه المرشدين له، أو وفق ما قرأ وتثقف من المنشورات المتعلقة، ووصيتنا له ألا يتحرج في طلب التفصيل والاستشارة لذوي العلم – وهم كثر – قبل قيامه بأعمال جديدة لا يعرف تفاصيلها.

س4  ما هي الآداب والأخلاق التي ينبغي أن يتحلَّى بها الحاج والمعتمر؟

رحلة الحج في كل محطاتها تربوية أخلاقية، بدءً من عقد النية الخالصة، إلى تجهيز المال الطيب، إلى وداع الأهل ومسامحتهم، واستئذان أصحاب الدَّين إن كان الحاج مديناً بمال لغيره، إلى آداب السفر، وما فيها من تحمل وصبر على مشاق الطريق، خاصة في البلاد التي تشهد اضطرابات سياسية وأمنية في هذه الآونة، مما يؤثر على استقرار الطريق وأمن المسافرين والحجاج، وصولاً إلى أرض الحجاز، وشهود الموسم بزحامه، واختلاط ألوان الناس وأعراقهم وأشكالهم ولغاتهم.

س5 كيف يحقق الحج وحدة المسلمين وقوتهم وكيف يزيد من لحمة الإخوة بينهم ؟

مشهد الحج مهيب لمن يراقبه عن بعد، فهو يشعر بالوحدة العامة بين المسلمين، فهي تظهر هيأة كسوتهم ولونها، وتظهر في استجابتهم لإمامهم في الصلاة التي هي عين اجتماعهم اليومي المتكرر، وتظهر في أخذهم سواء للنسك دون تمييز لعرق أو للون أو لمنصب أو لجاه...، وتظهر في انتظام صفوفهم إلى الصلاة بنداء واحد لا يفرق بينهم فكلهم مسلمون راغبون إلى الله تعالى، وتظهر في التزامهم النسك في أيامه وأوقاته المعلومة، فلا يصح تعجيل أو تأجيل لذوي قوة أو سلطان، ففيه تنتفي كل الصفات، وتسود بين الناس صفة العبودية لله رب العالمين.

أما الذي يعيش الموسم، ويكون أحد الحاضرين، فيلمس بقوة معاني الوحدة والأخوة بين الحاضرين، رغم عوامل الاختلاف الكبير بين فئات الناس، إلا إنه حيث وجه وجهه يجد من يلهج بنداء التوحيد، ملبياً مكبراً ببراءة دون تكلف، ويبادل الشعور بالمحبة لإخوانه من حوله، فيتعاونون بينهم في الطواف والسعي وكافة أشكال النسك.

س6 ماذا نقول لمن تكون لديه القدرة المادية والصحية للحج لكن يتردد ويحرم نفسه من الخيرات ؟

هذه مسألة غير شائعة بين الناس، فالواضح أن الكثير من الناس يسابقون إلى الوصول لبيت الحرام وشهود والموسم، لطبيعة أن فرص الحج معدودة أمام أعداد المسلمين الكثيرة، ولكن تبقى حالات فردية من بينهم، لعله بعضهم تعلق بماله فحرص على عدم إنفاقه، أو ارتبط بتأهيل بنيه للزواج أو التوسع في السكن، وهذه حالات لكل منها ظرف يجب على الدعاة أن يتفقدوهم، ويخالطوهم بالتي هي أحسن، وينصحوهم بضرورة القيام بالركن الخامس كونه مرتبط بالاستطاعة، وعوامل الاستطاعة للحج طالما توفرت عند فرد مسلم بالغ عاقل فتصبح في حقه محل فرض عين مطلوب تحقيقها، ولا يجوز التأخر عنها إلا بظرف أكبر منها، لجملة كبيرة من النصوص القرآنية والنبوية التي شرع من خلالها الحج، والتأخير عنها تفريطاً أو جحوداً يعتبر كبيرة لا تجوز، وهي كفر يخرج من ملة الإسلام.

س7  كيف ساهمت الأجهزة الالكترونية في هذه الرحلة وما هي الاستخدامات الايجابية والسلبية لها؟

كما ذكرنا آنفاً أنها ساهمت كثيراً في التعريف بمناسك الحج وأعماله، وكان لها الدور الإيجابي الكبير لمن أحسن استخدامها وقنن استخدامها في رحلته، لكن العتب على من أفرط في استخدامها حتى في أوقات الطواف والسعي والوقوف بعرفة، فأفسدت عليه خشوعه بحضور قلبه وانتباهه للصلاة والدعاء.

وإن كان لنا توجيه في هذا المقام؛ فنساير الواقع بانتشار هذه الأجهزة بين الناس، ورغبتهم في نقل مواقع حضورهم، وتوثيق أماكن نزولهم ليعيشوا اللحظة مع أهلهم وأحبابهم، ولا يمنع ذلك ما لم يؤثر في خشوع صلاة أو تأخير نسك، ولكن إن امتد الأمر لغير وقته، وأفرط الحاج في الاستخدام لهذه الأجهزة فضيع وقته الثمين خصوصاً وهو في داخل المسجد الحرام، ففاته الأجر المضاعف بالصلاة والذكر، فنقول له تذكر لحظة مفارقتك لهذا المكان، وحاسب نفسك على تفريطك وعدم استغلالك لكل لحظة بالطاعة والعبادة، فالأمر أشد وأكبر من أن نشغله بتفاهات من الدنيا على حساب أعمال العبادة والطاعة.

س8  هل من وصايا نقدمها في هذا المقام للمرأة الحاجة ؟

وصايا الحج كثيرة للرجال والنساء، ولا مقام للتفصيل فالوعاظ والدعاة لم يقصروا في بيانها، وإن كنت أركز على شيء للمرأة الحاجة إجابة للسؤال، فلا أجمل من التنبيه على ضوابط الاحتشام في لباسها وهيأتها، والمحافظة على تجنب الاختلاط بالرجال ومزاحمتهم، والأخذ بالحيطة مرافقة المحرم من الرجال في التنقل بين مساكن الحجيج والبيت الحرام، لما في الغربة من وحشة، ولما في زحام الناس في الموسم من فرص للتيه والضياع والسرقة من بعض ضعاف الإيمان.

 

 

الزيارات: 114