حوار[أشتيوي: الحج رحلة إيمانية يتجرد فيها المسلمون من كل الملذات]

المجموعة: حوار الافكار نشر بتاريخ: الإثنين، 07 أيلول/سبتمبر 2015 كتب بواسطة: wdawah
حوار[أشتيوي: الحج رحلة إيمانية يتجرد فيها المسلمون من كل الملذات]

ضيف الحوار/ الداعية : الشيخ سامي بن جبر أشتيوي

أجرت الحوار/ الصحفية: أمينة سعيد .

الحج رحلة إيمانية ذات طابع خاص، فهي علاقة ظاهرة وباطنة، معلنة وخفية، يتجرد فيها المسلمون من كل ملذات الحياة، يتوجهون صوب قبلة واحدة، يناجون إلها واحدا، بصوت واحد، ودعاء واحد، "لبيك اللهم لبيك..لبيك لا شريك لك لبيك"..الكل قد تجرد من دنيوته، وقفوا جميعا – غنيهم وفقيرهم – صغيرهم وكبيرهم – عظيمهم وحقيرهم – الكل أمام الملك سواء، يبتغون رضا الله عز وجل، طمعا في جنته، وهربا من عذابه.

وللحج روحانيات عظيمة، يعايشها الحجيج في رحلة الأشواق والأمنيات، وهو ما أكده فضيلة الداعية الإسلامي، الشيخ سامي بن جبر أشتيوي، الداعية بقطاع غزة بفلسطين، ماجستير في التفسير وعلوم القرآن - خطيب وواعظ بوزارة الأوقاف مصداقا لما جاء في حديث ابن عمر، رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أما خروجك من بيتك تؤم البيت الحرام، فإن لك بكل وطأة تطأها راحلتك، يكتب الله بها لك حسنة، ويمحو عنك بها سيئة وأما وقوفك بعرفة، فإن الله عز وجل ينزل إلى السماء الدنيا فيباهي بهم الملائكة، فيقول: هؤلاء عبادي، جاءوني شعثاً غبراً من كل فج عميق، يرجون رحمتي، ويخافون عذابي ولم يروني فكيف لو رأوني؟ فلو كان عليك مثل رمل عالج، أو مثل أيام الدنيا، أو مثل قطر السماء ذنوباً غسلها الله عنك، وأما رميك الجمار فإنه مدخور لك، وأما حلقك رأسك فإن لك بكل شعرة تسقط حسنة، فإذا طفت بالبيت خرجت من ذنوبك كيوم ولدتك أمك" (الطبراني )

وأضاف أشتيوي في حوار خاص "لدعوتها "، أن رحلة الحج في حقيقتها رحلة مكتملة الأركان، في التقرب إلى الله عز وجل، وتقرب الله سبحانه من عباده، استهلها المولى جل شأنه بالحبّ والوصال، فأمر إبراهيم عليه السلام أن يؤذن في الناس بالحج، : }وَأَذّن فِى ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وعَلَىٰ كُلّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلّ فَجّ عَميِقٍ { ( الحج : 27 )..وإلى نص الحوار..

** من وجهة نظركم..ما الاستعدادات التي يجب على المسلم الذي انتوى أداء الحج أو العمرة أن يقوم بها ابتداء؟

** على المسلم الذي أعد نفسه للسفر إلى هناك، أن يشكر ربه كثيراً على هذه النعمة العظيمة، والعطية الكبيرة التي وهبه إياها، بأن جعله من وفد الحجاج أو المعتمرين، ولذلك على المسلم الذي ينوي الحج أو العمرة، أن يستشعر أنه يلبي أمراً إلهياً، نادى به سيدنا إبراهيم عليه السلام منذ دهورٍ طويلة، وأنه يقتدي بنبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم ويتأسّى به، وهو يجيب داعي الله تعالى بالذهاب إلى البقاع الطاهرة لإقامة شعائر الله تعالى، مُعظّما لله خاضعاً ذليلاً له، قال تعالى : }ومن يُعظّم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب{ (الحج: 32 ) وقال تعالى: } قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين{ ( الأنعام : 162).

ويستشعر المسلم مدى حاجته الدائمة إلى مناجاة ربه، وفقره لعفو مولاه وخالقه سبحانه، وأنسه بذكره، وقلة حيلته وضعف قوته إلا به، ويوقن أنه قد يذهب ولا يعود، وأنه سيلبس ملابس بيضاء تشبه ملابس الآخرة، بعد أن يتجرّد من ثيابه، وهذا يدفعه للتعلّق بالله وحده، والإكثار من التضرّع في كل لحظة على الدوام، يا الله ما أجمل هذه المشاعر وهذه الخلجات الرقيقة التي تلامس شغاف القلوب المحبة لله، فإذا بها تنفجرُ بكاءً ووجلاً لا إرادياً تعظيماً لله وخشية منه، واستشعاراً لعظيم الذنوب والتقصير!!. وكيف لا يبكى المحب المشتاق وهو يتذكّر ربما عشرات السنين مرّت عليه، ولم يستطع أن يكسر أغلال قلبٍ علِقت به الأوزار والسيئات، وغطى جنباته الرَّان والصدأ ـ عياذاً بالله ـ . وليبكِ طويلاً أن شرّفه الله من بين الملايين، ليكون وافداً على مولاه. ويا له من شرف.

وأخيرا لا بد من استحضار نية التوبة النصوح، وأنه ذاهب ليُطهر قلبه من الخطايا، وليعود بعهدٍ جديد وكأنه مسلم جديد، إذ لا يصح أن يذهب للطاعة وهو عازمٌ على المعاصي. فلا بد من عزمٍ أكيد على الخلاص من سيئات الماضي.

** هناك آداب عدة للحج، قبل السفر وبعده. فهل لفضيلتكم أن تقدموا نبذة عن تلك الآداب؟

** هناك آداب متعددة لمن انتوى الحج أو العمرة، قبل السفر وفي أثنائه وبعده، أما قبل السفر فلا بد من أمورٍ من أهمها: إخلاص النية لله تعالى، وتجريدها من كل شوائب حب الدنيا وعلائقها، لقوله تعالى: }وما أُمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء..{ (البينة: 5 )، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح :"إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى..."( مسلم )، أداء الأمانات وسداد الديون وردّ المظالم، لقوله تعالى : } إنَّ الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها{

( النساء: 58 )، وترك النفقة للأهل فلا يتركهم محتاجين، لقوله عليه الصلاة والسلام :" كفى بالمرء إثماً أن يُضيّع من يقوت" ( أحمد )، كذلك صلة الرحم ووداع الأهل والأحباب، واستحباب كتابة الوصية قبل السفر، تحري الحلال في النفقة، فإن الله تعالى طيب لا يقبلُ إلا طيبا.

أما الآداب الواجب مراعاتها أثناء السفر، فأهمها، اختيار الرفقة الصالحة في السفر، ليعينهم ويعينوه على طاعة الله، المحافظة على الأخوة وطاعة أمير الرحلة، والإكثار من الذكر والصبر على معاناة السفر وترك الأهل والديار، لا بد من التحلّي بالأخلاق، ولين الجانب مع الرفقاء، والبشاشة لهم، وإعانة الضعفاء، المحافظة على الصلاة والأوراد والأذكار والإكثار من الاستغفار والدعاء، إذ إن دعاء المسافر مستجاب، التنافس على الطاعة وعدم الانشغال بالملهيات، من كثرة زيارة الأقارب والتسوّق والطعام والشراب وغيره مما يقتل الأوقات، بل لا بد من اقتناص الفرصة ومراعاة شرف الزمان والمكان، إذ معلومٌ أجر العبادة في المسجد الحرام والمسجد النبوي في الأيام العادية، فكيف إذا كانت في الأشهر الحرم وفي أيام الحج!.

** كيف ترى ما ينشر عبر المواقع الدعوية من مناسك الحج والعمرة؟

** لا بأس أن يستفيد الحاج مما يُنشر على المواقع والصفحات الدعوية ،مما يخص أمور المناسك من شرحٍ وكتيبات وفيديوهات، تشرح وتوضّح أمور العبادات، بل إنَّ هذا مطلوب، لأنه مما ينفع الحاج ويجسد له أمور عبادته، ويعينه على طاعة الله تعالى فتسهل عليه. لكن بشرط أن يأخذ من المواقع الموثّقة والمشهورة بالصدق والأمانة، وليبتعدْ عن الضعيف وغيره.

*هناك دروس إيمانية يغرسها الحج في نفس المسلم..هل لكم أن تعرجوا على بعض منها؟

** دروس الحجِّ معينٌ لا ينضب، ومدرسة لا توصد، ولكن المهم العمل، فمن أكرمه الله تعالى بالوفادة على بيته، يعلمُ على مستوى القلبيات والإيمانيات عظيم حبّ الله للعبد وكرمه عليه، ويتعلّمُ التعظيم لله وسرعة التلبية من شيخ الأنبياء إبراهيم وولده إسماعيل، وهما يقيمان بناء الكعبة وينفذان أمر الله تعالى، ويتذكر سعي هاجر، وقصة الذبح، وكيف رجم إبليس، وأنه مطلوبٌ منّا أن نرجم الشيطان على الدوام، بكثرة الاستعاذة منه ومخالفة طريقه.

فالحجُّ يملأ القلب بالإيمان والشوق للطاعة، ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم في زيارته، والتأدب عند القدوم إلى مدينته الطيبة المطيبة، ويغرسُ في نفوس المؤمنين أنَّ السير إلى الله تعالى طريقٌ ذو كدح وتعب، ولن يصلَ إلا من جد وسار، وشمّر واجتهد .

وأما على مستوى العمل فالدروس كثيرة، منها، العمل كيف عمل إبراهيم عليه السلام ونفّذ أوامر الله تعالى، ونتعلمُ النظام والترتيب بين الأركان والسنن، وعدم إيذاء المسلمين في العبادة وخارج العبادة، ونتعلمُ التعاون، وأنَّ الإسلام ينتظر منّا الكثير، كما لا ننسى درس القدوة، وقدر حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي علّمنا أمور العبادات، وأرسل للناس يخبرهم بنيته الخروج للحج، واجتماع الألوف حوله يتعلمون ويتأسون ويُقلّدون.

** لقد أرسى الحج الأسس الأولية لمعاني الأخوة والتفاضل بين الناس..ما تعليقكم؟

** عندما نتأمل في شعائر الحج، نجدها تدعو إلى رفع شعار واحد، وهو } ...إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم{ (الحجرات: 13 )، فتمحو فوارق اللون واللغةِ وحتى الجنس، وأنصت لقول نبيك صلى الله عليه وسلم، وهو يخاطب الجموع المؤمنة التي جاءت تأتم به: " يا أيها الناس: ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا أسود على أحمر؛ إلا بالتقوى" ( مسلم )، ويتجلّى ذلك واضحاً في خطبته عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع؛ حيث قال صلى الله عليه وسلم: "أيها الناس اسمعوا قولي واعقلوه، تعلمُنّ أن كل مسلم أخ للمسلم، وأن المسلمين إخوة، فلا يحل لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه، فلا تظلمُن أنفسكم" ( مسلم )، فكل ذلك ليقول لنا – عليه الصلاة والسلام - إنكم إخوة رغم اللون واللغة والجنس، إذ إن رابطة العقيدة أقوى من رابطة الدم والنسب والأرض.

** هل ثواب الحج والعمرة مقتصر فقط على من أدى هذه الشعائر؟ وما جزاء من أحصر عن أداء هذه العبادة لأسباب خارجة عن إرادته؟

** هذه مجموعة بشائر من حبيبك النبي صلى الله عليه وسلم، لمن أحصر بسبب عدوٍ أو مرضٍ أو فقر أو طارئ، قال صلى الله عليه وسلم: " من خرج من بيته متطهراً إلى صلاة مكتوبة، فأجره كأجر الحاج المحرم" ( أحمد )، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"من غدا إلى مسجد لا يريد إلا أن يتعلم علما أو يعلمه، كان له كأجر حاج تامة حجته" ( مسلم)، وفي موضع آخر :"من صلى الغداة في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم صلي ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة تامة تامَّة تامَّة" ( البخاري )، وكما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى قال : "إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك، فمن هم بحسنة ( حجة ) فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة.. " (البخاري ومسلم).

** إرشادات إيمانية عابرة لمن وفقه الله لأداء هذه الفريضة..ماذا تقول فيها؟

** لا ينسى الحاجُّ حاجة إخوانه إلى الدعاء، وخاصة المظلومين والمضطهدين من المسلمين في كل مكان، بأن يكثر من التضرّع والدعاء لله تعالى، أن يكشف الضر والبلوى عن المسلمين في كل مكان، وأن يُصلح أحوالنا ويلهمنا الصبر والثبات، وأن يُسددنا ويوفقنا لما فيه الخير للبلاد والعباد، وأن ينصر المجاهدين ويُسدّد رميهم، وأن يحفظ علماءنا وأهلنا، وأن يغنينا بحلاله عن حرامه وبفضله عن مسألة غيره، كما يجب أن يأخذ معه بعض الهدايا لأهله وأولاده وأحبابه إن استطاع، لترغيبهم وتحبيب الطاعة إليهم، ودفعهم لزيارة تلك البقاع بحجٍ أو عمرة، وإن لم يستطع فلا يكلّف الله نفساً ما لا طاقة لها به، وليتذكّر أنه حديث عهدٍ بطاعة فلا يُدنسها بالعودة إلى المعاصي والآثام، وليثبت على الطاعة كما الجبال، فلا تُحركه كل زوابع الشهوات والشبهات.


تاريخ المادة: 23/11/1436.

 
الزيارات: 226