الحاجة زينب الغزالي.. نموذج الداعية الناجحة

المجموعة: تجارب دعوية نشر بتاريخ: الثلاثاء، 04 آب/أغسطس 2015 كتب بواسطة: wdawah
 
الحاجة زينب الغزالي.. نموذج الداعية الناجحة
 

أ. فاطمة عبد الرؤوف/ كاتبة إسلامية متخصصة في قضايا الأسرة.

 

لا زلت أذكر شعوري باللهفة عندما كنت أشتري جريدة: "المسلمون"، وأجد في صفحتها الأخيرة (المسلمات) مقالاً صغير الحجم في عمود ثابت اسمه: "إلى ابنتي"، فأبدأ في قراءة الجريدة من آخر الصفحات وتحديداً من هذا المقال الثابت الذي كانت تكتبه الحاجة زينب.

 

كانت كلماتها تدخل إلى قلبي مباشرة فتهزه وتترك عقلي يفكر ويتأمل ويتعلم، لازلت أذكر هذا المقال الذي روت فيه الحاجة زينب عن تجربة دعوية لها ـ وما أكثر تجاربها الفريدة ـ هزتني تلك التجربة الإنسانية فلقد تعرفت الحاجة زينب على فتاة بغاء ساقطة في بحر الرذيلة وغارقة فيها حتى أذنيها، وعلى الرغم من ذلك تراودها نفسها أن تتوب، لكنها كانت تبدو كرغبة يائسة فكيف تتوب وكيف تعيش ومن ذا الذي يقبلها؟

لكن الداعية العظيمة التقطت تلك الرغبة الدفينة فأشعلتها وأخذت على عاتقها دعوة الفتاة وتعليمها أمور دينها وطريق التوبة وتكفلتها وتابعت صحتها حتى شعرت أنها أصبحت امرأة جديدة مؤمنة تائبة، لكنها على الرغم من ذلك متخوفة من مستقبلها المظلم بعد ماضيها الأسود.

لم تواسها الحاجة زينب بكلمات الرحمة بل كانت هي الرحمة ذاتها، فقالت لها:  سأعتبرك ابنتي.. بحثت الحاجة زينب فيمن تعرف ممن يصلح كزوج لابنتها التائبة فوجدت رجلا ريفيا صالحا لا عائلة له، ويعيش حياة بسيطة أقرب للفقر، فوجدته مناسبا؛ فهو لن يهمه أمر عائلة الفتاة وكل ما يشغله أن يتزوج امرأة تقبل ظروفه وترضى عيشته وهو ما كان.. فهل انتهت مهمة الداعية العظيمة عند هذا الحد؟

لا! لقد اعتبرت الفتاة التائبة كابنتها التي لم تنجبها فعلا فكانت تزورها في المواسم التي اعتاد أهل الريف أن يزوروا فيها بناتهم، وتحمل لها الهدايا والنصائح وتتعاهد أحوالها وتوصي الزوج بها خيراً.

هذه هي الحاجة زينب التي تقابل الرؤساء والأمراء، ويتهافت عليها أصحاب المراكز والجمعيات لإلقاء محاضرة، التي كانت تقرأ وتكتب نحواً من عشر ساعات، الحاجة زينب الذي كانت تخطط على مستوى الأمة وتضع الخطط لعودة الإسلام من جديد، وعلى الرغم من ذلك لم تنس هذه المسكينة التي كانت ضائعة فهداها الله على يديها فوضعت على عاتقها وفي جدولها أن تتعاهدها وتتابعها وأن تفخر ببيتها المسلم النظيف الذي كونته ثم تسجل هذه التجربة وتفخر بابنتها التي تابت فحسنت توبتها وتركت المال الوفير وعاشت في قرية بعيدة حياة الشظف لأجل رضا الله – تعالى -.

الحاجة زينب تناشد الدعاة التعامل برأفة ورحمة مع المذنبين المخطئين وتوفير فرصة جديدة لهم كي يتنفسوا هواء التوبة النقي. كان هذا هو دافع المقال الدعوي الجميل صغير الحجم غزير الفائدة، فماذا لو تأملنا مقالاتها الواحد تلو الآخر؟

 

طفولة متميزة

ولدت الحاجة زينب عام 1917م في شهر يناير في قرية  "ميت يعيش" مركز ميت غمر – بمحافظة الدقهلية بجمهورية مصر العربية، هذه القرية تبعُد تقريبًا حوالي90 كيلو مترٍ عن العاصمة القاهرة، ونشأت لأبوين كريمين هما: الشيخ محمد الغزالي، وكان عالما أزهريا لكنه لم يعمل في مجال الدعوة الإسلامية فكان يعمل بتجارة القطن، وكانت والدتها ابنة لعمدة القرية،  وكان ترتيب الحاجة زينب في الميلاد بعد أربعة من الأبناء لأبيها فكانت أول بنت فحظيت بعناية خاصة من أبيها وكان والدها- رغم صغر سنها - يأخذها معه في الجلسات التي يحضرها لكبار القرية وكان يحدثها منذ نعومة أظافرها أنه لابد أن يكون  لها دور في المجتمع والحياة وكان يقرأ لها سير الصحابيات وبخاصة سيرة السيدة نسيبة وكان يعطيها سيفا خشبيا كأنها فعلا السيدة نسيبة ويقول لها: هيا اذهبي لتدافعي عن رسول الله فأحبت هذا الدور وهيأ نفسها  لما ستقوم به في المستقبل.

ولو أدركنا كيف أن السنوات الأولى من عمر الطفل تؤثر في تكوينه النفسي لأدركنا عظم الدور الذي قام به والد الحاجة زينب الغزالي، فلقد أصبحت خدمة الدين والدفاع عنه جزءا أصيلا من مكونات شخصية الحاجة زينب حتى أنها اشترطت على زوجها ألا يمنعها أبدا من الدعوة إلى الله - تعالى - وكان لها ما أرادت.

 

السيدات المسلمات

بعد وفاة والد الحاجة زينب انتقلت الأسرة للحياة في القاهرة وسعت الحاجة زينب لاستكمال تعليمها في التمريض بعد أن قرأت عن دورة لإعداد الممرضات كان قد أعلن عنها الاتحاد النسائي الذي كانت ترأسه هدى شعراوي، وهناك تعرفت الحاجة على هدى شعراوي التي أعجبت بحماسها وبلاغتها فدعتها للاشتراك في الاتحاد النسائي وهو ما كان حتى حضرت مجموعة من الحلقات في الأزهر تتحدث عن دور المرأة في الإسلام، وكأنما تذكرت الحاجة زينب كلمات أبيها القديمة فتحركت مشاعرها أولا ثم لم تلبث أن اقتنع عقلها أن الاتحاد النسائي يقوم على أسس تغريبية وأن الإسلام هو النموذج الذي أوفى المرأة حقوقها كاملة فاهتمت بطلب العلم وحرصت على حضور الحلقات وقراءة الكتب إلى أن عقدت العزم على تأسيس أول جمعية إسلامية نسائية في العصر الحديث ـ أعني جمعية السيدات المسلمات ـ وأعلنت عن تأسيس هذه الجمعية من كلية الشريعة بالأزهر بالدراسة.. كان ذلك عام 1937م وكانت الحاجة زينب في العشرين من عمرها في ذلك الوقت.

هذه الجمعية - التي تجاوز عدد فروعها المائة فرع وكانت عملًا مؤسسيَّا ضخمًا - كان لها عدد من الأهداف ومن ذلك:

ـ نشر الدعوة ورفع الوعي الديني خاصة بين الأوساط النسائية.

ـ دعم الأسر الفقيرة والمحتاجة .

ـ عمل مشاغل وتعليم الفتيات حرف يدوية ليعشن عيشة كريمة.

وعلى الرغم من ذلك كله لم تتوقف دعوة الحاجة زينب الغزالي لهدى شعراوي حتى كان آخر لقاء لها معها وهي على فراش الموت وهكذا الداعية الناجحة لا تيأس أبداً.

 

أيام من حياتي

هل من الممكن أن نذكر الحاجة زينب ولا نذكر تلك الأيام؟ أيام الابتلاء العظيم بعد أيام الدعوة والجهاد، إنه الابتلاء الذي يمحص المؤمنين الصادقين لا هؤلاء المزيفين الذي يسقطون من أول اختبار، ولقد عاشت الحاجة زينب الاختبار وراء الاختبار والمحنة تلو المحنة ولقد ذكرت بعض ما تعرضت له من أهوال في كتابها الشهير (أيام من حياتي).

إن زينب الغزالي التي عاشت حياتها كعلية القوم لم يضربها أحد ولو بوردة تتعرض للتنكيل الفظيع بآلة التعذيب الوحشية تعلق وتجلد فلا يشغلها إلا إحكام ثيابها عليها، صدقت الله فصدقها واستعانت به فصبرها، أطلقوا عليها وحشاً آدميا عملاقاً في غرفة الحبس الانفرادي التي جلست فيها بغية اغتصابها وتحطيم نفسيتها فاستعانت بالله - تعالى - وأخذت تذكر الله - تعالى - وصرعته.

حبسوها ستة أيام دون ماء أو طعام أو دورة مياه حتى يقتلوها فرأت النبي صلى الله عليه وسلم في نومها يبشرها، فرزقها الله الثبات وتحملت حاجات الإنسان الأولية الفطرية حتى أذهلت جلاديها.

لقد سجلت الحاجة زينب هذا الكتاب كشهادة تاريخية ودروس دعوية للأجيال، إنها الرسالة التي قالت عنها الحاجة زينب: "إنها رسالة الرسل والأنبياء هيمنت عليها وأكملتها رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - فبشريعتها أتم الحق تكاليفه لعباده ونسخ بها ما سبقها وأقامها حقيقة زكية {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} (الكهف: 29)، إن الذين تجشموا وعورة الطريق وعرفوا بمشيئة الله مقاصد الكتاب والسنة لن يحيدوا عن الحق والخير والدعوة إليه حتى تقوم الأمة وتستقر البشرية تحت أعلام كتاب الله وسنة رسوله.

وإننا لعلى الطريق مثابرون محتسبون ما نلاقي عند الله {إ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ} (التوبة: 111)" (1)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) من مقدمة كتاب: "أيام من حياتي" للحاجة زينب الغزالي.

 

 

 

تاريخ المادة: 18/10/1436.

 
الزيارات: 191