[حوار: مكانة الدعوة إلى الله ]

المجموعة: حوار داعية نشر بتاريخ: الأربعاء، 23 كانون1/ديسمبر 2015 كتب بواسطة: wdawah
[حوار: مكانة الدعوة إلى الله ]

ضيف الحوار/ الداعية : أبوعادل الخبراني

أجرت الحوار/ الصحفية: أمينة سعيد


تعد الدعوة إلى الله من أشرف المهمات مكانة، وأعلاها منزلة، وأقربها إلى مرضاة الله عز وجل، فهي وظيفة الأنبياء والرسل، ومنارة التعريف بالله سبحانه وتعالى، قال عز وجل: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ﴿45﴾ وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا}(الأحزاب: 45-46) وقال أيضا: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (النحل: 125)


والدعوة إلى الله هي الميزة التي فضّل الله تعالى بها هذه الأمة على سائر الأمم؛ فقال تعالى: } {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} { ( آل عمران: 110)، وقال تبارك وتعالى آمرًا بها وحاثًا عباده على القيام بها: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (آل عمران: 104) لذا كان الداعية إلى الله تعالى العامل بما يدعو إليه، من أحسن الناس قولًا، قال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} ( فصلت:33 ) ، بل إن الداعية له أجره من الله الكريم، وله كذلك أجر من دعاهم إلى الله تعالى، قال صلى الله عليه وسلم: [من دعا إلى هدًى ،كان له من الأجرِ مثلُ أجورِ من تبِعه ، لا يُنقِصُ ذلك من أجورِهم شيئًا ]( مسلم ).


وإذا كانت دعوة المجتمع بأسره إلى الله عموما، لها من المنزلة مالها، فإن دعوة الأهل والأقارب والمحيطين لها من المكانة، ما لم يستطع أي بشر أن يرسم ملامحها، وهو ما أشار إليه فضيلة الداعية الإسلامي، الشيخ أبو عادل الخبراني إمام وخطيب بأحد المساجد بمدينة الرياض.


وأضاف الخبراني خلال حوار له، أن من أهم طرق نجاح الدعوة، أن يبدأ الإنسان بذاته، ثم بأهل بيته ثم الأقرب فالأقرب, موجها الداعية إلى استغلال اللقاءات الأسرية، لنشر دعوته، وذلك من خلال إعداد بعض البرامج المفاجئة لهم، أو بعض المسابقات الترفيهية، ووضع جوائز تحفيزية .وإلى نص الحوار


* هل لفضيلتكم أن تعطونا نبذة عن مفهوم الدعوة في محيط الأسرة وأهم أركانها؟

* أولاً : يجب أن يُعلم بأن أي عملٍ يجب أن يكون خالصاً لله سبحانه وتعالى، فمدار قبول العمل شرطان رئيسان: الشرط الأول: الإخلاص، فلا يقبل عمل إلا أن يكون خالصاً لله تعالى، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : قال الله تبارك وتعالى : [أنا أغنَى الشركاءِ عن الشركِ . مَن عمِل عملًا أشرك فيه معِي غيرِي ، تركتُه وشركَه] (مسلم)
الشرط الثاني : الموافقة والمتابعة أي أن يكون هذا العمل موافقاً لهدي النبي صلى الله عليه وسلم، روَى مُسلِمٌ مِنْ حديثِ عائشةَ أنّ الرَّسولَ صلى الله عليه وسلم قال :[ من عملَ عملا ليسَ عليهِ أمرُنا فهو ردٌّ] ( مسلم )
ثانيا : أود أن أوضح بأن من معاني وتعاريف الدعوة بأنها طلب الخير للغير، وهي أفضل الأعمال على الإطلاق، كيف لا وهي وظيفة الأنبياء والرسل، قال جل وعلا: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} ( فصلت: 33 )، وقال جل وعلا : {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} ( آل عمران110 ) وقال صلى الله عليه وسلم: " [من دعا إلى هدًى ،كان له من الأجرِ مثلُ أجورِ من تبِعه ، لا يُنقِصُ ذلك من أجورِهم شيئًا]( مسلم ).

ومن ثم فللدعوة بشكل عام فضل عظيم وأجرٌ جزيل، لا يقدر ثوابه وفضله إلا الله جل وعلا, وللدعوة في محيط الأسرة فضل خاص، وأجر عظيم، فهي الأساس الأول في بناء المجتمع المسلم، فقد أمر الله تعالى نبيه الكريم بقوله {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} (طه:132) ثم تدرج فأمره بإنذار أهله وعشيرته، فقال: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} ( الشعراء :214) ثم بعد ذلك توسع النطاق، فقال تبارك تعالى: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} (الحجر:94)

إذاً: الأساس الأول هو البيت ويتكون من الأسرة، وتتكون الأسرة عادةً من الأب والأم والزوجة والأبناء وهم اللبنة الأولى لبناء المجتمع، وهل المجتمع إلا مجموعة أسر؟!

والمقصود بالدعوة في محيط الأسرة: هو دعوة الأسرة التي تعيش معهم، وتوجيهم التوجيه السليم، ولكل فرد من أفراد الأسرة طريقة وأسلوب، يختلف عن وسائل وأساليب الفرد الآخر.

فدعوة الوالد ليست كدعوة الأخ والابن، ودعوة الأم ليست كدعوة الأخت والبنت، فللوالدين مزية خاصة، وتعامل خاص ينفردان به عن باقي الأسرة.

وقد أمر الله سبحانه وتعالى بالبر بهما، وطاعتهما، وإن كانا كافرين، فقال،{ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} ( لقمان : 15).

فدعوة الوالدين تحتاج عناية فائقة، وصبرًا على الأذى، فقد يقابل الداعية الأذى الكثير من والديه، فقد ينبذانه، وقد يتهمانه بالجفاء والقطيعة والعقوق، فيجب أن يبقى قريباً منهما، صابراً على أذاهما، محباً لهما، مظهراً الشفقة عليهما.

كذلك من الأسس القوية في الأسرة: الزوجة، وهي بحاجة إلى دعوة، وأقرب ما يكون لها من الأساليب هو الأسلوب العاطفي، فهي سريعة التأثير، سريعة الإجابة، لكنها تحتاج إلى روية، وإلى معاشرة حسنة، وإلى تأنٍ وإقناع، وبهدايتها يهتدي معها خلق كثير بإذن الله ( أبناؤها بناتها إخوتها أخواتها...)، كذلك دعوة الأبناء والبنات ومتابعة دعوتهم.


* كيف كانت دعوة الأهل والأقارب من الكتاب والسنة ؟

* إن من أهم الطرق في نجاح الدعوة، أن يبدأ الإنسان بذاته، ثم بأهل بيته ثم الأقرب فالأقرب, وقد حثت الآيات الكريمات على ذلك، حين أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم حيث قال: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} ( طه :  132)، وفي قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} ( التحريم : 6 )، فأمر سبحانه بالحرص على رعاية الأهل ووقايتهم من عذاب الله .

وقال الرسول صلى الله عليه وسلم : [كُلُّكُم راعٍ، وكُلُّكُم مَسْؤُولٌ عَن رَعِيَّتِه ، الإِمامُ راعٍ ومَسؤُولٌ عنْ رعِيَّتِه ، والرَّجُلُ راعٍ في أهلِه وهو مَسْؤُولٌ عن رعيَّتِهِ ، والمرْأةُ راعِيةٌ في بيتِ زوجِها ومَسْؤُولةٌ عن رعِيَّتِها ، والخادِمُ راعٍ في مالِ سيِّدِه ومَسْؤُولٌ عن رعيَّتِه . قال : وَحَسِبْتُ أنْ قدْ قال : والرَّجُلُ راعٍ في مالِ أبِيهِ ومَسْؤُولٌ عن رعيَّتِه ، وكُلُّكُم راعٍ ومَسْؤُولٌ عن رَعِيَّتِه](صحيح البخاري )


* ما أهم أسس  العلاقة بين الداعية ومجتمعه الضيق المحيط به ؟

** الأساس الأول هو الدين، فكما قال الرسول صلى الله عليه وسلم : [كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه] ( مسلم ) فالعقيدة السليمة هي أساس بناء الأسرة، ثانيا: علاقة حب الخير والحث عليه، ثالثاً: ترابطهم على المصير فالداعية لا شك بأنه يسعى جاهداً لتوجيه المحيطين به للعمل الصالح الذي يرجو الله به وبسببه دخول جنات النعيم، كما يرجو ربه أن يجمعه بهم دار كرامته ومستقر رحمته، فهذا الرابط من أقوى الروابط التي لها تأثير كبير جداً في تقوية العلاقة به، وقد يسري أثره حتى بعد موته إن أراد الله لهم الهداية والاستقامة.


* ما أهم الوسائل التي ينبغي للمسلم أن يوظفها في دعوته إلى الله تعالى في محيط أسرته؟

* قبل أن نتطرق إلى الوسائل، لعلنا نعرج على الأساليب، فهي في نظري أهم من الوسائل:

فمن الأساليب المهمة للداعية كي ينجح في دعوته للمحيطين به ما يلي:

أولا: القدوة الحسن, فلا تظهر أيها الداعية لأسرتك وللمحيطين بك، خلاف ما تدعو إليه، بل إن هذا الفعل من خوارم الأخلاق، وكما قال الشاعر:

لا تنه عن خلق وتأتي مثله         عارٌ عليك إذا فعلت عظيم

فكن قدوة حسنة للكبير والصغير في قولك وفعلك، ومظهرك ومخبرك.

ثانيا: لا تظهر أمامهم بأنك من نوع ( ملائكي) وهم من أجناس( الشياطين)، فتشعرهم بأنك العدل الذي لم يلحق به خطأ ولا إثم، وبأن من حولك هم حثالة مخطئون، فإذا نظرت إليهم هذه النظرة، فاعلم بأنك جانبت الصواب في دعوتك، وإن كانوا أقرب الناس إليك، وبأنهم منك نافرون، ولقولك رافضون، ولغيرك متجهون، فلا تكن سبباً في نفورهم منك، والله سبحانه وتعالى يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم : {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} ( آل عمران – 159 ).

ثالثاً: من الأساليب أيضاً، أن يوضح الداعية للمدعوين شفقته عليهم، وحبه لهم، وحرصه على مصلحتهم، وابتداءه بالدعاء لهم عند مقابلتهم، حتى يحبوه،، فإذا أحبوه سمعوا منه ما يريد سماعه، وأنصتوا له، واستجابوا لدعوته، وهذا هو القصد والمراد من الدعوة والدعاة.

رابعاً : كذلك من الأساليب الدعوية ابتداؤهم بالسؤال عنهم، وتلبية بعض مطالبهم، ومساعدتهم في قضاء حوائجهم، مبتغيا بذلك وجه الله سبحانه، فإنك بهذا تكسب أجر قضاء حوائجهم، وأجر استجابتهم للدعوة، فأفضل الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم، وبذلك تكسب ودهم، وثقتهم، واستجابتهم لدعوتك.


أما الوسائل فهي كل ما يكون وسيلة لإيصال الدعوة للغير، ومنها على سبيل المثال لا الحصر:

الشريط الإسلامي النافع، المطويات ، الكتيبات، الهدايا ...وهكذا.

* كيف يمكن استغلال اللقاءات الأسرية ونشر الدعوة من خلالها ؟

* يستطيع الداعية استغلال اللقاءات الأسرية لنشر دعوته، وذلك من خلال إعداد بعض البرامج المفاجئة لهم، أو بعض المسابقات الترفيهية، ووضع جوائز تحفيزية، على أن تكون البرامج سهلة وميسرة، وتحمل روح الدعابة، والسرور بعيداً عن الرسميات والتكلف، كذلك يستطيع نشر بعض المطويات أو الأشرطة ( سي دي ) مثلا.. وفيه بعض الأحكام الإسلامية المهمة، كتعليم صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، والحجاب الشرعي، إضافة إلى اقامة مسابقة بصيغة أسئلة وأجوبة مباشرة، وتكون الأسئلة تهتم بجميع الشرائح المتواجدة في اللقاء..


* ما عواقب ترك ابتعاد الداعية عن القيام بواجباته نحو محيط أسرته وأقاربه ؟

* لا شك أن أي مجتمع يخلو من الدعوة إلى الله والحث إليه، مآله إلى التدهور والسقوط في وحل البدع والخرافات، ووحل السفور والانحطاط الأخلاقي، ومن ثَمَّ التشتت ثُم الضياع، وهذه مهمة في أعناق أرباب الأسر عامة، والدعاة منهم خاصة.


** كلمة أخيرة توجهها للدعاة..

* تذكر أخي الداعية، بأنه سبقنا إلى هذا المجال الدعوي، سيد البشر، بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم، تذكر بأن الخير والشر في صراع إلى أن تقوم الساعة، فكن على ثقة بما تدعو إليه ولا تعجز، تذكر بأن نبينا صلى الله عليه وسلم، وهو قدوتنا، صبر على إبلاغ دعوته حتى أتمها على أكمل وجه، فتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، تذكر لَأن يهدي الله بك رجلا واحداً خير لك من حمر النعم، فالدعوة وظيفة الأنبياء والرسل، والدعاة إلى الله هم ورثة الأنبياء, فالأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهماً، بل ورثوا العلم،  فمن أخذه أخذ بحظ وافر.


تاريخ المادة: 11/3/1437.

  الزيارات: 432