حوار: [ لا يجوز للدّاعية أن يَيْأس من عدم استجابة المدعوين]

حوار داعية
الخطوط

تقييم المستخدم: 0 / 5

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 
حوار: [ لا يجوز للدّاعية أن يَيْأس من عدم استجابة المدعوين]

ضيف الحوار/ د. سلمان بن نصر بن أحمد الداية

أجرت الحوار/ المحررة : أمينة سعيد  .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

" خلق الله تعالى الناس جموعاً عظيمة، وقبائل متعددة ليعرف بعضهم بعضاً، فكان ذلك أدعى للتنافس في الخير، وأعون على توظيف الملكات والمواهب، والأفكار إحياءً لمقاصد الشّرع، ومصالح البشر بهذه الكلمات استهل فضيلة الأستاذ الدكتور  سلمان الداية الأستاذ المشارك بكلية الشريعة في الجامعة الإسلامية حواره مع "دعوتها "مؤكداً أنه لابد للداعية أن يحسن مخالطة الناس وأن يتعرف على أخلاقهم، وعوائدهم، وطباعهم، فإنّ علمه بذلك يفتح عليه كيف يدعوهم إلى الله، وما هي مادة الدعوة التي يُقدمها لهم، والأسلوب الذي يخاطبهم به, لافتاً إلى أن علاقة الداعية بالناس وجب أن تبنى على الصدق في المعاملة، والأمانة في العلم، والمروءة في الأخلاق, داعياً الدعاة الى قراءة سير السّلف الماضين، والتعرف على جميل أخلاقهم، وطباعهم، وحسن مواساتهم،

وتناول فضيلته في حواره مكانة العلاقات الاجتماعية ,وهل هي أحد أسرار نجاح الداعي في دعوته ؟والآثار المترتبة على اهتمام الداعية بأهله وأقاربه ...وإلى نص الحوار :

بداية هل لفضيلتكم أن تعطونا نبذة مختصرة عن مسيرتكم العلمية؟

سلمان بن نصر بن أحمد الداية - أستاذ مشارك بكلية الشريعة في الجامعة الإسلامية بغزة تاريخ الميلاد : 1/ محرم /1381هـ ، الموافق 14/يونيو /1961م - مكان الميلاد : غزة, الجنسية : فلسطيني دراستي الجامعية الأولى- البكالوريوس- في كلية الشريعة في الجامعة الإسلامية بغزة، ودراستي العليا - الماجستير- في الفقه والتشريع في كلية الشريعة في الجامعة الأردنية بعمان, وحصلت على درجة الدكتوراه في الفقه وأصوله في كلية الشريعة في جامعة أم درمان الإسلامية بالسودان , الآن أستاذ الفقه وأصوله في الجامعة الإسلامية بغزة .

ألفت العديد من الكتب، منها: مسائل في الفقه المقارن , آداب العالم والمتعلم , آداب حملة القرآن والسنة , روائع البيان في الرد على من زعم أن البدعة كالمصلحة المرسلة والاستحسان , الرد التمام على من زعم أن الرؤيا وطمأنينة القلب والإلهام من أدلة الأحكـام ,الأحكام السنية في العشر والعيدين والأضحية ,تنبيه الأنام إلى أسرار الصيام  وغيرها الكثير...

كما لي عدد من الأبحاث المنشورة في عدد من المجلات العلمية الشرعية منها زكاة الزيتون وقد نشر في مجلة رابطة الأدب الحديث التابعة لكلية البنات جامعة عين شمس في القاهرة في جمهورية مصر العربية ,  قراءة الجنب والحائض القرآن وقد نشر في مجلة الجامعة الإسلامية بغزة , طلاق الرجل امرأته في حيض أو نفاس أو طهر مسها فيه وقد نشر في مجلة الجامعة الإسلامية بغزة ,زكاة الحلي وقد نشر في مجلة الحكمة في مكة المكرمة في المملكة العربية السعودية ,حكم إخفاء الزكاة وتأخيرها وقد نشر في مجلة جامعة الأقصى بغزة والعديد من الكتب قيد البحث مثل "المصلحة المرسلة بين دقة الأوائل وتمييع الأواخر" " وزاد الأنام شرح بلوغ المرام "...وغيرها من البحوث.

الأرواح جنود مجندة

دعانا رسول الله صل الله عليه وسلم بنص صريح في السنة النبوية الى مخالطة الناس وبناء علاقات اجتماعية قوية معهم ,فما المقصود بالعلاقات الاجتماعية للداعية ؟ وما أهميتها له؟

قال الله تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (الحجرات: 13).

من فوائد الآية: أنّ الله تعالى خلقنا جموعاً عظيمة، وقبائل متعددة ليعرف بعضنا بعضاً، فيكون ذلك أدعى للتنافس في الخير، وأعون على توظيف الملكات والمواهب، والأفكار إحياءً لمقاصد الشّرع، ومصالح البشر، يؤيد ذلك قول النّبي صلى الله عليه وسلم [الأرواحُ جنودٌ مجنَّدةٌ . فما تعارف منها ائتَلَف . وما تناكَر منها اختلف]( صحيح مسلم)
ولقد حمد النّبي صلى الله عليه وسلم بين النّاس ورغب به، فعَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [المؤمنُ الَّذي يخالطُ النَّاسَ ويصبرُ على أذاهم أعظمُ أجرًا منَ المؤمنِ الَّذي لاَ يخالطُ النَّاسَ ولاَ يصبرُ على أذاهم] (صحيح ابن ماجه)

ويحسن بالداعية أن يخالط النّاس ويتعرف على أخلاقهم، وعوائدهم، وطباعهم، فإنّ علمه بذلك يفتح عليه كيف يدعوهم إلى الله، وما هي مادة الدعوة التي يُقدمها لهم، والأسلوب الذي يخاطبهم به، فإنّ ذلك  أنفع لهم وأرضى لنفوسهم، وأرغب في انقيادهم، وبهذا يتحقق نجاح الداعية.

على أنّ معرفة الداعية لمعادن النّاس وثقافاتهم، وطباعهم أمر مهمٌ،  ولا يُظنُّ نجاح الداعية وقبول دعوته إذا تخلّف ذلك، لأنه قد يدعوهم وهم عالمون بما يدعوهم إليه فيُملّهم، وقد يدعوهم إلى ما لا تطيقه عقولهم فيشق عليهم، فيتسبب في فتنتهم، فعن الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ وعن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: [ أن عبدَ اللهِ بن مسعودٍ قال : ما أنتَ بمحدثٍ قومًا حديثًا لا تبلُغُه عقولُهم ، إلا كان لبعضِهم فتنةً .] (صحيح مسلم )
وعن علي – رضي الله عنه – قال : [حَدِّثوا الناسَ، بما يَعْرِفونَ أتُحِبُّونَ أنْ يُكَذَّبَ، اللَّهُ وَرَسولُه](صحيح البخاري)


ركائز الداعية لبلوغ النجاح

:ما هي الأسس والقواعد التي يرتكز عليها الداعية ليبلغ النجاح؟

يبني الداعية علاقته بالناس على الصدق في المعاملة، والأمانة في العلم، والمروءة في الأخلاق، والزّهادة عمّا في أيدي النّاس.

وأمّا عن الأسس التي يرتكز عليها الداعية ليبلغ النّجاح إضافة إلى ما ذكرنا، فعلى الدّاعية تحقيق الإخلاص لله، ودقة الفهم لما يقول من فوائد وأحكام، ومجاهدة النّفس في الصبر على ما يلقى أثناء دعوته إلى الله، وتوطين النّفس على الحلم في حقِّ الجهلاء وعدم مكافأتهم بالمثل، وليتأسّ في ذلك بالنّبي صلى الله عليه وسلم، الذي ما استُغضب إلا وازداد حلماً، فعن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَدَّثَتْهُ أنها قالتْ للنبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :[هل أتى عليك يومٌ أشدُّ من يومِ أُحدٍ ؟ قال : لقد لقيتُ من قومك ما لقيتُ، وكان أشدَّ ما لقيت منهم يومَ العقبةِ، إذ عرضت نفسي على ابنِ عبدِ ياليلِ بن عبدِ كلال، فلم يجبني إلى ما أردتُ، فانطلقتُ وأنا مهمومٌ على وجهي، فلم أستفقْ إلا وأنا بقرنِ الثعالبِ، فرفعتُ رأسي، فإذا أنا بسحابةٍ قد أظلَّتني، فنظرتُ فإذا فيها جبريلُ، فناداني فقال : إن اللهَ قد سمع قول قومِك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث اللهُ إليك ملكَ الجبالِ، لتأمره بما شئتَ فيهم، فناداني ملكُ الجبالِ، فسلَّم عليَّ، ثم قال : يا محمدُ، فقال : ذلك فيما شئتَ، إن شئتَ أن أُطبقَ عليهم الأخشبَينِ ؟ فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : بل أرجو أن يخرجَ اللهُ من أصلابهم من يعبد اللهَ وحده، لا يشركُ به شيئًا]. (صحيح البخاري)
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، [أنَّ رجلًا قال : يا رسولَ اللهِ ! إنَّ لي قرابةً . أصِلُهم ويقطَعوني . وأُحسِنُ إليهم ويُسيئون إليَّ . وأحلمُ عنهم ويجهلون عليَّ . فقال " لئن كنتَ كما قلتَ، فكأنما تُسِفُّهمُ المَلَّ . ولا يزال معك من اللهِ ظهيرٌ عليهم ، ما دمتَ على ذلك ] (صحيح مسلم)
ومن الأسس المهمة الرّفق في المعاملة قال الله تعالى :{ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} (آل عمران: 159) . وقال تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ }[فصلت: 34]. وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ لَهَا : [ يا عائشة ،ارفقي فإن الرفق لم يكن في شيء إلا زانه ، ولا نزع من شيء قط إلا شانه] (سنن أبي داود)
وَعَنْها أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ : [يا عائشةُ ! إنَّ اللهَ رفيقٌ يحبُّ الرِّفقَ . ويُعطي على الرِّفقِ ما لا يُعطي على العنفِ . وما لا يُعطِي على ما سواه] (صحيح مسلم
ومن أسس الداعية التي تقوده إلى النّجاح بإذن الله، عفة اللسان وسلامته من البذاء، فعَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ مَعَكَ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ؟ قَالَ: «حُرٌّ وَعَبْدٌ» قُلْتُ: مَا الْإِسْلَامُ؟ قَالَ: «طِيبُ الْكَلَامِ، وَإِطْعَامُ الطَّعَامِ» . قُلْتُ: مَا الْإِيمَانُ؟ قَالَ: «الصَّبْرُ وَالسَّمَاحَةُ» . قَالَ: قُلْتُ: أَيُّ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» . قَالَ: قُلْتُ: أَيُّ الْإِيمَانِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «خُلُقٌ حَسَنٌ»[صحيح، أخرجه: أحمد/ مسنده]. وعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: [ أن اليهودَ أتَوُا النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقالوا : السامُ عليك، قال : ( وعليكم ) . فقالتْ عائشَةُ : السامُ عليكم، ولعَنَكمُ اللهُ وغضِبَ عليكم، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( مَهلًا يا عائشَةُ، عليكِ بالرِّفقِ، وإياكِ والعُنفَ، أو الفُحشَ ) . قالتْ : أولم تسمَعْ ما قالوا ؟ قال : ( أو لم تسمعي ما قلتُ، ردَدْتُ عليهم، فيُستَجابُ لي فيهم، ولا يُستَجابُ لهم فيّ ]) صحيح البخاري)


أسباب حصول الاتقان

كيف يتقن الداعية فن التعامل مع الناس ؟

الاتقان منة من الله وأعظم أسبابها الإخلاص له سبحانه، وثمّة أسباب تُعين بإذن الله في حصول الاتقان، منها: جبليّ، ومنها مكتسب، أمّا الجبليّ: فمنه فصاحة اللسان، والعاطفة والحنان، وحدة الذّهن وسرعة البديهة، وطلاقة الوجه، والبطاءة في الغضب.

وأمّا الكسبي: فنظافة الفمّ وَالبدن، ورتابة الهندام والمظهر، وغزارة العلم، وسعة الثّقافة، ومجاملة المدعوين، ومشاركتهم في مناسباتهم المفرحة والمحزنة، وبذل الهدية لهم ولو بالقليل، وتفقد أحوالهم ولو برسالة الهاتف المحمول، مع حرصه على عيادة مريضهم، وإجابة دعوتهم، ومواساة مبتلاهم، والمشاركة في تشييع جنائز ذويهم.

كيف يمكن للداعية تطوير قدراته في التواصل مع الناس؟ واستثمار هذا التواصل في خدمة دعوته ؟

يطور الداعية قدراته بكثرة قراءة سير السّلف الماضين، ليتعرف على جميل أخلاقهم، وطباعهم، وحسن مواساتهم، والصدق في معاملاتهم، والتّعرف على صفات الدعاة المتقنين من المعاصرين، والتّعرف على أساليب دعوتهم، وما تميّزوا به من أخلاق وعلوم، واستثمار الداعية للوسائل التّقنية الحديثة التي تخدم في نشر الدعوة أو سرعة التواصل، سيّما الوسائل التي يكثر استعمال النّاس لها، ومتابعة برامجها وما يُبث فيها، والتبادل المعرفي بينه وبين السّادة العلماء، والتّعرف على طرائقهم، وثقافاتهم، وأساليبهم، وغيرها.

الابتعاد عن اليأس والتحلي بالصبر

ما هي المشاكل التي تعود على الداعية أن أخفق في الاندماج مع الأخرين ؟

أختي الكريمة أمينة سعيد مراسلة موقع دعوتها الأصل أن لا تكون مشكلة، وأن يكون الداعية قد وطّن نفسه مسبقاً أنّ هدايته للنّاس هداية بيان وإرشاد، وليست هداية إسلام وإيمان، فإنّ هداية الإيمان بيد الرحمن؛ قال تعالى: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } (القصص: 56). وليس الدّاعية بأصفى ولا أعلم ولا أحرص من أولئكم الأفاضل من الأنبياء والرسل عليهم الصّلاة والسّلام الذين يأتون يوم القيامة، ولم يؤمن بهم أحد، أو آمن بهم الرجل والرجلان، فلي هذا بفشل يعود إلى تقصير، إنّما هو ابتلاء للدّاعية وعقاب للمستكبر، فعن ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم –، قَالَ: [عُرضتْ عليَّ الأممُ . فرأيتُ النبيَّ ومعهُ الرُّهيطُ . والنبيَّ ومعهُ الرجلُ والرجلانِ .والنبيَّ ليس معهُ أحدٌ . إذْ رُفعَ لي سوادٌ عظيمٌ . فظننتُ أنَّهُم أمَّتي . فقيلَ لي : هذا موسى صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وقومُهُ . ولكنِ انظُر إلى الأفقِ . فنظرتُ . فإذا سوادٌ عظيمٌ . فقيل لي : انظُر إلى الأُفقِ الآخرِ . فإذا سوادٌ عظيمٌ . فقيل لي : هذهِ أمَّتُكَ . ومعهُم سبعونَ ألفًا يدخلونَ الجنةَ بغيرِ حسابٍ ولا عذابٍ . ثم نهض فدخل منزلَهُ . فخاضَ الناسُ في أولئكَ الذينَ يدخلونَ الجنةَ بغيرِ حسابٍ ولا عذابٍ . فقال بعضُهُم : فلعلَّهُمُ الذينَ صحِبوا رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ . وقال بعضُهُمْ : فلعلهمُ الذينَ وُلدوا في الإسلامِ ولم يشركُوا باللهِ . وذكَروا أشياءَ . فخرج عليهِمْ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقال : ما الذي تخوضونَ فيهِ ؟ فأخبروهُ . فقال همُ الذينَ لا يَرقُونَ . ولا يسترقُوونَ . ولا يتطيرونَ . وعلى ربهمْ يتوكلونَ فقامَ عُكَّاشةُ بنُ محصنٍ. فقال : ادعُ اللهَ أن يجعلَني منهمْ . فقال أنتَ منهُمْ ثم قام رجلٌ آخرُ فقال : ادعُ اللهَ أن يجعلَني منهُم . فقال سبقكَ بها عُكَّاشَةُ](صحيح مسلم )

ولا يجوز للدّاعية أن يَيْأس من عدم استجابة المدعوين، قال تعالى: {وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} (يوسف: 87) فيبقى على عبادته العالية، وموعظته القيمة، فإنها من أجل القُرَب، وأشرف الأعمال، قال تعالى:{ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}(فصلت: 33، 34).

ومع كل أسف فإنّ كثيراً من الدّعاة ينقلب عليهم صدود المدعوين بالعلة والسّقم كضغط الدم، والسكر، والاكتئاب، وقد ينتهي البعض إلى ما هو أقبح من ذلك، ألا وهو مصانعة الداعية للمدعوين، ومسارعته في أهوائهم، وتحريفه معاني النّصوص لتوافق رغائبهم، فإنّ هذا يُخرجه من معية ربه، ويجعله دمية في يد الشيطان، قال تعالى: {وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا ﴿74﴾ إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا} (الإسراء:75:73). وقال تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ  وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الأعراف: 175، 176].

لماذا يواجه الداعية الفشل بين أسوار مجتمعه الداخلي أحيانا, وينجح في دعوة مجتمعه الخارجي؟

فشل الداعية في مجتمعه الداخلي له أسباب كثيرة، أهمها: الابتلاء، واظهار حكمة الله تعالى في ذلك، فإنّ هذا يفتح على الدّاعية أنّ قلوب العباد بين اصبعين من أصابع الرحمن، إن شاء أن يقيمها أقامها، وإن شاء أن يزيغها أزاغها، فإذا رأى الدّاعية صدودا من ولده، أو أقاربه،  أو جيرانه، أو أهل حيّه، رغم معرفتهم برسوخه وعلو رتبته، وجلالة مكانته، ثمّ هم قد يقبلون من أجنبي غريب قد يكون دون صاحبهم علماً ومعرفةً، فإنّ هذا يجعل الداعية دوماً متوكلاً على الله سبحانه، مفتقراً إليه، أن يُبارك له الله في دعوته، ويفتح بها قلوباً غلُفا، وأعيناً عمياً، وآذاناً صمّاً.

وثمة أسبابٌ تعود إلى الدّاعية، من وضاعة النّسب، أو اشتهاره بالبخل، أو بحب الانتقام، أو بتهاونه في بالسنّة، أو ضحالة العلم، أو اللّحن في القرآن أو في الوعظ، أو إخلاله بأخلاق المروءة، أو أن يكون صاحب بدعة، أو متهاوناً في حشمة أهله، وقد يرجع هذا إلى حدّة في صوته أو ضعفٍ شديدٍ فيه، أو شعثة في بدنه أو ثوبه، أو عدم درئه للمشتبهات فإنّ عِلْم الأهل والجيران بهذه الأخلاق من الدّاعية يزهدهم فيما عنده، فيكون الغريب الذي لا يعلمون من حاله ما يُنفّر، أو يعلمون ما يدعوهم إلى الغبطة أشدّ قبولاً عندهم.

خيركم خيركم لأهله.

ما هي الآثار المترتبة على اهتمام الداعية بأهله وأقاربه وتوصيد الصلة بهم ؟

من أهم الآثار رضا الرّحمن؛ لأنّ الداعية وهو كذلك يُعدّ ممتثلاً لما أُمر به في الكتاب والسنة، قال تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى }(طه: 132)

على أنّ اهتمام الداعية بحق أهله وقرابته، وتأثيره فيهم، من أعظم الأسباب، في إقناع المدعوين، وقبولهم لدعوته؛ إذ لو كان العكس لتشككوا به، وقال قائلهم لو كان صادقاً لتبعه في ذلك قرابته قبلنا؛ ولأجل ذلك أمر الله نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، أن يبدأ في الدعوة بخاصته، قال تعالى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} (الشعراء: 214)

طرق الوصول لقلوب الناس

ما هي أدوات سحر الاتصال التي  يستخدمها الداعية للوصول لقلوب الناس؟

أهم الأدوات الإخلاص لله، وسلامة العلم من الشبه والضلالات، والبدع والانحرافات، لأنّهما سببا قبول العبد عند الله، ونيل رضاه، قال تعالى: {مَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} (الكهف: 110). فإذا رضي الله عنه وقبله، جعل له القبول في الأرض، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: [إذا أحبَّ اللهُ العبدَ نادى جبريلَ: إن اللهَ يحبُّ فلانًا فأحبِبْه، فيُحِبُّه جبريلُ، فينادي جبريلُفي أهلِ السماءِ: إن اللهَ يحبُ فلانًا فأحبُّوه ، فيُحِبُّه أهلُ السماءِ، ثم يُوضَعُ له القَبولُ في الأرضِ].(رواة البخاري)
وعَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَال:[ مَن أرضى اللهَ بسخَطِ النَّاسِ كفاه اللهُ ومَن أسخَط اللهَ برضا النَّاسِ وكَله اللهُ إلى النَّاسِ] (صحيح ابن حبان )

ثمّ يستعين الدّاعية بعد ذلك بما قلنا آنفاً من أخلاق المروءة، وأحكام الزينة، وإتقان الفهم فيما يعزم على دعوة النّاس إليه وتوظيف وسائل التقنية الحديثة الخادمة في ذلك.

استثمار الطاقات ضروري

حسن معاملة الداعية للناس هل هي سبب في اقبالهم على الدين؟

فإنّ مراعاة الداعية لما ذكرنا تُعد من أعظم الأسباب في إقبال النّاس على الدين ودخولهم فيه أفواجاً متتابعين، وأنّ الخلق الحسن، والسّمت الصالح، والعلم النّافع يُعرب للنّاس عن جمال الشّريعة وسماحتها.

شبكة مساجدنا :هل من شواهد تؤكد أن سر نجاح كل داعية في قدرته على بناء العلاقات مع الآخرين؟

لا أرى أنّ سر نجاح الداعية ينحصر  في قدرته على بناء العلاقات مع الآخرين، بل إنّ بناء العلاقة سبب من أسباب النّجاح، وليس هو أهمّ من الأخلاق التي بها يفتح الله قلوب المدعوين، إذ بها تنشأ العلاقة متينةً، وتمتد إلى أوسع مدى؛  لأنّ الإنسان جُبل بطبعه على استحسان الملائح، والكرائم، والفضائل.

وصيتكم للعاملين في الحقل الدعوي ؟

أنصح نفسي والأخوة الدعاة بالجد والاجتهاد في تحصيل الإخلاص وتحقيق الرّسوخ في العلم، والالتزام برسالة الأخلاق، والهمة المتوثبة في الدعوة إلى الله، واستثمار كلّ الوسائل المتاحة في ذلك.

وإنّي إذ أذكر هذا لأدعوه بذلي وافتقاري أن يُعطيني الحظ الأوفى ممّا ذكرت ويجعله حجة لي يوماً ألقاه.


تاريخ المادة: 29/7/1436.

 

أضف تعليق


كود امني
تحديث

نموذج تسجيل الدخول

قائمة الفيديوهات الجانبية

اشترك في المجموعة البريدية الخاصة بنا لتصلك أخبارنا أولا بأول